يعتبر موضوع الكهرباء هو الاكثر ايلاماً ل لبنان يين، فواتير في "مهبّ الريح" في مقابل ساعات تغذية لا تتعدى الأربعة في اليوم... هذا الملفّ الذي يطلق من أجله المواطنون الصرخة الى حدّ أن أحد الفنانين ناشد عبر شاشات التلفزة رئيس الجمهورية جوزاف عون التدخل لحلّه، وقال: "أبناء الجبال يعانون الأمرين، وما يحصل هو "شلفة" بالفواتير عن غير حقّ والجباية لا تتمّ في نهاية كلّ شهر، وهناك أناس يتركون في البرد القارس في الجبال دون كهرباء بسبب قطع الشركة لخط الطاقة في المنزل بسبب التأخّر عن الدفع...
هذا الكلام كلّه يطرح علامات استفهام حول ما هي حقيقة هذا الملفّ، خصوصاً وأن وزير الطاقة تحدث عن رفض إعطاء دين ل مؤسسة كهرباء لبنان لأنّ المواطن هو من سيدفع الثمن وعلى المؤسسة أن تؤمن احتياجاتها من الفيول من الجباية.
تثبيت التعرفة
أولاً وقبل الغوص بالتفاصيل تجدر الاشارة الى أنه وفي تسعينيات القرن الماضي دخلت "المليشيات" الى الحكومات وأدخلت معها business المولدات والفيول، والفكرة كانت إفلاس مؤسسة كهرباء لبنان لبيعها. في العام 1994 وعلى ايام رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري ورئيس الوزراء فؤاد السنيورة تمّ تثبيت تعرفة سعر برميل النفط على 20 دولاراً، ومع مرور السنوات ارتفع سعره ليصل في العام 2013 مثلاً الى 141 $. وهنا تشرح وزيرة الطاقة السابقة والنائبة الحالية ندى البستاني أن "الدولة هي من أجبرت مؤسّسة كهرباء لبنان بتعرفة الـ20$ وبالتالي أصبحت مضطرّة أن تقدم المساعدة للمؤسسة خصوصاً وأنه مع تقدم الوقت ارتفع سعر برميل النفط عالمياً بشكل كبير".
ما بين المساهمات والسلف
"من العام 1994 الى 2000 قدّمت الدولة ما أسمتهم "بالمساهمات" لمؤسسة كهرباء لبنان وعادت بعدها من العام 2000 الى 2021 واسمتهم "سلف"، ولكن لماذا فعلت ذلك؟. والجواب: لا نعرف. إذ وبحسب البستاني فإن "السلف" تطلبها كهرباء لبنان كمساهمة عبر الوزير الذي يعرضها على مجلس الوزراء ويحيلها الى مجلس النواب للموافقة عليها وتصدر بقانون يتضمّن أن هذه الأموال هي لشراء الفيول لكهرباء لبنان، وبالتالي اعتبرتها الدولة "سلفة" دعم من 2000 الى 2021"، لافتةً الى أن "قيمة تلك السلف وصلت بحسب وزارة المالية الى 22.7 مليار دولار من 2000 الى 2021".
Business المولدات
مرّت السنوات واستفادت كهرباء لبنان من سلف الدعم لتغطية فارق سعر برميل النفط الذي ارتفع عالمياً، وبنفس الوقت لا يمكن للشركة التي تبيع "بخسارة" أن تستثمر بنفسها لإنشاء معامل جديدة، وبالتالي بقيت على قديمها وعلى الشبكة والمحطات منذ البداية ولكن الناس زادت طلباتها. أمّا فكيف تتمّ تغطية الفارق؟ فهو معروف طبعاً عبر المولدات، والتي هي بالأساس موجودة منذ فترات أيام الحرب اللبنانية أي من تسعينيات القرن الماضي. وهنا تشير البستاني الى أنه "بحسب تقرير البنك الدولي فإنّ المولدات هي أغلى طاقة عالمياً وأكثرها تلوّثاً، كذلك اشارت منظمة الصحة العالمية في تقريرها للعام 2025 الى أن أعلى مستوى اصابة بالسرطان في العام 2025 هي في لبنان وحتماً بسبب التلوّث جرّاء المولدات".
"المولدات غير شرعية لأنّ لا أحد يعرف أين تذهب أموال جباياتها "بالكاش" من هذا القطاع وكما أنّ تعرفتها أيضاً غير مُراقبة". وتشير ندى البستاني الى أن "كلفة هذا الـbusiness تصل سنوياً الى ملياري دولار منذ العام 1990". وتضيف: إن الجواب على من يسأل من المواطنين لماذا لا يوجد كهرباء؟! هو بالطبع بسبب النكد السياسي، ولكن هذا النكد يحتاج لأن يتغذى بالأموال ليستمرّ، فمن أين؟. من المولدات ومن ثم الفيول. مع ملياري دولار "كاش" يدفعها المواطن لأصحاب المولدات يقابلهما نفس المبلغ كإضافة فيول لها، بينما كلفة خطة الكهرباء التي وضعها وتقدم بها وزير الطاقة في العام 2010 جبران باسيل كانت لمرة واحدة ملياري دولار ليصبح لدينا كهرباء 24/24 بسعر جيّد وربما يتكوّن لدينا بعض الفائض مع وجود امكانية لبيعه أيضًا".
وتلفت البستاني الى أنّ "الخطة كانت على المدى القصير والمتوسط والبعيد:
-في الجزء الأول الحل سريع، إما مولدات على الارض أو البواخر وقد درسناهما فوجدنا أن حلّ البواخر هو الأسرع والاقل كلفةً، وقدمنا التقرير الى مجلس الوزراء وطُلب منا القيام باستدراج عروض لها، وهذا ما حصل وقامت به لجنة وزاريّة مكلّفة وممثلة من وزراء يرأسها رئيس الحكومة آنذاك نجيب ميقاتي ، وهو الذي قرر بين الشركتين، وهو الذي فاوض مع الفائزة بالعرض، وهو الذي استقدم مكتب المحاماة العالمي الذي وضع العقد مع الشركة".
الحلّ الافضل!
"وصلت البواخر في العام 2013 الى لبنان وما ساهمت به هو زيادة في التغذية الكهربائية من ثلاث الى اربع ساعات يومياً، ولا يمكن مقارنة الحل السريع بالمعامل ولكن رغم ذلك أجريناها. كنا نستجر الكهرباء من سوريا بـ16 سنتا للكليوات/ساعة وكهرباء زحلة 27 سنتا للكيلوات/ساعة والمولدات 30 سنتا للكيلوات/ساعة"، لافتة الى أنه "حتى اذا قارنا بالمعامل، فإنّ 90% منها أغلى من البواخر لأنها قديمة، وبالتالي بين المولدات والبواخر أعطي الثانية طبعاً طالما لم أستطع انشاء المعامل بعد".
تؤكد البستاني أنها "استلمت وزارة الطاقة في العام 2019 وقامت بتحديث الخطة مع البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية (IFC) وتم وضع دفاتر شروط لمعملين على الغاز بالشراكة بين القطاع العام والخاص"، وتشير الى ان كل "دفاتر الشروط موجودة في ادراج الوزارة والمطلوب فقط هو التنفيذ، فلماذا بعد مرور كل هذا الوقت لا يتحدثون عن العمل بينما كل المستندات حاضرة والمطلوب التنفيذ فقط".
إذاً، يتحدّث المعنيون عن رفض إعطاء دين لمؤسسة كهرباء لبنان، فهل ستلجأ الحكومة الى تحرير سعر برميل النفط الذي ثُبِّت على 20$ منذ العام 1994؟ وإذا لم يحدث ذلك، هل ستكفي الجباية وحدها لتغطية فارق سعر النفط عالمياً؟. وماذا عن الكهرباء التي جرت وعود بتأمينها 24/24 بينما لا تتعدى ساعات التغذية اليوم الاربع ساعات أو الفواتير التي يشكو المواطنون من ارقامها الخياليّة مقارنة بساعات تغذية قليلة؟!.
المصدر:
النشرة