مع كل غارة إسرائيل ية جديدة، ومع كل إنذار بضرورة إخلاء أحد المباني، ومع كل استهداف لسيّارة... تنطلق عبر وسائط التواصل الإجتماعي حَملة من الانتقادات ضُدّ مسؤولي السُلطة السياسية في لبنان ، تَحمِل الكثير من التَهكّم والسُخرية، لا سيّما على شعارات حفظ السيادة وحماية المواطنين. وقد بلغ السُخط أخيرًا مرحلة تحرّك الشارع وقطع الطرقات مُجدّدًا، اعتراضًا على ما يجري. فما هي الأسباب التي حالت حتى اليوم دون أن تتمكّن الدولة اللبنانية من توفير الحماية لمواطنيها، ومن وقف الغارات الإسرائيلية المُعادية؟.
من حَق كل من يُشاهد كيف تُنتهك سيادة لبنان يوميًا من دون أي رادع، أن يرفع الصوت عاليًا، مُطالبًا بوقف هذا المُسلسل الدموي المُهين. ومن حَق كل من تسقط له ضحية غدرًا على الطريق، ومن يتحوّل منزله بلحظة إلى ركام بفعل غارة مُعادية أن يَسأل عن مظلّة الدولة الموعودة. والاتهامات بالتقصير تتصاعد لأنّ السُلطة السياسية لا ترفع الصوت أمام السفراء المُعتمدين في لبنان، ولا تُرسل الوزراء والموفدين إلى كل أصقاع العالم، ولا تُطلق حملة إعلامية-دبلوماسية-سياسية واسعة على الصعيدين الإقليمي والدَولي بغرض وقف الاعتداءات. والكثيرون ناقمون على هذه السُلطة، ويتوجّهون إليها بالانتقادات الحادة لكونها تعمل على احتواء سلاح "المقاومة" بدلًا من أن تَصبّ اهتمامها على استرداد المواقع الحدودية المُحتلّة، والإفراج عن الأسرى في السجون الإسرائيلية، ووقف الانتهاكات المُتمادية لاتفاق "وقف الأعمال العدائية" الذي كان قد وُقّع في 27 تشرين الثاني من العام 2024.
كل ما سبَق مفهوم ومُبرّر، لكنّ الأصحّ أنّ القصة أكبر من مُجرّد عقد اجتماع طارئ هنا، وإرسال موفد إلى الخارج هناك، وإصدار بيان إعلامي وتعميمه هنالك! وإذا وضعنا جانبًا أنّ السُلطة الحالية في لبنان هي أصلًا بأغلبيتها مع خيار بسط سُلطة الدولة بقواها الشرعية وحدها على كامل الأراضي اللبنانية، فالأسباب التي جعلت هذه السُلطة عاجزة عن وقف الاعتداءات الإسرائيلية كثيرة، وأبرزها:
أوّلًا: السُلطة في لبنان تبلّغت طوال العام المُنصرم وحتى الأمس القريب، وعلى لسان الكثير من الموفدين الإقليميّين والدَوليّين، أنّ قرار إنهاء صفحة سلاح " حزب الله " مُتّخذ من قبل أعلى المرجعيّات المُهتمة بالشأن اللبناني، وأن لا تراجع عن هذا القرار، مهما كثرت محاولات الإلتفاف عليه وتضييع الوقت.
ثانيًا: السُلطة تبلّغت أن لا مُساعدات إقتصادية خليجية ودوليّة مهمّة للبنان، ولا استثمارات وازنة لتأمين النموّ الاقتصادي، ولا تمويل لعمليّة إعادة إعمار ما تهدّم، إلا بعد إنهاء ملف سلاح "حزب الله"، وسحب كل سلاح موجود على الأراضي اللبنانية بغير يد القوى الرسمية والشرعية اللبنانية حصرًا.
ثالثًا: السُلطة تبلّغت أنّ مدّ الجيش اللبناني بالأسلحة والأعتدة الحديثة اللازمة، وتوفير التدريبات ومُستلزمات الصمود الاجتماعي له، مرتبط بشكل وثيق بمدى التقدّم الذي يُحقّقه في عمليات سحب السلاح ميدانيًا من مختلف المناطق اللبنانية، وليس من جنوب نهر الليطاني فحسب.
رابعًا: السُلطة تبلّغت أنّ المنطقة برمّتها مُقبلة على مشروعات نهضوية وإنمائية، وأنّ لبنان مُمكن أن يتخلّف عن مُواكبة هذا المسار الذي سيشمل كل من ينخرط في خيار السلام والازدهار، والذي سيطال مناطق كانت غارقة في الحروب، مثل سوريا وقطاع غزّة، إلخ.
خامسًا: السُلطة تبلّغت أنّ كل هذا الواقع الميداني العدائي الذي تعمل إسرائيل ليل نهار على فرضه سينتهي حُكمًا بمجرّد استعادة الدولة اللبنانية لسُلطتها الأمنية على كامل أراضيها، بحيث لا يعود هناك أي مُبرّر لأي ضربات، ولا تعود دول العالم تقف موقف المُتفرّج إزاء أي انتهاك إن حصل، كما هو الحال اليوم، بسبب تأييد هذه الدول لمسألة سحب السلاح غير الشرعي .
وممّا سبق، يُمكن القول إنّ أي تحرك دبلوماسي أو سياسي أو إعلامي للسُلطة في لبنان لن يكون سوى مضيعة للوقت، من دون أن يكون له أي تأثير فعلي على الواقع الميداني الحالي. وإذا كان صحيحًا أنّه من غير المطلوب إعلان الاستسلام، والتأقلم مع الإعتداءات الإسرائيلية الآخذة بالتصاعد والتوسّع، فإنّ الأصحّ أنّ خيارات التصرّف المُتاحة مَحدودة: إمّا "حزب الله" لا يزال يملك قُدرة الردع وعليه التصرّف على هذا الأساس من دون مزيد من التأخير، وإمّا أنّه فقد هذه القُدرة وعليه بالتالي التسليم بخيار الدولة والشرعية من دون أي تأخير أيضًا. فالخيار الثالث الذي يقضي بمحاولة كسب الوقت على أمل تبدّل موازين القوى، لن يجلب سوى مزيد من الاعتداءات الإسرائيلية، وسيؤدّي إلى تخلّف لبنان عن اللحاق بمشروعات السلام والازدهار الجاهزة لكامل المنطقة.
المصدر:
النشرة