تدخل الحكومة مرحلة غير مسبوقة من الضغط، في ظل تصعيد إسرائيلي متدرج يتخذ طابعاً أوسع وأكثر خطورة، سواء على المستوى الجغرافي أو الطائفي، وتحت ذرائع بعيدة عن الحقيقة. فإسرائيل لا تكتفي بتكثيف ضرباتها، بل تغير في أسلوب رسائلها وأهدافها، متعمدة توسيع رقعة العدوان شمال الليطاني، بعدما كان الاستهداف في مراحل سابقة يطال مناطق محددة كمنطقة الهرمل. وقد جاءت غارات الاثنين لتؤكد هذا المسار، إذ شنّ الجيش
الإسرائيلي أربع غارات على بلدات في جنوب وشرق
لبنان ، بينها قرية أنان في قضاء جزين، وبلدتا عين التينة والمنارة في البقاع. وشملت الضربات بنى تحتية لتنظيمات لبنانية وفلسطينية تعتبرها
إسرائيل مصدر خطر على أمنها، غير أن الرسالة الأوضح في هذه الغارات لم تكن عسكرية فحسب، بل سياسية بامتياز، موجهة إلى الدولة
اللبنانية ، ومفادها أن الاستهدافات لن تقتصر على البنية التحتية لقدرات
حزب الله العسكرية، بل ستطال أيضاً ملف حصر السلاح شمال الليطاني، بما في ذلك السلاح الفلسطيني، في إشارة واضحة إلى أن التصعيد بات سيّد الموقف في المرحلة المقبلة.
هذا التحول الميداني يتزامن مع ترقّب جلسة مجلس الوزراءيوم الخميس، وتقرير قيادة الجيش حول الوضع جنوب الليطاني، وما ستحمله المرحلة التالية في ما يتصل بشماله. فالمسار الذي ستسلكه الدولة في هذا الملف قد يشكل، نظرياً، عاملاً كابحاً لإسرائيل عن توسيع حربها، إذا ما جرى الشروع فعلياً في تنفيذ خطة حصرية السلاح شمال الليطاني، بما قد يقطع الطريق على استخدام هذا العنوان ذريعة لتوسيع العدوان. في هذا السياق، لا يبدو أن أمام قائد الجيش خيارات متعددة، سوى إعلان البدء بالمرحلة الثانية من الخطة، وعرض منهجية عمل الجيش أمام
مجلس الوزراء لتنفيذ حصرية السلاح شمال الليطاني.
ووفق المعطيات المتداولة، فإن الجيش سيعتمد في هذه المرحلة المنهجية ذاتها التي اتبعها جنوب الليطاني، حيث لم يتسلم أي خرائط أو معلومات من حزب الله حول مواقعه، واعتمد على جهده الذاتي، بالتعاون مع القوات الدولية أو استناداً إلى معطيات الميكانيزم. ومن هنا، يفهم أن لجنة الميكانيزم وخلاصة اجتماعاتها، التي ستأخذ اليوم طابعاً عسكرياً صرفاً، ستكون عاملاً حاسماً في تحديد مآلات الأمور، في وقت جرى فيه تأجيل الاجتماع السياسي إلى نهاية الشهر، ما يعكس فجوة متزايدة بين المسارين العسكري والسياسي.
في المقابل، تنقل أوساط أميركية أن بنيامين نتنياهو حصل على ضوء أخضر أميركي لتوجيه ضربات أوسع لحزب الله، بما يفتح الباب أمام توسيع الحرب. وتفيد معلومات بأن
الولايات المتحدة تطالب بتحديد مهلة لا تتجاوز ثلاثة أشهر لتنفيذ المرحلة الثانية الممتدة من جنوب الليطاني إلى شماله، محذّرة من أن الفشل في الالتزام بهذه المهلة قد يفضي إلى إشكالية كبرى. هذا الضغط الزمني يتقاطع مع ما تنقله القنوات الدبلوماسية المعنية بالملف اللبناني عن مؤشرات إسرائيلية واضحة على نية التصعيد، حيث يتوقع أن تنفذ العمليات شمال الليطاني عبر ضربات كبيرة تطال منشآت جديدة للحزب.
وفي هذا الإطار، نقل الإعلام العبري أن إسرائيل لا تنوي تفكيك مواقعها العسكرية الخمسة في جنوب لبنان، التي احتلتها خلال حربها الأخيرة، وفق ما أورده موقع واللا عن مسؤول أمني إسرائيلي عشية اجتماع لجنة الميكانيزم. وذهب المسؤول نفسه إلى حد التهديد بمهاجمة الضاحية الجنوبية لبيروت إذا لزم الأمر، مؤكداً أن إسرائيل لن تسمح بتراكم التهديدات في لبنان. كما تحدث عن قلق داخل إسرائيل من أن حزب الله لا يكتفي بعدم نزع سلاحه، بل ينسّق مع الجيش اللبناني، وفق مزاعمه.
في ضوء هذه الوقائع، يتضح أن إسرائيل تتعامل مع ملف جنوب وشمال الليطاني كمسألة عسكرية خالصة، وتعمل على فرض وقائع جديدة على الأرض، مستندة إلى دعم سياسي أميركي واضح. وتفيد المعطيات بأن نتنياهو نجح في إقناع الرئيس الأميركي
دونالد ترامب بعدم جدوى أي مسار تفاوضي سياسي مع لبنان في ما يتعلق بنزع السلاح شمال الليطاني، ما يعني عملياً أن باب السياسة يغلق تدريجياً، فيما تفتح أبواب التصعيد على مصراعيها.
وبين ضغط الخارج وتعقيدات الداخل، تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام اختبار بالغ الخطورة، في ظل عدوان يتقدّم بخطوات محسوبة، لكنه مفتوح على كل الاحتمالات.