كشفت مصادر فلسطين ية لـ"النشرة"، ان قيادة حركة "فتح" في لبنان اتخذت قرارا بالتحرك السياسي والشعبي تأكيدًا على التمسك بوكالة "الأونروا" وحماية ولايتها القانونية، والدفاع عن حق الفلسطينيين في خدماتها الأساسية ورفض اي تقليصات، وتحميل المجتمع الدولي مسؤولياته في تمويلها وحمايتها من محاولات الاستهداف والتصفية.
قرار فتح بالانخراط في الحراك السياسي والشعبي دفاعًا عن الوكالة لم يأتِ من فراغ، ولا يمكن قراءته بوصفه خطوة احتجاجية معزولة، بل يشكّل تحوّلًا سياسيًا مدروسًا في لحظة فلسطينية داخلية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها معركة الحفاظ عليها مع احتدام الخلافات بين القوى الفلسطينية، وفي مقدّمها فتح وحماس، على خلفية إدارة ملف اللاجئين وحدود العلاقة مع الشارع.
فالقرار، وفق مصادر فلسطينية لـ"النشرة"، جاء على وقع اتهامات متصاعدة وُجّهت إلى فتح وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية ، حمّلتها مسؤولية الدفاع السياسي عن الأونروا في مواجهة تحركات شعبية وشبابية واسعة، تقودها لجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والحراك الشبابي المستقل ولجنة المهجرين الفلسطينيين من سوريا، بدعم من اللقاء التشاوري الوطني الفلسطيني الذي تتقدمه حركة حماس ، في ظل قرارات اتخذتها الوكالة اعتُبرت مسًّا مباشرًا بالحقوق والخدمات والهوية الوطنية، وخصوصًا في ما يتعلق بالمناهج التعليمية وخفض ساعات العمل والرواتب وسواها.
أمام هذا المشهد، بدا أن فتح وجدت نفسها أمام خيارين: إما الاستمرار في موقع الدفاع السياسي، بما يكرّس صورة الانفصال عن نبض الشارع، أو الانتقال إلى قلب المعركة الشعبية بقالب سياسي منظم يضعها في مواجهة مفتوحة مع أي مسعى لتقليص خدمات الأونروا أو المساس بولايتها القانونية. ومن هنا، جاء التحرك نحو عقد اجتماع في سفارة دولة فلسطين في بيروت تحت عنوان اللجنة العليا لمتابعة شؤون وكالة "الأونروا"، ، والتوافق على برنامج تحرك بعناوين واضحة، تُترجم ميدانيًا وتكسر الاتهام بالتراخي أو التواطؤ.
وقد شكّل الاعتصام الذي نُظّم أمام مقر لجنة «الإسكوا» في بيروت أولى إشارات هذا التحوّل، حيث حرصت فتح على تأكيد أن دفاعها عن الأونروا لا ينطلق من حماية مؤسسة إغاثية، بل من التمسك بوكالة أممية تشكّل شاهدًا سياسيًا وقانونيًا على جريمة اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، وأن أي استهداف لها لا يمكن فصله عن محاولات تصفية أحد أبرز ملفات الصراع، أي قضية اللاجئين وحق العودة.
هذا التموضع عبّر عنه بوضوح أمين سر حركة فتح في لبنان، رياض أبو العينين ، حين شدد على أن الأونروا ذات ولاية أممية واضحة بموجب القرار 302، وأن استمرار عملها مرتبط بحل عادل لقضية اللاجئين وفق القرار 194، محمّلًا المجتمع الدولي مسؤولية تمويلها وحمايتها من الابتزاز السياسي.
غير أن هذا الخطاب، على الرغم من قانونيته، لم ينجح في تبديد التوتر مع حركة حماس، التي رأت في بعض سياسات الأونروا، وخصوصًا حذف اسم فلسطين من كتب الجغرافيا المعتمدة في مدارسها في لبنان، اعتداءً على الهوية الوطنية ومحاولة ممنهجة لشطب الرواية الفلسطينية من وعي الأجيال.
وقد تفاقم الخلاف أكثر بعدما تبنّت السفارة الفلسطينية في لبنان التوضيح الصادر عن الأونروا، وأوضحت فيه أسباب حذف اسم فلسطين، وفي الوقت نفسه أكدت فيه التزامها اعتماد مناهج الدول المضيفة واستخدام الكتب الرسمية المعتمدة في لبنان دون إدخال أي تعديل على المنهاج الوطني أو محتواه التعليمي.
ولم تكن هذه المواجهة سوى حلقة جديدة في سلسلة خلافات متراكمة بين الحركتين، تعود إلى ملف تسليم السلاح الثقيل والمتوسط من المخيمات، الذي أطلقته فتح وقوات الأمن الوطني الفلسطيني من دون تنسيق مع القوى الفلسطينية خارج إطار منظمة التحرير، ما أدى إلى إحراج حركة حماس أمام الدولة اللبنانية، ورسّخ شعورًا بالإقصاء السياسي لم يزل حاضرًا في المشهد الداخلي.
ومع بلوغ التوتر ذروته خلال اللقاء الذي جمع الممثل الخاص للرئيس الفلسطيني محمود عباس ، نجله ياسر عباس ، مع المديرة العامة للأونروا في لبنان دوروثي كلاوس ، وما رافقه من تحذير رسمي من «الحملات الشعبوية المغرضة» ضد الوكالة، بدا واضحًا أن الخلاف تجاوز حدود التكتيك السياسي، ليطال بنية العلاقات الفلسطينية الداخلية برمّتها، وهو ما تُرجم بتجميد عمل هيئة العمل الفلسطيني المشترك، وتعثر اجتماعات لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني، وظهور «اللقاء التشاوري الوطني الفلسطيني» كإطار سياسي موازٍ في مواجهة فتح وفصائل منظمة التحرير.
في هذا السياق، لا يمكن فصل دخول فتح على خط الحراك عن محاولة إعادة ضبط موقعها في المعادلة الداخلية، وتخفيف حدّة الاشتباك مع الشارع من جهة، ومع القوى الفلسطينية الأخرى من جهة ثانية، في معركة بات واضحًا أنها لا تتعلق بالأونروا وحدها، بل بسؤال أعمق حول من يمثل اللاجئين، ومن يملك قرار الدفاع عن حقوقهم، ومن يرسم حدود المواجهة السياسية في مرحلة تتكثف فيها الضغوط لتفكيك القضية الفلسطينية بندًا بندًا، بدءًا من الوكالة التي وُجدت أصلًا كشاهد على النكبة، ولم تنتهِ مهمتها بعد.
المصدر:
النشرة