آخر الأخبار

حاكم المركزي يفعلها: هل يقود ادعاؤه بحق مختلسي الأموال إلى استرداد الودائع؟

شارك
في خطوة لافتة تحمل أبعادًا قانونيّة وماليّة، تقدّم حاكم مصرف لبنان كريم سعيد بشكوى أمام القضاء "ضدّ مسؤول سابق في المصرف وشخص آخر، على خلفية الاستيلاء على أموال عبر أربع شركات وهمية، ما أدّى إلى تحقيق إثراء غير مشروع واستنزاف موجودات المصرف". صحيح أنّ سعيد لم يذكر الحاكم السابق رياض سلامة بالاسم، ولكنّه المقصود بطبيعة الحال إلى جانب شقيقه رجا سلامة. بالتوازي كشف سعيد عن "اتخاذ إجراءات قانونيّة وقضائيّة تستهدف أيّ شخص ثبت أنّه اختلس أو أساء استعمال أموال مصرف لبنان المركزي، ما أدّى إلى استنزاف موجودات المصرف".
وضع الحاكم هذه التدابير في خدمة استرجاع الأموال، بما يشكّل سيولة للوفاء بإعادة أموال المودعين. فهل تمثل خطوة سعيد منعطفًا فعليًّا في مسار استرداد الأموال المنهوبة، تمهيدًا لإعادة الودائع؟
خطوة الحاكم تمثّل بداية مسار جديد وفق مقاربة عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الخبير الاقتصادي الدكتور أنيس أبو دياب ، وفي حديثه لـ " لبنان 24 " لفت إلى أنّ توقيت تحرّك الحاكم، بعد ستة أشهر على تولّيه منصبه، جاء نتيجة استكمال دراسة معمّقة للملفّات "فالحاكم الذي تسلّم مهامه في حزيران الماضي، خصّص المرحلة الأولى للتدقيق في القضايا الحسّاسة، ولا سيّما أنّها بالغة التعقيد، وتشمل شركات وهميّة وعمليّات تحويل ماليّة بين مصرف لبنان والمصارف التجاريّة، فضلًا عن أنّ خلفيّته القانونيّة أسهمت في بلورة هذا التوجّه".
يوضح أبو دياب أنّ الدعاوى التي تحدّث عنها سعيد لم تكن جديدة بحدّ ذاتها، غير أنّ المستجدّ الأساسي يتمثّل بدخول مصرف لبنان إلى الملف بصفة مدّعٍ جزائي "وهو أمر بالغ الأهمية، خصوصًا إذا اقترن بمتابعة التدقيق الجنائي الذي أشار إليه الحاكم في مؤتمره الصحافي، والذي يبدأ من مبلغ 16.5 مليار دولار ويمتدّ إلى العمليات المالية المنفّذة حتى تموز 2023."
الدعم جوهر الأزمة
يلفت أبو دياب إلى أنّ الجزء الأكبر من الخسائر مرتبط بملف الدعم وسلف الكهرباء وتثبيت سعر الصرف، وهي عمليات تفوق قيمتها عشرات المليارات من الدولارات، بخلاف ملفات أخرى لا تتجاوز خسائرها عشرات أو مئات الملايين. ويؤكّد أنّ استرداد أيّ جزء من هذه الأموال سيكون له انعكاس إيجابي مباشر على ملف الودائع، رغم أنّ بعض القضايا قد تستغرق سنوات في المحاكم.
الادعاء على رياض سلامة: ما الجديد؟
الحاكم السلف رياض سلامة يواجه بالفعل دعاوى بالجملة أمام القضاء اللبناني، وقد صدرت بحقّه مذكّرة توقيف دوليّة في أيار عام 2023، على خلفية دعوى قضائيّة رُفعت ضدّه في فرنسا بشأن مزاعم فساد في لبنان، فما الذي سيحدثه ادعاء سعيد؟ يجيب أبو دياب أنّ المعطى الجديد يتمثّل بدخول مصرف لبنان كطرف مدّعٍ، بعدما كانت الدعاوى السابقة محصورة بجمعيّات محليّة ودوليّة، لا سيّما في فرنسا وسويسرا. ويذكّر بأنّ القضاء اللبناني لم يبرّئ سلامة، بل خرج بكفالة، ما يتيح قانونًا إعادة فتح الملف. كما أنّ زيارة كريم سعيد إلى فرنسا ومتابعته للملف أمام القضاء الفرنسي، تعكس اعتماد آليّة مختلفة وأكثر فاعليّة، من شأنها إعادة تحريك الملف على المستويين المحلي والدولي.
هل يمكن استرداد الأموال؟
المسار القضائي يستغرق وقتًا ليس بقصير، وفي حال وصل إلى خواتيمه وثبُتت الإدانة، هناك شكوك بامكان استرداد الأموال المنهوبة أو المختلسة، في السياق يعتبر أبو دياب أنّ التجارب الدولية، كحالة الجزائر، تُظهر أنّ الأمر ممكن، وإن كانت الحالة اللبنانيّة جديدة. ويشدّد على دور الضغط الإعلامي وتوعية الرأي العام لدفع القضاء نحو إصدار أحكام نهائيّة، لأنّ إثبات الاختلاس يفتح الباب أمام استعادة الأموال وبداية استرجاع الثقة. ويضيف أنّ استرداد الودائع لا يرتبط بالسيولة وحدها، بل بثقة المستثمرين بدولة قادرة على الإصلاح، وتوفير فرص عمل، وتعزيز الشفافيّة ومكافحة الفساد، معتبرًا أنّ ما يقوم به الحاكم اليوم قد يشكّل نقطة الانطلاق في هذا الاتجاه.غير أنّ الأساس، برأيه، يبقى في تفعيل التدقيق الجنائي، مذكّرًا بأنّ مصرف لبنان في عهد الحاكم السابق امتنع عن تزويد شركة «ألفاريز أند مارسال» بالمستندات المطلوبة، خلافًا لتوجّه الحاكم الحالي. ويشير إلى أنّ العقد مع «ألفاريز أند مارسال» لا يزال قائمًا ويحتاج إلى تمديد صلاحيته، لافتًا إلى استدراج عروض جديدة للتدقيق.
توظيف ديون الدولة لصالح المركزي في استراداد الودائع؟
فيما لا زال الخلاف قائمًا بين الدولة ممثّلة بوزارة المال ومصرف لبنان حول مبلغ 16.5 مليار دولار، كديون الدولة لصالح المركزي، فجّر سعيد مفاجأة باعلانه أنّ الرقم أعلى بكثير، وأنّ الديون لم تعد تقتصر على 16.5 مليار دولار فقط، بل باتت 3 أضعاف هذا الرقم. في السياق يوضح أبو دياب أنّ المبالغ الكبيرة التي تحدّث عنها الحاكم، والتي تبلغ حوالي 50 مليار دولار، موثّقة في تقرير «ألفاريز أند مارسال»، وصُرفت على الكهرباء والدعم وتثبيت سعر الصرف والفوائد، والمركزي يملك الأوراق الثبوتيّة بذلك، لكنّه يلفت إلى إشكالية قانونية، إذ إنّ هذه الأموال صُرفت من دون موافقة مجلس النواب، ما يضعف الحقّ القانوني للمصرف المركزي بالمطالبة بها. أبو دياب يرى وجوب حسم هذا الخلاف بتسجيل دين على الدولة لصالح المركزي، قد يترواح حجمه ما بين 8 أو 10 مليار دولار، بحيث تدفع الدولة فائدة سنويّة للمصرف المركزي، ما يغطّي استرداد الودائع. بالتوزاي هناك مشروع قانون الفجوة الماليّة أمام مجلس النواب "في حال عدم ردّه، يشكّل النافذة الأكثر واقعية حاليًا لاسترداد الودائع في أقصر وقت ممكن، شرط إدخال تحسينات جوهريّة عليه بعيدًا عن الحسابات الشعبويّة".
في المحصّلة، يبدو أنّ التحرّك القضائي الذي يقوده حاكم مصرف لبنان يشكّل بداية مسار طويل ومعقّد، لا يمكن الرهان على نتائجه السريعة أو المضمونة، وإن كان يفتح نافذة جديدة في اتجاه المساءلة المالية. غير أنّ تحويل هذه الخطوة إلى إنجاز فعلي يبقى رهن استكمال التدقيق الجنائي، وتكامل عمل القضاء المحلي والدولي، وتوافر إرادة سياسية وتشريعية حقيقيّة. بين كل تلك المسارات هل تملك أموال المودعين ترف الانتظار لسنوات إضافية؟
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا