آخر الأخبار

روسيا والصين رفضتا استقباله... رحيل مادورو يكتب أول فصول النظام العالمي الجديد

شارك

ودارت الأيام... ودار الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في نفس السيناريو الذي عاشه الرئيس البانامي " مانويل نورييغا " منذ ٣٥ عاماً على يد السلطة نفسها، ولكن مع لاعبين جدد. الرواية القديمة الجديدة هزّت أغنى دولة نفطية بداية هذا العام، ولم تستطع أية دولة ان تحمي حليفها الفنزويلي الذي اقتلع من سريره بحجة القضاء على تهريب المخدرات وتهديد الأمن القومي الأميركي.

"مادورو" عرف بمصيره قبل أشهر، فطلب اللجوء الى روسيا والصين، حليفَي الأمس، لكنّ الدولتَين العُظميَين رفضتا استقباله، لأن مصالحهما مع الولايات المتحدة أكبر بكثير من مصير سائق شاحنة وصل بالصدفة الى السلطة. عرضت عليه كولومبيا الاحتماء في ديارها، لكنّ دائرته الضيّقة رفضت مغادرته البلاد، خوفاً على نفسها، فاختار البقاء ولجأ الى الأمم المتحدة من خلال رسائل أوصلها المندوب الفنزويلي " سامويل مونكادو " الى مكتب الأمين العام علّ المنظمة الدولية تحميه بسلاح القانون الدولي من الأميركي "الطاحش" للسيطرة على نفط البلاد ومقدراتها.

الرئيس الاميركي دونالد ترامب أبرق لنظيره الفنزويلي "نيكولاس مادورو" في الخريف الفائت برسالة دعاه فيها للسفر الى نيويورك ، حيث عرض عليه عقد "محاكمة عادلة" في المحاكم المختصة بجرائم تهريب المخدرات، لكنّ الثاني رفض العرض، فاقتيد ليل الثالث من كانون الثاني بلباس النوم الى قاعدة "ستيوارت" الجويّة في نيويورك، ومنها الى مركز احتجاز فيدرالي في بروكلين، حيث لا يزال رهن الاحتجاز بانتظار محاكمته أمام المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية من نيويورك.

لم يدافع أحد عن مادورو، حتى جيشه الذي طالما تغنّى بقوته وعنفوانه. فبعد ان تمّت اتصالات سرية مع قادة عسكريين فنزويليين لضمان عدم تدخل وحدات معيّنة في التوغل، على الرغم من عدم إقرار هذه الاتفاقات رسميًا، تمّ اعتقال الرئيس الفنزويلي خلال ساعات قليلة.

القصة ليست قصة رئيس غير مرغوب فيه، إنما قضية نفط وتجارة رابحة. رحل "مادورو" وانتصر شعب فنزويلا القابع في أقبية التخلّف والفقر منذ عقود. لم يكن النظام البولشيفي سوى نظام دكتاتوري فاشي ظالم، أوصل الشعب الى الجوع والهجرة.

أوصل الرئيسُ الراحل هوغو شافيز سائقَ الحافلات الى سدّة الرئاسة عام ٢٠١٣، عندما كان يتعافى في المستشفى، ففضّل ان يضع مكانه رجلاً أمّيًّا خوفاً من خسارة السلطة من يده.

طالتْ حكم "الشوفور" انتقاداتٌ واسعةُ النطاق لتفاقمِ أزمةٍ اقتصادية وإنسانية وسياسية دمرت البلاد في عهده. أدت سياسات مثل تحديد الأسعار، وطباعة كميات هائلة من النقود، وسوء إدارة شركة النفط الفنزويلية ( PDVSA ) إلى تضخم مفرط، ونقص حادّ في الغذاء والدواء، وانهيار الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تقارب 80% في ذروته. كما اتُّهمتْ إدارته بالقمع الممنهج للمعارضين والمتظاهرين، مع آلاف الاعتقالات التعسفية وعمليات القتل خارج نطاق القضاء.

انهارت البلاد والعُملة، وتراجعت أسعار النفط، المصدر الرئيسي للدخل، بشكل حاد بسبب الفساد ونقص الاستثمار.

في عهده ظهرت أمراض كان تم استئصالها (الملاريا، الخناق)، وارتفع معدل وفيات الرضّع بمقدار 100 ضعف، وتأثر الملايين بسوء التغذية. فرّ 7.9 ملايين فنزويلي، في أكبر موجة هجرة في تاريخ أميركا اللاتينية الحديث.

عمّ الفساد في عهد مادورو، وراح وزراؤه يتقاسمون أرباح شركة النفط الدولية PDVSA، ويهربون بالأموال الى خارج البلاد، أبرزهم السفير الفنزويلي السابق في الأمم المتحدة، اللبناني الأصل، " رافاييل راميريز "، المتهم باختلاس 8 مليارات دولار، وهو يعيش اليوم ببحبوحة مطلقة في دولة "مونتينيغرو" البلقانية. وكم من "راميريز" يعيش اليوم بثراء على حساب الشعب الفنزويلي الذي أصبح فقيراً بفضل النظام الفاسد!.

فنزويلا الغنيّة كانت قبلة الهجرة اللبنانيّة منذ أكثر من مئة عام. جمع المغتربون فيها جنى عمرهم بالبوليفار الفنزويلي. انهارت العملة وخسروا كل ممتلكاتهم؛ فأغلب اللبنانيين أصابوا ثراء بفضل جهودهم، واليوم عاد القسم الكبير منهم الى لبنان وسوريا ليبحثوا عن إرث او منزل تركه لهم أهلهم بعدما خسروا كل شيء، في حين يحرس قسم آخر جدران معاملهم وشركاتهم التي كانت تقدر بالملايين، وهي اليوم لا تساوي دولاراً واحداً.

والآن، وبعد ان تفاوض الأميركيون مع الفائزة بجائزة نوبل للسلام ٢٠٢٥، ماريا كورينا ماتشادو ، لقيادة البلاد بعد اعتقال الرئيس مادورو، آثرَتْ إدارة ترامب التواصلَ والتنسيق مع نائبة الرئيس المخلوع " ديلسي رودريغز " لما تتمتع به من نفوذ عسكري ووعود تجارية رابحة.

بعد فنزويلا، سيأتي دور كوبا وكولومبيا وغواتيمالا، بحسب تسريبات الإدارة الأميركية، ليس من أجل النفط فقط، إنما من أجل برنامج خاص بالنظام العالمي الجديد، الذي يرسم لأميركا اللاتينية ما يحوّلها لسلّة غذاء للعالم الأميركي الأكبر، تحت رعاية وسلطة أثرياء العالم، شلّة الرئيس ترامب، مثل إيلون ماسك وبيل غايتس، بحيث تكون السلطة الحديثة صوَريّة لأشخاصِ رؤساءِ الجمهوريات والحكومات، ولكنّ الفعل والسلطة بيد أثرياء العالم.

سمر نادر-الأمم المتحدة

نيويورك

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا