آخر الأخبار

هو الحياة والذبيحة الأبديّة

شارك

صحيح أنَّ من بين صفات الربِّ يسوع المسيح «المعلِّم»، إلَّا أنَّه في الحقيقة ليس مجرَّد معلِّم، بل هو الحياة نفسها. وهذا معنى اسمه «يسوع» أي «يهوه يشع» أي الكائن –الحياة– المعطي الحياة يخلِّص. والموت هو نقيض الحياة لأنَّ الحياة هي الأصل الإيجابيُّ، والموت حالة سلبيَّة تُعرَّف بغياب الحياة، تمامًا كما أنَّ الظلام هو غياب النور، والمرض هو غياب الصحَّة. ونحن نعرِّف الموت بفقدان الحياة، لهذا أتى إلينا مصدر الحياة ليعيد إلينا الحياة. فخارج يسوع لا يوجد حياة.

ومن الجيِّد أن نعي وندرك أنَّ التجسُّد الإلهيَّ كان من مقصد الخالق الأزليِّ منذ البدء قبل سقوط الإنسان، كما شرح القدِّيس أثناسيوس الكبير الَّذي نعيِّد له في الثامن عشر من شهر كانون الثاني[1]، ولمجرَّد أن نقول بأنَّ الإنسان خُلِقَ على صورة الله فهذا يعني أنَّه خُلِقَ للشركة مع الكلمة المتجسِّد الربِّ. فهذا الاتِّحاد الإلهيُّ - الإنسانيُّ هو كمال فيض المحبَّة الإلهيَّة للإنسان.

وإن غصنا في العمق لَقُلنا: التجسُّد شفى الإنسان وحرَّره وأعطاه الإمكانيّة الكاملة ليؤلهه إذا جاهد الإنسان الجهاد الحسن والمستقيم. فيسوع بتجسُّده أبطل الفساد والموت الَّذي نتج عن الخطيئة، فكان شفاءً وجوديًّا. من هنا قال الآباء القدِّيسون وأكَّدت عليه المجامع المسكونيَّة بأنَّ «ما لم يُتَّخذ لم يُشفَ»، بمعنى أنَّ ما لم يتَّخذه المسيح على عاتقه بصيرورته إنسانًا - وبقي إلهًا - لم يُشفَ منه الإنسان ولم يتحرَّر منه. والَّذي يحبُّ الآخر ويعشقه يموت عنه. فكيف بالأحرى أنَّ الخالق عشقنا ومات عنَّا ليخلِّصنا ويحيينا بقيامته المجيدة إذ أقامنا معه.

كلُّ ما ذُكِرَ أعلاه هو جوهريٌّ في خلاص الإنسان، ودونه لا يمكن التكلُّم عن الإيمان المسيحي ِّ. وهو إيمان تتفرَّد به المسيحيَّة لتخرج من منظومة التعريف الاجتماعيِّ للأديان، لأنَّها مشروع الله الخلاصيُّ والوحيد.

مصدر الصورة كلام لا يمكن إدراكه بالمنطق البشريِّ، ويشكِّل عند أناس هذيانًا وتكفيرًا. هذا الأمر ليس بجديد، ف اليهود أرادوا قتل يسوع لأنَّه قال إنَّ الله أبوه، معادلًا نفسه بالله (يوحنَّا 5: 18). والأمر صعب أكثر عند اليهود والأمم، إذ كيف يمكن أن يكون هو الربّ المتجسِّد ويُصلَب، فاستهزأوا به قائلين: «يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيَّام، خلِّصْ نفسك! إنْ كنت ابن الله فانزل عن الصليب!» (متَّى 27: 40). وكيف يمكن أن يموت الربُّ القدير بهذه الطريقة المُذلَّة والحقيرة؟! كذلك بولس الرسول وصف الأمر بقوله: «نحن نكرز بالمسيح مصلوبًا: لليهود عثرة، ولليونانيِّين جهالة!» (1 كورنثوس 1: 23).

لا شيء تغيِّر منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا. أناس لا يتقبِّلون صيرورة الله إنسانًا معتبرينه تدنيسًا وتشريكًا. مع العلم أنِّه لا يمكن لأيِّ شيء أن يدنِّس الله لكونه الله، وإلَّا لأصبح أقوى من الله. كما أنَّه لا يحطُّ من جلالة الله للسبب نفسه. والأمر الثاني، في المسيحيَّة لا وجود لأيِّ تشريك لأنَّ الطبيعة الإلهيَّة لم تذب في الطبيعة البشريَّة ولا العكس ولم تختلط بها، ويسوع بقي إلهًا كاملًا، وبتجسُّده بتنا نقول بطبيعتين كاملتين: إلهيَّة وبشريَّة في شخصه الواحد.

نحن نقرُّ ونعترف بأنَّ الأمر عسر القبول دون الروح القدس ولمس محبَّة الربِّ الأبويَّة للإنسان. وقد حاول يسوع مرارًا أن يشرح بأنَّه هو والآب واحد. فقوله بأنَّه «هو»، أي يهوه، يجب أن يذكِّرهم بأنَّه الكائن المخلِّص الَّذي تكلَّم مع موسى في العهد القديم وهم الآن يرونه، لهذا قال لهم بأنَّه لا يمجِّد نفسه بل أبوه الَّذي يمجِّده، والَّذي تقولون بأنَّه إلهكم، وهو يعرفه جيِّدًا.

وأكمل أنَّ أباهم ابراهيم تهلَّل بأن يرى يَوْم يسوع فرأى وفرح. وكان يسوع يُرجعهم بالذاكرة لما حصل مع ابراهيم عندما كلَّمه الربُّ ومنعه من أن يقدِّم ابنه ذبيحة، وعندها رفع ابراهيم عينيه ورأى الكبش ودعا اسم الموضع «يَهْوَهْ يِرْأَهْ». حتَّى إنَّه يقال اليوم: «في جبل الربِّ يُرى» (تكوين 22: 11-14). وهو في المنطقة نفسها الَّتي بُني فيها الهيكل لاحقًا (2 أخبار 3: 1). فكان ما حصل مع ابراهيم هو صورة مسبقة بأنَّ يسوع ابن الله هو الذبيحة الحقيقيَّة والوحيدة، لهذا فالموضع هو قريب جدًّا من موضع الصليب. وشرح القدِّيس أثناسيوس الكبير أنَّ ما لم يسمح به الله لعبده، قَبِلَهُ هو عن نفسه. وعبارة «يهوه يِرأه» لا تعني فقط أنَّ الله دبَّر كبشًا، بل أنَّه رأى منذ الأزل ذبيحة ابنه.

جواب اليهود ليسوع كان مليئًا بالاستغراب: «ليس لك خمسون سنة بعد، أفرأيْتَ إبراهيم؟»، عندها أجابهم يسوع: «الحقَّ الحقَّ أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» (يوحنَّا 8: 54-58).

نعم هو كائن وهو الكائن بأل التعريف، وهذا ما معنى ما نكتبه على أيقونته O WN باليونانيَّة.

يسوع غفر الخطايا فانتفضوا، شفى المرضى وفتح عيون العميان فاعترضوا، وأقام الموتى وخلق عينين للَّذي لم يكن لديه عينان فرفضوا أن يصدِّقوا، وأعاد خلق لعازر بعد أن أنتن فقرَّروا أن يتخلَّصوا منه. وفي المقابل اضطهد الرومان المسيحيِّين ليُنكروا إلههم الواحد فثبتوا واستشهدوا. والأمر مستمرٌّ.

في الخلاصة، تبقى سيرة يسوع وأقواله وأفعاله فريدة لا شبيه لها ولا مثيل، وهو يدعونا في كلِّ لحظة إلى الدخول في علاقة معه لأنَّنا كلَّنا أبناء الله بالنعمة، لأنَّه الطريق والحقُّ والحياة.

إلى الربِّ نطلب.

[1]. عيد نقل رفاته في 2 أيّار.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا