آخر الأخبار

الحكومة تسابق المخاوف من اتساع رقعة الحرب

شارك
لا نغالي عندما نقول إن لبنان يعيش في هذه الأيام أصعب مرحلة في تاريخه، مع أن المراحل الصعبة التي مرّ بها كثيرة، ولكنها لم تكن بهذه الخطورة، التي تواجهه هذه المرّة. فالمنطقة تعيش على فوهة بركان يغلي، من غزة إلى لبنان فسوريا حتى اليمن، مرورًا بإيران. وهذا الغليان ينذر بانفجار حتمّي في مكان ما في حال استبعاد الانفجار الشامل على وقع التهديدات الإسرائيلية ، التي وصلت هذه المرّة إلى طهران، التي بدأ وزير خارجيتها عدنان عرقجي زيارة رسمية لبيروت في توقيت له أكثر من دلالة سياسية غير منفصلة عمّا تشهده المنطقة من تطورات دراماتيكية.
واللافت أن هذا الغليان لم يعد محصورًا بجبهات تقليدية، بل بات يلامس عواصم القرار الإقليمي. فالتهديدات الإسرائيلية الأخيرة، التي وصلت هذه المرّة إلى طهران، تشكّل نقلة متقدمة في مسار المواجهة، وتضع المنطقة أمام مرحلة جديدة عنوانها توسيع دائرة النار أو إعادة رسم قواعد الاشتباك بالقوة. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل زيارة الوزير عراقجي لبيروت عن هذا المناخ المتفجّر، ولا اعتبار توقيتها تفصيلاً بروتوكوليًا عابرًا.
فلبنان، وهو في قلب هذا المشهد، يبدو كمن يسابق الوقت لا ليحقق مكاسب، بل ليتفادى الأسوأ. وهو سباق تدركه رئاسة الجمهورية التي شدّد رئيسها العماد جوزاف عون، في أكثر من موقف، على ضرورة حماية الاستقرار ومنع استخدام لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، مؤكدًا أن أولوية المرحلة هي صون السيادة وتفادي الانزلاق إلى مواجهة لا قدرة للبنان على تحمّل كلفتها.
وفي موازاة الموقف الرئاسي، برز موقف قيادة الجيش التي أصدرت بيانًا واضحًا أكدت فيه تمسّك المؤسسة العسكرية بمهامها الوطنية، ورفضها أي خرق للسيادة اللبنانية أو توسيع لرقعة العمليات العسكرية خارج الأطر المعروفة.
وفي رأي أوساط سياسية متابعة فإن بيان الجيش، الذي استبق جلسة مجلس الوزراء ، جاء بمثابة رسالة سياسية – أمنية تعبّر عن حرص المؤسسة العسكرية على منع تفلّت الوضع، وعلى تثبيت دور الدولة في لحظة شديدة الحساسية والخطورة، خصوصًا إذا لم يتمّ التعاطي مع هذه التطورات المتسارعة بحسم، ولكن بحكمة ودراية في آن معًا.
غير أن اللافت والخطير معًا، هو الرفض الإسرائيلي الصريح لبيان قيادة الجيش، في سابقة تؤشر إلى استخفاف متعمّد بالموقف الرسمي اللبناني، وتكشف نية واضحة في فرض وقائع ميدانية تتجاوز أي اعتبار سيادي أو مؤسساتي. هذا الرفض لا يستهدف الجيش فحسب، بل يطال الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها، ويضع علامات استفهام كبيرة حول حدود الضمانات الدولية وقواعد الاشتباك المعمول بها.
أما الحكومة، التي اطلعت على تقرير قائد الجيش بالنسبة إلى ما تم تنفيذه في المرحلة الأولى من خطّة اليرزة، وما على الجيش القيام به استكمالًا لمندرجات هذه الخطّة في مرحلتها الثانية، فتجد نفسها أمام اختبار بالغ الدقة. فبين التمسك بخطاب حماية السيادة ومنع توسّع المواجهة، وبين واقع أمني وسياسي ضاغط، وقدرات محدودة لدولة أنهكها الانهيار الاقتصادي والمؤسساتي، نراها في مكان ما غائبة عن السمع، مع أن مواقفها تعكس إدراكًا لحجم الخطر، لكنها تبقى حتى الآن في إطار إدارة الأزمة لا كسر مسارها.
الخطورة لا تكمن فقط في التهديد الخارجي، بل في الهشاشة الداخلية. دولة منهكة، اقتصاد شبه منهار، مؤسسات بالكاد تعمل، وانقسام سياسي حاد حول الخيارات المصيرية. وفي ظل هذا الواقع، يصبح لبنان مكشوفًا أمام التحولات الإقليمية، عاجزًا عن فرض أجندته أو حماية نفسه من ارتدادات صراع لا يملك قراره.
من هنا، تبدو كل التحركات السياسية والعسكرية والديبلوماسية، رئاسية كانت أم حكومية أم عسكرية، محكومة بعامل الوقت، وهو الوقت الفاصل بين المخاوف من اتساع رقعة الحرب، وبين الخشية من سقوط ما تبقّى من هوامش، وقبل أن يُفرض على لبنان خيار لا يريده ولا يملكه أساسًا. فالسباق في الوقت المستقطع ليس بين انتصار وهزيمة، بقدر ما هو سباق بين الخروج من عنق زجاجة الأزمات المتراكمة وبين الانزلاق نحو الهاوية.
ففي لحظات كتلك التي يعيشها لبنان، تُقاس الدول بقدرتها على توحيد الحد الأدنى من الموقف الوطني، وعلى حماية مؤسساتها، وفي طليعتها الجيش، من محاولات التهميش أو التشكيك بقدراتها. فلبنان لا يحتمل أن يكون بعد اليوم ساحة مستباحة، ولكنه لا يملك في الوقت ذاته ترف أن يكون رسالة نارية لمصالح الآخرين، التي تختلف عن المصلحة الوطنية. وحدها الدولة، برئاسة واعية، وجيش متماسك، وحكومة تتحمّل مسؤولياتها كاملة، قادرة على كسب هذا السباق مع الزمن.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى معجزة بقدر ما يحتاج إلى قرار حاسم وجازم وحكيم.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا