آخر الأخبار

حين يتحوّل الخوف العالمي إلى وقود للأسعار

شارك

لم يعد صعود الذهب في الأسواق العالمية مجرّد حدث اقتصادي دوري روتيني يمكن تفسيره ضمن معادلات العرض والطلب التقليدية، بل بات انعكاسًا مباشرًا لتحوّل عميق في بنية النظام المالي العالمي وفي مزاج المستثمرين والدول على حد سواء. فبلوغ سعر الأونصة مستويات تفوق خمسة آلاف دولار للمرة الأولى في التاريخ لا يُقرأ كقفزة رقميّة فحسب، بل كمؤشر صريح على أنّ العالم يدخل مرحلة مختلفة من عدم اليقين، تتقدّم فيها اعتبارات الأمان على حساب السعي وراء العوائد المرتفعة.

هذا الارتفاع المتسارع لا يحدث من فراغ، لأنّ التوترات العالمية السياسية والأمنية أصبحت طاغية، وهي فيما تبدو خارجة عن السيطرة وطويلة الأمد أحيانًا كالحرب الروسيّة-الاوكرانية واحتمالات الحرب الاميركيّة على الجمهورية الاسلاميّة الايرانيّة والضغوط الّتي تُمارس على بعض دول أميركا اللاتينية يبدو الاقتصاد العالمي متأرجحًا وفقًا للمسارات المذكورة. فالمشهد الجيوسياسي الدولي يعيش واحدة من أكثر مراحله توترًا منذ نهاية الحرب الباردة. حيث الحروب مفتوحة على أكثر من ساحة، وسباق التسلح بين القوى الكبرى ازداد بشكل مضطرد، اضافة الى الانقسام الحاد الحاصل داخل الولايات المتحدة وأوروبا، وهذه جميعها عناصر أعادت رسم خريطة المخاطر العالميّة. وفي مثل هذا المناخ، لا يعود المستثمر يبحث عن الفرص بقدر ما يبحث عن الملاجئ، ولا يجد ملجأً أكثر رسوخًا من الذهب.

وما بدا لافتا بشكل فاقع أن الذهب يواصل الصعود رغم بقاء أسعار الفائدة العالميّة عند مستويات مرتفعة نسبيًا، وهو ما يشكّل كسرًا لأحد القواعد الكلاسيكيّة في الأسواق. وهذا السلوك يعكس حقيقة جديدة مفادها أن الذهب لم يعد يتحرّك فقط كردّة فعل على السياسة النقديّة، بل بات يتحرّك بوصفه أصلًا سياديًا بديلاً عن العملات الورقيّة نفسها، والّتي باتت غالبية دول العالم تعيد حساباتها للحفاظ على ماليتها واقتصادها بالاتجاه الى المعادن الثمينة كملاذات آمنة لبلدانها. ف المصارف المركزية حول العالم، وخصوصًا في آسيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، كثّفت خلال العامين الماضيين عمليات شراء الذهب بهدف تنويع احتياطاتها وتقليص انكشافها على الدولار الأميركي، في خطوة تعبّر عن قلق متزايد من مسار الدين الأميركي والعجز المزمن في المالية العامة للولايات المتحدة.

إلى جانب ذلك، تلعب المخاوف من تحوّل التوتر الأميركي–الإيراني إلى مواجهة عسكرية مباشرة دورًا إضافيًا في تأجيج الطلب على المعدن الأصفر. إذ أنّ أي صدام واسع في الشرق الأوسط لن يبقى محصورًا جغرافيًا، بل سينعكس فورًا على أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، والتضخّم العالمي، وهو ما يدفع المستثمرين استباقيًا إلى الاحتماء بالذهب.

اليوم يتم تداول الأونصة قرب مستوى خمسة آلاف وتسعين دولارًا، فيما يقترب سعر الغرام عالميًا من مئة وثلاثة وستين دولارًا، وتدور أسعار الليرة الذهبية الإنكليزية حول نطاق يتراوح بين ألف وأربعين وألف وثمانين دولارًا. ممّا يؤشّر الى أن هذه المستويات كانت تُعدّ خياليّة قبل سنوات قليلة، لكنها أصبحت واقعًا يوميًا في سوق يتصرّف وكأنه يستعد لمرحلة طويلة من الاضطرابات.

في هذا السياق تبدو الصورة مفتوحة على ثلاثة مسارات محتملة خلال الأشهر الثلاثة المقبلة. أمّا السيناريو الأكثر ترجيحًا يقوم على بقاء التوترات السياسية والعسكرية عند مستويات مرتفعة، مع استمرار مشتريات المصارف المركزية، ما قد يدفع الذهب إلى التحرك ضمن نطاق يتراوح بين خمسة آلاف ومئة وخمسين وخمسة آلاف وثلاثمئة وخمسين دولارًا للأونصة. في المقابل، قد نشهد تصحيحًا محدودًا في حال طرأت تهدئة سياسيّة موقتة أو صدرت بيانات أميركيّة تعكس تراجعًا واضحًا في التضخّم، ما قد يعيد الأسعار نحو منطقة أربعة آلاف وسبعمئة إلى أربعة آلاف وتسعمئة دولار، من دون أن يغيّر ذلك الاتجاه الصاعد على المدى المتوسط. أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر تطرفًا، فيرتبط بانفجار مواجهة إقليميّة واسعة أو بأزمة ماليّة عالميّة مفاجئة، وفي هذه الحالة قد يتجاوز الذهب مستوى خمسة آلاف وخمسمئة دولار وصولا الى ستة آلاف دولار للأونصة.

بالنسبة إلى لبنان ، فإن هذا المشهد العالمي يكتسب بُعدًا مضاعفًا. لأننا نعيش انهيارًا نقديًا ومصرفيًا غير مسبوق، بات فيه الذهب أحد آخر أشكال الادّخار المتاحة خارج النظام المصرفي. كما أنّ ارتفاع أسعار الذهب عالميًا يوفّر للبنانيين الذين يملكون المعدن الأصفر نوعًا من الحماية النسبيّة لقيمة مدخراتهم، لكنّه في الوقت نفسه يرفع كلفة الدخول إلى هذا الملاذ، ويجعل الادخار بالذهب أكثر صعوبة على شرائح واسعة من المجتمع، فيقتصر امتلاك المعدن الاصفر على الطبقة الغنيّة دون سواها من الطقة الوسطى او الفقيرة، لا سيّما أن الرواتب الّتي تآكلن على مدى ست سنوات لم تعد كما كانت فعليًّا، في وقت أن العملة الخضراء تنهار بشكل كبير، ولا مؤشّرات واضحة بتصحيح الأجور حسب تذبذب الدولار، اضافة الى خسارة المودعين لأموالهم في المصارف جرّاء السياسات الحكوميّة الغبيّة المتعاقبة والفساد السياسي الّذي أطاح بمدّخرات الناس وفوائدها المصرفيّة، ليأتي صعود سعر الذهب العالمي ليحرق الباقي والمتبقّي من فتات الاموال المحجوزة في المصارف حتى اليوم.

في المحصلة، ما نشهده اليوم ليس فقاعة سعريّة بالمعنى التقليدي، بل تعبير عن انتقال العالم إلى مرحلة تتقدّم فيها اعتبارات البقاء المالي على منطق الربح. الذهب لا يرتفع لأنّ الاقتصادات مزدهرة، بل لأنه يعكس حجم القلق الكامن تحت سطح النظام العالمي. وفي زمن القلق الكبير، يصبح المعدن الأصفر مرآة صادقة لمخاوف العالم أكثر مما هو سلعة استثمارية عادية.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا