آخر الأخبار

بعد مغادرة السوريين.. مخيمات متروكة تفتح ملفاً خطرًا

شارك
لم يكن إخلاء عدد من مخيمات السوريين والتجمعات غير الرسمية كافياً وحده لطيّ صفحتها. فحين يتحوّل الموقع إلى "خامل" أي غير مأهول، يبقى السؤال الحقيقي عمّا يتركه وراءه على الأرض من بقايا مرافق صحية بدائية وردميات وشبكات مياه وصرف عشوائية. الدليل التقني الذي وُضع خصيصاً للبنان يحذّر من أن هذه المواقع، خصوصاً الواقعة في مناطق حساسة بيئياً، قد تتحول إلى مخاطر على الصحة العامة والبيئة إذا تُركت من دون إزالة آمنة ومنظمة. فالمشكلة لا تتعلق بمشهد خيمٍ فارغة فقط، بل بما تحتها وحولها. كثير من هذه التجمعات أُنشئت على أراضٍ عارية، وبعضها كان زراعياً، ومع بنى مياه وصرف "مؤقتة" بحكم الواقع. وعند الإخلاء، قد تبقى حفر مكشوفة أو مراحيض وخزانات وشبكات تصريف تُسرّب إلى التربة أو تُهدد المياه الجوفية، وتزداد الخطورة أكثر عندما يكون الموقع قريباً من مجرى مائي أو ضمن منطقة معرضة للفيضانات، حيث قد تتحول المخلفات إلى مادة تلوّث تتسرب إلى التربة أو تُحمل مع المياه إلى نقاط أبعد. وأحياناً يكفي أن تُترك الحفر المكشوفة من دون معالجة كي يصبح المكان مصدر روائح وتكاثر حشرات ومخاطر صحية، في ظل واقع بلدي أصلاً مثقل بالأزمات.

حسب عدد من الخبراء تواصل معهم " لبنان24 " أكّدوا أنّه اليوم وقبل الغد لا بدّ من البدء بعملية "إزالة أو تصفية الموقع" الذي بات خاليا من أي مظاهر نزوح، ويقصد بها، مساراً كاملاً لا يكتفي برفع الخيم، بل يجب أن يتم تفكيك المأوى ومرافق المياه والصرف الصحي وإزالة الردميات، بما يضمن معايير السلامة والبيئة. وحسب الخبراء، لا بدّ من طرح تقني يقوم على ثلاثة خطوط متوازية: تصنيف المخاطر لتحديد الأولويات، تفكيك المساكن ومرافق المياه والصرف الصحي بطريقة آمنة، ثم جمع الردميات ونقلها والتخلص منها وفق المعايير وبالتنسيق مع أنظمة إدارة النفايات البلدية.

المشهد المتكرر بعد خروج السكان هو "رفع الخيم" وترك الباقي. لكن ما يبقى ليس تفصيلاً. فبقايا مرافق المياه والصرف الصحي تُعدّ من أكثر العناصر حساسية، حيث ان تفكيكها يحتاج إلى إجراءات سلامة ومنع تسرب، وخصوصاً في مواقع أُنشئت أصلاً بشكل سريع ومن دون بنى نظامية. كذلك تشكل الردميات "طبقة ثانية" من المشكلة، لأن حجمها قد يكون كبيراً، ولأن جمعها ونقلها والتخلص منها ليس قراراً فردياً بل يحتاج إلى مسار واضح وموقع طمر أو تجميع رسمي، وتنسيق مع البلدية.

ليس كل موقعٍ "خامل" في المستوى نفسه من الخطورة. فحسب الخبراء الذين تواصل معهم "لبنان24" هناك مواقع يمكن احتواؤها سريعاً، وأخرى تستدعي تدخلاً عاجلاً، وذلك من خلال معيارين. فالمعيار الأول يتعلق باحتمالات تلوّث التربة والمياه، ويتأثر بعوامل مثل نوع المرافق الصحية المتروكة، وقرب الموقع من مجرى مائي، واحتمال تعرضه للفيضانات. والثاني يتعلق بحجم الردميات والأنقاض. فكلما زاد الحجم، زاد العبء البيئي وخطر السلامة العامة، وارتفعت كلفة المعالجة. من هنا، تصبح "الأولوية" مفهوماً عملياً لا شعاراً. المواقع الأقرب إلى المياه أو الواقعة في مسارات سيول لا تُعامل كغيرها. والمواقع التي تتراكم فيها الردميات بكميات كبيرة لا تحتمل التأجيل لأن تركها يحوّلها إلى مكب صغير مفتوح، أو إلى مساحة مهجورة قابلة للاستخدام العشوائي مجدداً.

مَن المسؤول عندما يغادر السكان؟
الملف ليس إنسانياً فقط، بل إداري وبلدي ومرتبط بالمالكين. ففي كثير من الحالات، تكون الأرض ملكاً خاصاً استؤجرت لفترة، أو أرضاً عامة استُخدمت تحت ضغط الواقع. وعند الإخلاء، تتداخل المسؤوليات وتُكثر الأسئلة، فمن يفتح الموقع ويؤمّن الوصول؟ من يتولى إزالة المخلفات؟ من يحدد وجهة الردم؟ ومن يراقب التنفيذ كي لا تتحول العملية نفسها إلى مصدر تلوث عبر رمي الردميات في أماكن غير مناسبة؟ عملياً، لا يمكن ترك المسألة لمبادرات فردية او للمنظمات غير الحكومية. معالجة موقع مهجور تحتاج إلى تنسيق بين الجهات المعنية بملف المأوى من جهة، وبين المعنيين بالمياه والصرف والنظافة من جهة ثانية، مع حضور واضح للبلديات لأنها الطرف الذي يواجه النتيجة على الأرض، ويحتاج إلى تحديد مواقع التخلص، وتنظيم النقل، وإدارة أي اعتراضات محلية. وحتى عندما يصبح المخيم فارغاً، قد يبقى الملف حساساً في القرى، إذ إنّ هكذا ملفات قد تحدث توترا بين "مالك أرض" الذي يعتبر أن "الأرض له" لكنه لا يريد يتحمل كلفة التنظيف، طالما أنّ هذا العقار هو "عقار خاص"، وبين بلدية تُتهم بالتقصير، وبين مجتمع مضيف يرى أن المخيم ترك وراءه أذىً لا يريد تحمّله.

من هنا، ببساطة، وحسب الخبراء، يحتاج لبنان إلى تحويل مرحلة "ما بعد الخروج" إلى مسار واضح، يتمثل بضرورة تقييم سريع للمواقع، ترتيب أولويات بحسب المخاطر، تفكيك المرافق الحساسة بطريقة تمنع التسرب، ثم إزالة الردميات وفق مسار رسمي يمنع رميها في الأودية أو على أطراف الطرق. وهذا ليس ترفاً بيئياً، بل وقاية صحية بأقل كلفة ممكنة، لأن ترك المشكلة تتفاقم سيجعل علاجها أغلى وأصعب.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا