آخر الأخبار

بين رواية الدولة وسقف نتنياهو.. هل تبدأ المرحلة الأصعب؟

شارك
في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، بدا مشهد جلسة مجلس الوزراء في بعبدا يوم الخميس أشبه بمحاولة "تثبيت سردية الدولة" حول جبهة الجنوب: الجيش يعلن أنه حقق أهداف المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح جنوب نهر الليطاني، والحكومة تلتقط البيان وتحوّله إلى مسار عملٍ رسميّ، ثم يتقدّم الرؤساء الثلاثة تباعًا لتأمين غطاءٍ سياسي كامل للمؤسسة العسكرية.

هكذا، يمكن القول إنّ مجلس الوزراء وضع بيان قيادة الجيش في سياقٍ سياسيٍّ متكامل، فالإشادة بجهد المؤسسة العسكرية ترجمت تشديدًا على مواصلة خطة حصر السلاح، وقرارًا بالشروع في إعداد المرحلة الثانية منها، في منطقة شمال الليطاني. لكن السردية اللبنانية هذه سرعان ما اصطدمت بسردية إسرائيلية معاكسة، عبّر عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من خلال "تشكيك علني" بما أنجز، وتلميح إلى أنّ التصعيد يبقى "خيارًا قائمًا".

وبين السردية اللبنانية التي تقوم على "التقدّم الممكن"، وتلك الإسرائيلية المعاكسة التي تفتح باب ضغط متجدّد، يقف لبنان أمام معادلة دقيقة: الدولة تريد أن تقول إنها تتقدم "تدريجيًا"، وتحتاج إلى تمكين مادي وسياسي، فيما إسرائيل تريد رفع السقف من "جنوب الليطاني" إلى "تفكيك كامل" لسلاح " حزب الله ". فهل نكون أمام انتقال منظّم إلى "المرحلة الأصعب" شمال الليطاني، أم أمام هدنة سياسية مؤقتة ريثما تتضح حدود الضغط الإسرائيلي والدولي؟

جنوب الليطاني إلى شماله.. "المرحلة الأصعب"

عمليًّا، صحيح أنّ مجلس الوزراء لم يعلن الانتقال تلقائيًا من جنوب الليطاني إلى شماله في جلسة الخميس، كما كانت تشير بعض التقديرات، وكما مهّد ربما رئيس الحكومة نواف سلام في تصريحه المثير للجدل نهاية العام المنصرم. إلا أنه خرج عمليًا بخريطة طريق واضحة تؤكد "استكمال" ما بدأ، وعدم التراجع، فهو حرص على تحديد موعد غير بعيد (شهر شباط) لعرض خطة شمال الليطاني، مع تقارير شهرية تشرح "التقدم والصعوبات" في التنفيذ.

جاء قرار مجلس الوزراء هذا ليكمّل بيان قيادة الجيش الذي وضع إطارًا سياسيًا وقانونيًا دقيقًا للمهمّة: التزامٌ بحصرية حفظ الأمن والاستقرار، ودخول خطة حصر السلاح مرحلة متقدمة بعد تحقيق أهداف المرحلة الأولى "بشكل فعّال وملموس"، وتوسيع حضور الجيش وبسط السيطرة جنوب الليطاني باستثناء المواقع التي ما زالت خاضعة للاحتلال، مع استمرار العمل لمعالجة الذخائر غير المنفجرة والأنفاق لتثبيت السيطرة ومنع إعادة بناء القدرات.

الأهمّ في البيان لم يكن تعداد الخطوات بقدر ما كان وضع "الشروط المانعة" أمام الرأي العام: استمرار الاعتداءات الإسرائيلية واحتلال مواقع داخل لبنان وإقامة مناطق عازلة تُقيّد الوصول، فضلًا عن الخروقات اليومية لاتفاق وقف الأعمال العدائية، وتأخر وصول القدرات العسكرية الموعودة للجيش. بهذا المعنى، قال الجيش إنه يتحرك ضمن قرارٍ وطني، لكنه يحتاج معالجة عاجلة لهذه العوامل كي ينجز بشكلٍ مسؤول وتدريجي ومنسّق، وبما يصون السيادة والاستقرار.

تشكيك إسرائيل.. ما الذي تريده تل أبيب ؟

في المقابل، تبنّت إسرائيل مقاربة "التشكيك المنهجي"، وكأنّها أرادت القول إنّها لا تبني تقييمها على بيانات وتصريحات، بل على "معطيات ونتائج عملياتية"، وبالتالي فهي تعتبر أن استمرار أي بنى عسكرية جنوب الليطاني يسقط فكرة "النزع الفعلي". هكذا يُفهَم كلام نتنياهو عن أنّ ما تقوم به الحكومة اللبنانية مشجّع لكنه "غير كافٍ"، على أنّ إشارة إلى أنّ إسرائيل لن تقبل بأقلّ من تفكيك سلاح "حزب الله" بالكامل، وهي التي تتهمه أساسًا بمحاولات إعادة التسلّح.

الأخطر في هذه المقاربة أنها تُحوّل "المعيار" من مسارٍ مرحليّ قابل للتحقق إلى سقفٍ سياسي مفتوح: إذا كان المطلوب إسرائيليًّا هو "تفكيك كامل" على مستوى لبنان كله، فإن أي خطوة جنوب الليطاني ستبقى، في نظر تل أبيب، مجرد محطة غير كافية. هنا تحديدًا يصبح التشكيك وسيلة ضغط مزدوجة: ضغط على الحكومة لتسريع الانتقال إلى شمال الليطاني، وضغط على المجتمع الدولي لتبنّي السقف الإسرائيلي أو غضّ النظر عن تصعيد محتمل.

النتيجة أن الحكومة تجد نفسها مضطرة للبحث عن "صيغة صعبة" تمنع الأسوأ: تثبيت مسار سحب السلاح من دون صدامٍ داخلي، وإقناع المجتمع الدولي بأن لبنان يتحرك ضمن خطة قابلة للتنفيذ إذا توافر الدعم والغطاء، وفي الوقت نفسه لجم أي اندفاعة إسرائيلية نحو حربٍ واسعة عبر الاتصالات الدولية، خصوصًا أنّ ما اعتقدته "إنجازًا" في جنوب الليطاني لم يكن سوى "فتح" لمرحلة أكثر تعقيدًا، يصحّ وصفها بـ"المرحلة الأصعب".

فيما تسعى الدولة اللبنانية لتثبيت إنجاز مرحلي، وتدويره إلى خطة أوسع، ويضع الجيش شروط التمكين والانسحاب ووقف الاعتداءات كعناصر حاسمة لنجاح المسار، تصرّ إسرائيل على رفع السقف وإبقاء التصعيد خيارًا حاضرًا. إزاء ذلك، تكرّ سبحة الأسئلة، فهل تترجم خطة شباط إلى إجراءات قابلة للتنفيذ بلا انفجار داخلي؟ وهل يحصل الجيش على دعمٍ يوازي حجم المهمة؟ وهل تُسحب من إسرائيل ورقة التشكيك التي تُستخدم للضغط، أو ربما الابتزاز؟
الإجابة ستحدد إن كان لبنان يتقدم نحو تثبيت الاستقرار، أم يقف مجددًا على حافة حربٍ لا يريدها أحد.. لكن الجميع يخشاها.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا