شكّلت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة دليلاً فاقعًا على "اختناق" النظام الدولي بآلياته التقليدية، بين فيتوهات مجلس الأمن ، والتجاذبات بين القوى الكبرى ، وتآكل الثقة بفاعلية الأمم المتحدة ، التي وجدت نفسها "شاهدة" على إبادة الشعب الفلسطيني على الهواء مباشرة، من دون أن تتمكن من استصدار مجرّد قرار لوقف إطلاق النار، ولو فعلت، لما كان مستغرَبًا أن تتجاوزه إسرائيل، التي دأبت على فعل ما تشاء، من دون حسيب أو رقيب.
في هذه اللحظة بالتحديد، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب ، بمبادرة تحمل اسمًا جذّابًا هو "Board of Peace" ( مجلس السلام )، لكنها تحمل أيضًا أسئلة أثقل من الاسم حول ماهيّة هذا المجلس، والدور المفترض به، خصوصًا أنّ المعطيات الأولية أوحت بأن ما بدأت بوصفها إطارًا مرتبطًا بتثبيت وقف إطلاق النار وترتيبات ما بعد الحرب في غزة، بدأت تتمدّد إلى ما يشبه "مؤسسة وساطة" قابلة للتوسّع نحو ملفات أخرى.
لعلّ ترامب يريد أن يتوّج من خلال "مجلس السلام" السنة الأولى من ولايته الرئاسية الثانية، وهو الذي يتباهى بأنه حقّق وعده بـ"تصفير الحروب في المنطقة كما يقول، ويرى أنّ "السلام" يحقّق له ربحًا أكبر كسياسيّ يتصرف بعقلية رجل الأعمال، ولو أنه اختتمها أيضًا بتكريس نفسه حاكمًا مطلقًا على العالم كلّه، وكأنّه "الإمبراطور" الذي يحقّ له التدخل في الشؤون السيادية للدول من دون أيّ حسيب أو رقيب.
من هنا، لا تبدو فكرة "مجلس السلام" بقيادة ترامب مجرّد تفصيل في المشهد الدبلوماسيّ المكتظّ، بقدر ما تبدو عنوانًا جديدًا لصراع أقدم ليس فقط على من يملك حقّ إدارة النزاعات في العالم، والأدوات المتاحة لذلك، ولكن أيضًا حول "فلسفة" مجلس السلام بقيادة من يصوّر نفسه "رجل السلام"، فهل نحن عمليًا أمام إطار مكمّل للأمم المتحدة ومؤسساتها، أم منصّة موازية تفرغها من معناها؟.
من غزة إلى "العالم"
صحيح أنّ فكرة "مجلس السلام" انطلقت من غزة، بحيث أراد ترامب أن يتولى هذا المجلس الإشراف على تنفيذ خطة السلام و إعادة الإعمار ما بعد الحرب الإسرائيلية، لكنّ اللافت من حيث الشكل أولاً، قبل المضمون، أنّ الفكرة لم تبقَ "أسيرة" القطاع الفلسطيني المُحاصَر، بل إنّها خرجت سريعًا من عباءته لتطلّ على العالم الأوسع.
إلا أنّ ما بدا مثيرًا للجدل في الأيام الأخيرة ليس التمدّد بحدّ ذاته، بل شكله، فالمشروع بات عمليًا يقدَّم بوصفه "جسمًا دوليًا جديدًا"، ربما يكون "بديلاً" عن الأمم المتحدة. ومع ذلك، فقد ربطه البيت الأبيض بخطة ترامب لإنهاء حرب غزة وبقرارٍ لمجلس الأمن رحّب بتشكيله واعتبره جزءًا من مسار التنفيذ والرقابة، وهو ما يوحي بمحاولة الاستفادة من غطاء أممي، بدل تقديم المبادرة كإطارٍ خارج الشرعية تمامًا.
رئاسة "مدى الحياة"
قبل أن يبصر النور، بدأ "مجلس السلام" الذي "يهندسه" ترامب إن جاز التعبير، ربما لأنّ صاحب فكرته هو ترامب شخصيًا الذي لا يملّ على ما يبدو، ولا يتعب من إثارة الجدل.
فوفق التسريبات المتداولة حول هذا المجلس، لا يريد ترامب تنصيب نفسه رئيسًا على المجلس فحسب، في سياق رغبته بحكم العالم من بوابة رئاسته للولايات المتحدة، وإنما يريد أن يعلن نفسه "رئيسًا مدى الحياة" على المجلس. أما العضوية في هذا المجلس، فهي ثلاثية السنوات، مع "مخرَج" لمن يريد الديمومة مثل ترامب، إذ ينبغي عليه أن يسدّد "ثمن" العضوية الدائمة، وهو مليار دولار فقط لا غير.
ولعلّ هذه الصيغة وحدها كفيلة بتحويل النقاش من "فعالية الوساطة" إلى "طبيعة الشرعية"، فالأمم المتحدة، بكل علّاتها التي يشكو منها العالم اليوم، تقوم على مبدأ تمثيل الدول ضمن منظومة قانونية وسياسية، بينما يُدخل "مجلس السلام" عنصرًا جديدًا حادًا إلى المعادلة، على الطريقة "الترامبية" ربما: المال كأداة لترسيم المكانة داخل مؤسسة تُفترض أن وظيفتها حلّ نزاعات لا الاتجار بنفوذها.
لعلّ أخطر ما في الأمر أنّ هذه الهيكلية، وإن كان من المبكر الحكم عليها، تضعف فكرة "الحياد"، بل تستبدلها بفكرة "نادي الراغبين"، فمن يملك التمويل والانخراط السياسي يصبح أقرب إلى صناعة القرار، ومن يرفض أو يتحفّظ يبقى في الخارج، حتى لو كان ربما جزءًا مباشرًا من النزاع أو من محيطه الإقليمي.
"بديل" عن الأمم المتحدة؟
لا يحتاج المرء جهد كبير لتفكيك منطق ترامب في هذا المسار، فالرجل الذي بنى خطابه السياسي على فكرة "تفكيك البيروقراطية" ومهاجمة المؤسسات الدولية، يرى في الأمم المتحدة نموذجًا للفشل المزمن، وهو يتردّد في القول إنه لا يحترم القانون الدولي، بل إنه يؤمن عمليًا بأن "الحكم للأقوى"، في تبنّ ضمني لسياسة "شريعة الغاب"، بحسب منتقديه.
وحين سئل إن كان "مجلس السلام" هذا بديلًا للأمم المتحدة، قال ترامب إن "عليك أن تترك الأمم المتحدة تستمر"، لكنه لم يُخفِ انتقاداته وفتح الباب أمام فكرة الإزاحة الرمزية.
بكلام آخر، يفسّر البعض كلام ترامب بأن "مجلس السلام" لن يكون "بديلاً" للأمم المتحدة على المستوى القانوني المباشر، باعتبار أنّ ذلك شبه مستحيل. لكنّه في الوقت نفسه، لا يقطع الطريق أمام استبدال عمليّ لها، من خلال العديد من الآليات التنفيذية، على غرار تجاوز مسارات الأمم المتحدة البطيئة والمعقّدة، وإدخال المال والاستثمار كركيزة في بنية الحل، بحيث يصبح "السلام" مقترنًا بحزم تمويل وإعادة إعمار تُدار داخل شبكة حلفاء وشركات ومؤسسات مالية.
بهذا المعنى، فإن "مجلس السلام" قد لا يكون بديلًا عن الأمم المتحدة "على الورق"، لكنه يمكن أن يتحوّل إلى بديل عنها "على الأرض"، إذا ما صار العنوان المفضّل للدول الكبرى وحلفاء واشنطن حين يريدون قرارًا سريعًا، بعيدًا من معارك الشرعية والإجراءات.
هل ينجح "مجلس السلام"؟
في السياسة الدولية، لا يقاس نجاح أي "منصة" بجمال الاسم ولا بسرعة الإعلان، بل بالاستمرارية والقبول.
وفي حالة "مجلس السلام"، ثمّة معيار آخر لا بدّ من أخذه بالاعتبار، وهو "أفق" هذا المجلس. فإذا بقي مرتبطًا بغزة وترتيباتها، كما افترض كثيرون في البداية، ربما يتحول إلى آلية تنفيذية لإدارة وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار ضمن سقف أميركي واضح، وهذا سقف مقبول إلى حدّ ما. أما إذا جرى توسيعه ليصبح بمثابة بديلٍ عملي لمجلس الأمن في نزاعات أخرى، فسيصطدم مباشرةً بسؤال الشرعية وتوازنات القوى الكبرى، وبمقاومة دول ترى فيه "خصخصة" للقرار الدولي تحت قيادة ترامب.
في الخلاصة، يمكن القول إن "مجلس السلام" الذي يطلقه ترامب من رحم حرب غزة، هو عمليًا اختبارٌ لفكرة أكبر: هل يتّجه العالم إلى "نظامٍ دولي موازٍ" تقوده واشنطن وحلفاؤها ويُدار بمنطق التمويل والتحالفات، أم أنّ الأمم المتحدة على هشاشتها، تبقى الإطار الذي لا يمكن تجاوزه، فيما يبقى "مجلس السلام" مجرد أداة ضغط ومساومة مرتبطة بملفات محددة وبزمنٍ سياسي محدد؟
في الحالتين، يمكن القول إنّ ما يفعله ترامب هنا ليس "إلغاء الأمم المتحدة"، ولكن محاولة سحب مركز الثقل منها، بحيث تصبح الأمم المتحدة قاعةً للخطابات، بينما تكون المنصة الجديدة قاعةً للقرارات والتنفيذ...
المصدر:
النشرة