«أنت كسرتَ رؤوس التنانين على المياه[1]». هذا ما نرتِّله في عيد الظهور الإلهيِّ متوجِّهين بالفرح والتهليل إلى الربِّ يسوع المسيح الَّذي طلب من القدِّيس يوحنَّا المعمدان خاتَم الأنبياء والمبشِّر بالإله المتجسِّد أن يعمِّده ليتمِّم كلَّ برٍّ، أي ليقدِّس طبيعتنا البشريَّة ويجعلها نقيَّة طاهرة. فبمجرَّد أن اتَّحد الربُّ بنا أصبح كلُّ عمل خلاصيٍّ يتمِّمه يعنينا مباشرة. ليس يوحنَّا وحده الَّذي ارتعد من طلب الربِّ، وهو الَّذي شهد أنَّ يسوع هو ابن الله الَّذي يعمِّد بالروح القدس[2]، بل أيضًا المياه، كما نرتِّل: «أبصرتك المياه يا ألله، أبصرتك المياه ففزعت، ارتعدت أيضًا اللُجَج[3]» وأيضًا «البحر رآه فهرب. الأردن ُّ رجع إلى خلف[4]». كلُّها آيات من العهد القديم، وهي كناية عن نبوءات بالروح القدس عن الإله المخلِّص الآتي.
عيد الظهور الإلهيِّ هو من أقدم الأعياد المسيحيَّة الكبرى، ففيه كان أوَّل ظهور للثالوث القدُّوس. فكما كان وجود الآب والابن والروح القدس خارج الزمن دون أيٍّ فارق زمنيٍّ بينهم، كذلك كان ظهورهم في معموديَّة يسوع، إذ فور خروج الربِّ من المياه سُمِعَ صوت الآب يقول: «هذا هو ابني الحبيب الَّذي به سررت»، وفي الوقت نفسه ظهر الروح القدس بشكل حمامة نازلًا على الربِّ.
وما قولنا بأنَّه الظهور الإلهيُّ الثالوثيُّ إلَّا لدحض أيِّ فكر هرطوقيٍّ يقول بأنَّ يسوع لم يكن عنده الروح القدس قبل معموديَّته. فيسوع هو إله قبل أن يتجسَّد وهو واحد في الجوهر الإلهيِّ مع الآب والروح القدس.
هكذا عبَّر الآباء القدِّيسون عن العيد، فالقدِّيس أثناسيوس الكبير (3-4م) مثلًا قال: «بالمعموديَّة ظهر المسيح للعالم، ليس كمسيح وحده، بل مع الآب والروح القدس، ليُعلمَنا بأنَّ المعموديَّة هي بابنا إلى الله». كذلك قال القدِّيس غريغوريوس النزينزيُّ (3-4م): «عندما غطس المسيح في الأردنِّ، ظهر لنا الآب بصوت من السماء، والروح القدس نزل عليه مثل حمامة، لنفهم أنَّ الله واحد في ثلاثة أقانيم، وأنَّه يحبُّ البشر».
ولأنَّ الفنَّ والعقيدة والليتورجيا والكتاب المقدَّس متكاملة في جوهرها ومضمونها، نشاهد في أقدم جداريَّات المعموديَّة في دياميس روما من القرن الميلاديِّ الثالث، يسوع عاريًا بالكلِّيَّة. تصوير مطابق لما نرتِّله في النصوص الليتورجيَّة للعيد: «إنَّه لأمر مدهش كيف أنَّ صانع السماء والأرض يُشاهَد عريانًا في النهر».
تصوير يسوع عاريًا له بعدان رئيسيَّان: الأوَّل، يمثِّل الإنسان الأوَّل الَّذي خلقه الله طاهرًا نقيًّا. فيسوع باتِّحاده بالطبيعة البشريَّة جعلها تستعيد الطهارة والنقاوة الَّتي كانت للإنسان قبل السقوط، لذا ندعو الربَّ آدم الجديد، أي تتجدَّد الإنسانيَّة بيسوع وتصبح به خليقة جديدة: ولادة جديدة. الثاني، يخلع الإنسان كلَّ شيء قديم ليلبس المسيح: «لأنَّ كُلَّكُم الَّذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح» (غلاطية 3: 27). وهذا ما نرتِّله في العيد.
هذا هو فعل التغطيس، نموت عن خطايانا وعن الإنسانيَّة الَّتي سقطت ليقيمنا المسيح من بين الأموات إلى الحياة الأبديَّة: «فدُفِنَّا معه بالمعموديَّة للموت، حتَّى كما أُقيم المسيح من الأموات، بمجد الآب، هكذا نسلُك نحن أيضًا في جِدَّة الحياة؟» (رومية 6: 4).
وجيِّد أن نعرف أنَّ العري في التصاوير القديمة ليس «إباحيَّة» بل شفافيَّة كاملة ونقاوة، بالإضافة إلى الانسجام والجسم السليم والروح السليمة والتحكُّم بالنفس والقوَّة والفضائل والجمال المثاليِّ. ونجد هذا الفكر في الفنَّين اليونانيِّ والرومانيِّ القديم بحيث كان الأبطال والفاضلون يُصَوَّرون عُراة وكذلك تماثيلهم.
وقد أعطى يسوع المعنى الكامل والبعد الكامل لكلِّ ما ذُكِرَ أعلاه، لأنَّ الإنسان مخلوق على صورة الله، والجمال الحقيقيُّ هو جمال استقامة الكيان الروحيِّ لا الخارجيِّ الَّذي يشيخ ويمرض ويموت. ويبقى أنَّه بعد تلك الفترة الأولى ظهر القماش على خصر يسوع بدافع الاحترام والحياء، حتَّى ولو ذكر البعض أنَّ ظهوره للتركيز على الروح أكثر من الجسد.
لكنَّ هذا لا يعني أنَّ تصوير يسوع عاريًا بالكلِّيَّة في أيقونات الظهور الإلهيِّ اختفى بل بقي وبقوَّة. وهناك أمثلة عديدة كفسيفساء تعود إلى القرن الحادي عشر تقريبًا في دير دافني في اليونان، وأيقونات في دير القدِّيسة كاترينا في سيناء من القرن الثاني عشر تقريبًا، بالإضافة إلى أيقونات أكثر حداثة. ويوجد في بلادنا أيقونة للظهور الإلهيِّ من القرن الثالث عشر، مشهورة جدًّا في دير السيِّدة في كفتون ، نشاهد فيها يسوع عريانًا بالكلِّيَّة، وهي بقياس 104 سم × 76 سم.
قد نلاحظ أنَّ الربَّ في جداريَّات القرون الأولى يبدو كشابٍّ، قصير الشعر وحليق الذقن. هكذا كان يصوَّر في وقتها، وبعدها أخذ الشكل النسكيَّ أي الشعر الطويل المتدلِّي على كتفيه والذقن الطويلة، وذلك ابتداء من القرن الرابع أو الخامس تقريبًا.
لا بدَّ في الخلاصة من أن نقف أمام الربِّ خالعين عنَّا كلَّ ما لا يليق به لنولد معه نورانيِّين من جديد.
إلى الربِّ نطلب.
[1]. مزمور 74: 13-14
[2]. يوحنا 1: 33-34
[3]. مزمور 77: 16
[4]. مزمور 114: 3
المصدر:
النشرة