في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ لبنان ، يبرز ملف حصر السلاح بيد الدولة كأحد أكثر العناوين إشكالية وتعقيداً، لما يحمله من أبعاد داخلية وإقليمية متشابكة. فقرار الدولة اللبنانية، رئيسا وحكومة ومؤسسة عسكرية، المضي في مسار بسط سلطتها الكاملة على الأراضي اللبنانية والانتقال إلى مرحلة شمال الليطاني، يشكّل تحوّلاً نوعياً في مقاربة هذا الملف، ويضع البلاد أمام اختبار فعلي لميزان القوى وقدرة الدولة على فرض قرارها السيادي.
في المقابل، يتمسك حزب الله بسلاحه باعتباره "ضمانة" في مواجهة إسرائيل التي لا تزال تتعنت وتعطي -الى حد ما- ذريعة للحزب لعدم تسليمه بسبب استمرار احتلالها لاراض لبنانية، ومواصلة الاعتداءات اليومية، وعدم الافراج عن الاسرى، وعدم السماح باعادة الاعمار، والاهم عدم التقيد بأي من بنود اتفاق وقف الاعمال العدائية الذي مرّ عليه اكثر من سنة. ويذهب الحزب أبعد من ذلك عبر التلويح بإمكانية اندلاع مواجهة داخلية أو حتى حرب أهلية في حال تجاهل تحذيراته، في خطاب تصعيدي يهدف، في أحد أبعاده، إلى رفع سقف التهديد لردع الدولة عن المضي قدماً في قراراتها، إلا أنّ السؤال الجوهري يبقى: إلى أيّ حدّ يمكن أن يذهب الحزب فعلياً في هذا الاتجاه؟.
القراءة الواقعية لموازين القوى تشير إلى أنّ احتمال لجوء الحزب إلى مواجهة داخليّة شاملة يبقى محدوداً، رغم خطورة الخطاب. فالكثير من القوى السياسية اللبنانية يعتبر أنّ التهديد بحرب أهليّة يدخل في إطار التهويل السياسي أكثر منه خياراً عملياً قابلاً للتنفيذ. ويستند هؤلاء الى انّ الحزب يدرك أنّ أيّ صدام داخلي سيؤدي إلى نتائج كارثيّة على مستوى الاستقرار الأهلي ، وسيضعه في مواجهة شريحة واسعة من اللبنانيين، بمن فيهم بيئته الحاضنة التي أنهكتها الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
من زاوية حسابات الربح والخسارة، تبدو كلفة المواجهة أعلى بكثير من مكاسبها. ففي حال قرر الحزب الدخول في صدام مع الدولة، ولا سيما مع الجيش اللبناني ، فإنه سيخاطر بفقدان ما تبقى من شرعيته الداخلية، إضافة إلى تعريض نفسه لعقوبات وضغوط دوليّة أشدّ، وربما لعزلة سياسية غير مسبوقة. في المقابل، عدم المواجهة يمنحه هامش مناورة أوسع، ويسمح له بالرهان على الوقت والتطورات الإقليمية. وهنا تتجه الأنظار إلى إيران ، الداعم الأساسي للحزب، لمعرفة الاتجاه الذي ستسلكه الأمور. فمصير أيّ تصعيد كبير يرتبط إلى حد بعيد بحسابات طهران الإقليميّة، وبقدرتها على تحمّل كلفة حرب جديدة، في ظلّ الضغوط الدولية والاقتصاديّة التي تواجهها والسباق بين الحلّ الدبلوماسي والضربة العسكريّة الاميركيّة. كما أنّ أيّ اهتزاز داخلي كبير أو مواجهة إقليميّة مفتوحة قد ينعكس مباشرة على استقرار النظام الإيراني نفسه، وهو ما يجعل خيار التصعيد الشامل أقل جاذبيّة.
أما داخلياً، فإنّ الحزب يواجه معضلة حقيقيّة: هل بمقدوره مواجهة الجيش اللبناني، الذي لا يمثل فقط قوة عسكريّة، بل يشكّل رمزاً وطنياً جامعاً ويحظى بدعم شعبي واسع؟ الإجابة الواقعية تميل إلى النفي. فالصدام مع الجيش سيعني خسارة فادحة على المستوى الداخلي، ولن يحقق للحزب مكاسب استراتيجية توازي حجم الخسائر المتوقعة، كما انّ من شأنه افقاده ايّ شرعية وخسارة تمثيله السياسي بالكامل، وتخلّي من بقي من المؤيّدين له من الشيعة او من طوائف اخرى، عن دعمه. ويدرك انه على الرغم من ان تسليم السلاح يعني خسارته الكثير، الا ان الدخول في حرب داخليّة سيكون نهاية وجوده على الصعد كافة، لذلك، من المنصف القول انه بالنسبة اليه ، فإن عدم خوض الحرب يعني تراجع نفوذ وليس نهاية وجود.
يبدو أن المشهد اللبناني يتجه نحو مرحلة شدّ حبال سياسيّة وأمنيّة دقيقة، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين شروطه من دون الانزلاق إلى الهاوية. وبين قرار الدولة ومحاذير الحزب، يبقى الخيار العقلاني هو تجنّب المواجهة المفتوحة، لأنّ كلفتها، على الجميع، ستكون أكبر بكثير من أيّ ربح محتمل.
المصدر:
النشرة