آخر الأخبار

حرب غزة: اخفق نتنياهو ولم تنتصر حماس

شارك

تدخل حرب غزة مرحلة مختلفة عمّا كانت عليه في بداياتها، ليس لأن ميزان القوى انقلب لصالح أحد الطرفين، بل لأن الحرب نفسها وصلت إلى حدودها السياسية. فبعد شهور طويلة من القتال، بات واضحًا أن الهدف الذي تعهّد به بنيامين نتنياهو (القضاء على حركة "حماس") لم يتحقق، لا بمعناه العسكري الكامل ولا بمعناه السياسي. وفي المقابل، لا يسمح الواقع بالقول إن "حماس" خرجت منتصرة أو باتت الطرف المسيطر، إذ إن القطاع برمّته يعيش حالة انهيار تجعل مفهوم "الانتصار" نفسه بلا مضمون فعلي.

الإخفاق الأساسي لنتنياهو لا يكمن في عدم تحقيق نصر حاسم، بل في عجزه عن تحويل القوة العسكرية الإسرائيلية الهائلة إلى نتيجة سياسية قابلة للاستدامة، والا لما كانت هناك مفاوضات، ولما تعرض لحملات متواصلة من المعارضة الإسرائيلية في هذا المجال، فالانتصار الحاسم لا يقبل الشك والتشكيك. من نافل القول إن الحرب أضعفت الحركة بشكل كبير، لكنها لم تقض عليها ولا تزال موجودة ولو بحلّة جديدة. وفي الوقت نفسه تسببت بتدمير الإطار المدني والمؤسساتي لغزة من دون أن تفتح باباً واضحاً لبديل واقعي. هذا الفراغ هو ما يفسّر التحوّل الدولي الأخير، ولا سيما المبادرة الأميركية التي أعلن عنها الرئيس دونالد ترامب ، والقائمة على إدارة دولية انتقالية للقطاع عبر " مجلس سلام "، في محاولة لفرض مسار سياسي من خارج معادلة الحرب المباشرة.

دلالة هذه الخطوة لا تكمن في تفاصيلها التقنية أو في أسماء المشاركين فيها، بل في ما تعكسه من قناعة ضمنية بأن الحرب، بصيغتها التي قادها نتنياهو، لم تنتج حلاً. ولو كانت إسرائيل قد نجحت فعليًا في القضاء على "حماس" أو فرض سيطرة ميدانية مستقرة، لما برزت الحاجة إلى إطار دولي لإدارة هذا القطاع. وفي المقابل، لو كانت "حماس" في موقع قوة حقيقية، لما جرى تجاوزها سياسياً بهذا الشكل الواضح في أي تصور مستقبلي للقطاع. ما نراه هو محاولة لمعالجة فشل مزدوج: فشل إسرائيلي في الحسم، وفشل بنيوي في بقاء الوضع السابق.

في هذا السياق، تكتسب انتقادات زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد وزنها التحليلي. فهو لا يتحدث عن هزيمة عسكرية، بل عن طريق مسدود استراتيجي، حيث تستمر الحرب من دون هدف قابل للتحقق، وتدار بعقلية تكتيكية لا تجيب عن سؤال “اليوم التالي”. هذا النقد لا يمنح شرعية لحماس، لكنه يسحبها من خطاب نتنياهو الذي قدّم الحرب باعتبارها مسألة وقت فقط.

التحول الأميركي الأخير يعكس أيضًا تراجعاً في هامش المناورة لدى رئيس الوزراء الاسرائيلي نفسه. فقبوله الضمني بمسار دولي لإدارة غزة يعني الإقرار بأن القضاء الكامل على "حماس" لم يعد شرطًا مسبقًا لإنهاء الحرب، وأن الأولوية باتت لاحتواء الفوضى ومنع الانهيار الإقليمي. هذا لا يرقى إلى هزيمة سياسية مباشرة، لكنه يكشف حدود المشروع الذي قاد به حملته العسكرية.

صحيح أن حرب غزة انتهت عملياً إلى نتيجة رمادية: نتنياهو أخفق في تحقيق هدفه المعلن، و"حماس" لم تنتصر ولم تستعد سيطرتها، وغزة تحوّلت إلى مأساة في ملف دولي أكثر منها ساحة صراع محلي. هذا الواقع، مهما حاولت الأطراف تجميله أو تبسيطه، هو التعبير الأدق عن فشل ما جرى كأداة للحسم، وعن انتقال الصراع من منطق القوة إلى منطق إدارة الأزمات، مع التسليم المطلق بخروج السيطرة على القطاع من يد الاسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء، وهذا يعني خسارة "حماس" هذه الأفضلية، فيما خسر نتنياهو حلم السيطرة المطلقة على هذا القطاع، ما فتح المجال امام ترامب (الذي بات اشبه بشركة تدقيق دولية) لتسلم زمام الأمور.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا