آخر الأخبار

مجلس السلام ذئب في ثياب حمل يهدد السلام والاستقرار العالمي

شارك

لم يتأخر الرئيس الاميركي دونالد ترامب في تحويل أقواله الى أفعال بالنسبة الى انشاء " مجلس السلام " الذي بدأ يتبلور شكله وأهدافه، والذي انطلق من غزّة ليغزو العالم اجمع، وهذا ما حدا بالرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا الى التنبيه من إمكانية استبدال الأمم المتحدة بهذا المجلس، بدلاً من إصلاح المنظمة الدولية.

هذه الفرضية ليست بعيدة عن الواقع ولا عن المنطق، فليس سراً ان الأمم المتحدة تعاني شللاً بنيوياً، خصوصاً في مجلس الأمن ، حيث أدّى حقّ النقض "الفيتو" إلى تعطيل قرارات مصيريّة، أحياناً على حساب العدالة أو السلم. غير أن القفز من تشخيص المشكلة إلى اقتراح الاستبدال الكامل، لا الإصلاح، يطرح إشكالية اساسية. فالإصلاح يفترض معالجة الخلل ضمن إطار شرعي قائم ومتوافق عليه دولياً، بينما الاستبدال يعني هدم منظومة شرعيّة عمرها ثمانية عقود، دون ضمان أن البديل سيكون أقل اختلالاً أو أكثر عدلاً، وحتى من دون موافقة دول العالم المنضوية تحت علم الأمم المتحدة. المنطق المؤسساتي يقول إن المؤسسات العالمية لا تقاس فقط بكفاءتها الإجرائية، بل بشرعيتها التمثيلية أيضاً، وهي نقطة ضعف جوهرية في أي "مجلس سلام" ضيق العضوية.

الخطورة الأبرز تكمن في تركّز السلطة. فإذا كان ترامب، بصفته رئيساً لـ"مجلس السلام"، يتمتع بسلطة مرجعيّة نهائيّة، فإنّ العالم يكون عملياً أمام صيغة جديدة من الأحاديّة المقنّعة. صحيح أنّ حق النقض في مجلس الأمن لم يكن مثالياً، وغالباً ما استُخدم لحماية مصالح ضيّقة، لكنه مع ذلك شكّل كابحاً نسبياً أمام التفرد الكامل بالقرار. فغياب أي آلية تعطيل أو توازن داخل "مجلس السلام" المقترح يفتح الباب أمام تمرير القرارات التي تريدها الدولة الأقوى، لا تلك التي تعبّر عن حد أدنى من التوافق الدولي.

ان غياب الأمم المتحدة سيعني حكماً الامعان في تهميش ممنهج لغالبية دول العالم. فحصر صنع القرار بالدول "القادرة" أو "الأكثر فاعلية" يفترض معياراً للانتفاع فقط، ويتجاهل أنّ النزاعات غالباً ما تقع في دول ضعيفة أو نامية، وأن إقصاء هذه الدول عن طاولة القرار يزيد من هشاشتها بدل معالجتها. بالنسبة لدول العالم الثالث والدول الطامحة إلى التقدم، فإنّ هذا التهميش يعني فقدان الصوت والتمثيل، وتحولها إلى مجرد ساحات لتنفيذ قرارات لم تشارك في صياغتها، وهي ما كانت تشكو منه أصلا وتعمل على تخطيه.

إضافة الى ذلك، يطرح استبدال قوات الأمم المتحدة أو حتى "الناتو" بقوات محدودة تابعة لـ"مجلس السلام" إشكالاً أمنياً وأخلاقياً. فالقوات الدوليّة، رغم عيوبها، تستمد شرعيتها من غطاء دولي واسع وقواعد اشتباك مقيدة نسبياً. أما قوة عسكريّة منبثقة عن مجلس ضيق العضوية، فستكون أقرب إلى أداة فرض إرادة سياسية بالقوة، ما يعيد العالم إلى منطق "تحالفات القوي" بدل القانون الدولي.

أمّا الطامة الكبرى فتتمثل في مسألة المرجعية. فإذا كان الخلاف داخل المجلس يحسم بالعودة إلى رئاسته، التي يتولاها حالياً ترامب وقد يتولاها لاحقاً رؤساء أميركيون آخرون، فإنّ النظام الدولي يكون قد سلّم قيادته الاستراتيجية لدولة واحدة بشكل مؤسسي. وهذا لا يهدد التعددية الدولية فحسب، بل يكرّس سابقة تاريخيّة تجعل الاستقرار العالمي رهناً بتوجهات داخليّة لدولة بعينها.

إن فكرة "مجلس السلام" قد تبدو، ظاهرياً، حلاً عملياً لشلل النظام الدولي، لكنها من منظور تحليلي أعمق تحمل مخاطر تفوق مكاسبها. لأنّ إصلاح النظام القائم، رغم صعوبته، يظل أقل كلفة على العالم من استبداله بصيغة تركز على السلطة، وتضعف الشرعية، وتفتح الباب أمام تفرد غير مسبوق بالقرار الدولي، مع الاشارة الى انّ عدم الاستقرار في هذا المجلس وفق قواعد ترضي الجميع، ستشكل قنبلة موقوتة تطيح به عاجلاً ام آجلاً، وتضع العالم على كفّ عفريت في ظلّ غياب منهجيّة واضحة لملء الفراغ الذي سيطرأ بعد حل المجلس.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا