آخر الأخبار

المرحلة الثانية من حصرية السلاح: هل تفرض إسرائيل إيقاعها؟

شارك

في توقيت شديد الحساسيّة، جاءت إطلالة رئيس الجمهورية جوزاف عون التلفزيونية، ورسالتها الأساسية أنّ الدولة ماضية في خطة حصر السلاح بيدها، خصوصًا بعد إعلان الجيش اللبناني إنجاز "المرحلة الأولى" جنوب الليطاني . في المقابل، تتصرف إسرائيل كأنها أمام فرصة لرفع السقف لا لترك المسار يأخذ وقته، وهو ما تُرجم ميدانيًا بتصعيد عبر غارات واستهدافات توسّعت وتبدّلت ساحاتها.

في السياسة، لا تكفي صحة الاتجاه كي يُكتب للمسار النجاح. ما يحدد مصير الملفات الكبرى في لبنان هو سؤال أبسط وأقسى: من يملك الساعة؟ أي من يملك حق فرض الإيقاع، وتحديد ما يُعدّ إنجازًا وما يُعدّ تقصيرًا؟ من هذه الزاوية يمكن قراءة مقابلة عون، بمعنى أنها ليست مجرد إعلان موقف سيادي، بل محاولة لإعادة الإمساك بـ"الزمن السياسي" لملف حصرية السلاح، قبل أن يتحول الزمن نفسه إلى أداة ضغط على الدولة.

الأهمية هنا لا تأتي من تكرار عناوين سيادية مألوفة، بل من محاولة نقل الملف من منطقة "الشعار" إلى منطقة "الوظيفة": لماذا وُجد سلاح خارج الدولة أصلًا؟ وهل بقي مبرره قائمًا مع وجود جيش ومؤسسات؟ ومن يتحمل تبعات ازدواجية القرار في بلد يدفع ثمن أي اشتباك سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا؟ ثم ماذا يعني أن يصبح السلاح "عبئًا" على لبنان وبيئته، كما قال الرئيس، في خطاب رسمي يهدف إلى إعادة تعريف وظيفة الدولة قبل أي شيء آخر؟

هذه الأسئلة، بقدر ما تُرضي شريحة واسعة تبحث عن دولة مكتملة وتطالب بضرورة احتكار الدولة حمل السلاح، بقدر ما تضع عون وحكومة العهد الأولى أمام معادلة دقيقة: كيف تُترجم السياسة على الأرض من دون أن يتحول تطبيقها إلى فتيل انقسام داخلي أو مادة استثمار خارجي، خصوصًا أن تحفّظات بعض القوى السياسية، وفي طليعتها " حزب الله "، لا تزال قائمة، ولا سيما إذا بقيت إسرائيل خارج سقف وقف إطلاق النار عمليًا؟

هنا يدخل الجيش بوصفه المفصل الحقيقي للملف: خطة بمراحل، تثبيت " السيطرة العملانية " جنوب الليطاني، واستعداد تقني لاستكمال ما تبقى. غير أن المفارقة أن التنفيذ يجري في بيئة أمنية غير مستقرة، مع احتلال نقاط حدودية، وغارات تحمل رسالة واحدة: "الوقت ليس لصالحكم".

لكن، بمعزل عن التشويش الإسرائيلي، ماذا يعني أن تتحول الحصرية إلى "مراحل"؟

حين تقول الدولة إنها تعتمد "خطة بمراحل"، فهي تعترف ضمنًا بأن الملف لا يُحسم بقرار سياسي واحد، بل بتثبيت السيطرة على الأرض، وضبط الثغرات، وبناء قدرات، وتوفير غطاء داخلي يمنع الانفجار. "المراحل" بهذا المعنى لغة واقعية: تعطي المؤسسة العسكرية هامش حركة، وتسمح للسياسة بإدارة الحساسية، لأن ما يسري جنوب الليطاني لا يسري بالضرورة وبالقدر نفسه شماله، حيث تتداخل الحسابات الداخلية أكثر.

لكن هذا المنطق الواقعي يفتح بابًا آخر: من يقيّم كل مرحلة؟ وهل تُقاس بمعايير الدولة ومؤسساتها، أم بمعايير خصومها؟ هنا يتسلل العامل الإسرائيلي إلى قلب المعادلة، عبر مقولة تتكرر بصيغ مختلفة: "الجهد اللبناني مشجّع لكنه غير كافٍ". ليست العبارة توصيفًا تقنيًا بريئًا، بل محاولة لتأسيس مرجعية تقييم خارج الدولة، كأن إسرائيل هي التي تمنح "شهادة كفاية" للبنان، أو تحجبها عنه، فيما تتراجع قيمة أي تقييم لبناني أو أممي أو دولي.

بهذا المعنى، تتحول حصرية السلاح من مشروع سيادي إلى "معركة تفسير". الدولة تقول: ننجز ما نستطيع وفق الظروف والإمكانات. إسرائيل تقول: الظروف لا تعنينا، والإمكانات شأنكم، والنتيجة يجب أن تطابق سقفنا. وبين القولين تقع الدولة في فخّ خطر: كل خطوة تُنجزها قد تُستخدم ضدها لا لصالحها، لأن معيار "غير كافٍ" مرن إلى حد ابتلاع أي إنجاز وإبقاء الضغط قائمًا بلا نهاية.

ومن النظريات وعناوينها التي يسهل رفعها، إلى التنفيذ وتفاصيله التي لا تقال عادة، فبمجرد الانتقال إلى المرحلة الثانية، ستُطرح أسئلة أكثر حساسية: الآليات وحدود الاحتواء، والقدرة اللوجستية والعتاد والذخيرة والاستطلاع والهندسة والموارد البشرية وتمويل الانتشار، وقبل كل شيء: قدرة الدولة على التنفيذ من دون كسر سياسي داخلي.

لذلك لم يكن تفصيلًا أن مجلس الوزراء لم يعلن انطلاق المرحلة الثانية فورًا، بل أعطى قيادة الجيش مهلة لإعداد خطة تفصيلية تُعرض في شباط. هذا التدرج يعكس إدراكًا رسميًا بأن الانتقال من جنوب الليطاني إلى شماله ليس مجرد توسيع نطاق جغرافي، بل تغيير في طبيعة الاشتباك السياسي الداخلي، وأن أي خلل في الغطاء أو في القدرة سيتحول فورًا إلى مادة تشكيك داخلية وخارجية.

وإذا كان جنوب الليطاني، في الوعي السياسي اللبناني، مساحة يمكن التعامل معها كامتداد مباشر لنتائج الحرب وضرورات وقف النار، فإن شمال الليطاني يبدو مختلفًا: تماس أعلى مع التوازنات الداخلية ومع معادلة "الردع" ومفهوم الأمن الوطني. هنا تدخل الدولة منطقة "الأسئلة الصعبة": ما هي الآليات؟ كيف تُدار الحساسية؟ ما حدود القوة؟ وما حدود التسوية؟

ومن هنا تُقرأ مقابلة عون أيضًا: الرئيس يقول إن قرار حصرية السلاح "داخلي" ومذكور في الطائف ، لكنه يربطه بمنطق الدولة الجامعة وب السلم الأهلي وبتحمل الدولة مسؤولية حماية الناس بدل أن تتحملها "فئة" وحدها. الهدف الواضح هو سحب فتيل التخوين المتبادل: لا "استهدافًا" ولا "انتقامًا"، بل إعادة تنظيم وظيفة الدولة.

غير أن ترجمة هذا الخطاب تحتاج إلى مظلة سياسية عريضة، وخطاب يراعي هواجس البيئات، وخطوات تُثبت أن الحصرية ليست مشروع صدام بل مشروع تنظيم، وأنها لا تُبنى بمهل إعلامية بل بتراكم السيطرة والقدرة. وفي الوقت نفسه، هي رسالة للخارج: الدولة تتحرك والجيش ينفذ، لكن المطلوب وقف الضغط بالنار كي لا يصبح المسار كله رهينة الميدان.

عمليًا يمكن الحديث عن ثلاثة سيناريوهات، أو مسارات محتملة حتى شباط:

الأول، تسريع بلا حماية. وهو الأخطر، لأن أي استعجال للمرحلة الثانية من دون غطاء داخلي عريض ومن دون قدرة كافية قد يحوّل التنفيذ إلى صدام سياسي وربما إلى توتر اجتماعي، ويمنح خصوم الدولة فرصة تصوير الحصرية كمشروع "تفجير" أو كمؤشر عجز أمام الجمهور.

الثاني، تثبيت تدريجي مع اشتباك دبلوماسي صلب: تواصل الدولة تنفيذ ما يمكن تنفيذه، بالتوازي مع رفع الضغط السياسي لوقف الاعتداءات وإنهاء الاحتلال في النقاط المتبقية، وتحويل ملف دعم الجيش إلى اختبار مصداقية للدول المعنية. فالمجتمع الدولي يطالب الدولة بما يشبه "قفزة سيادية"، لكن نجاح القفزة يفترض أدواتها لا مجرد المطالبة بها.

الثالث، مسار رمادي طويل. قد يبدو الأسهل لأنه لا يتطلب تغييرات كبرى، لكنه عمليًا مسار استنزاف: لا انفجار ولا حسم، مع بقاء التصعيد الميداني حاضرًا تحت عناوين مختلفة، ما يُبقي الدولة في موقع دفاعي دائم، ويحوّل حصرية السلاح إلى نزيف سياسي بدل أن تصبح منجزًا تراكميًا.

خلاصة المشهد أنّ مقابلة عون أعطت ملف حصرية السلاح لغة دولة أكثر وضوحًا: وظيفة السلاح وكلفته ودور الجيش ومسار المراحل. لكن الاختبار الحقيقي ليس في اللغة، بل في حماية الإيقاع: أن تُقاس المراحل بمعايير الدولة وقدرتها وبسلمها الأهلي، لا بمعايير خصومها. فإذا نجحت الدولة في ذلك، تكون قد وضعت حجر الأساس لمسار طويل. وإذا فشلت، ستجد نفسها تُحاكم بمعايير الخارج، وتُدفع إلى استعجال لا يخدمها، وتُستنزف في "معركة تفسير" لا تقل خطورة عن المعركة على الأرض.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا