في ضوء التحضيرات المتسارعة للانتخابات النيابية المقبلة، يبدو أن “حزب الله” يقف أمام مفترق سياسي دقيق يتوزّع بين خيارين أساسيين: إما تثبيت ما يسميه البعض “الشرعية الوطنية” عبر شبكة تحالفات واسعة ومتنوعة، وإما السعي إلى تأمين “الثلث المعطّل” داخل المجلس النيابي بما يمنحه قدرة حاسمة على التحكم بمسار الاستحقاقات الكبرى.
الخيار الثاني يبدو أقرب إلى مقاربة براغماتية تهدف إلى ضمان استمرار النفوذ السياسي المباشر، لكنه في الوقت نفسه يحمل كلفة سياسية داخل البيئة الحليفة.
المعطيات المتداولة تشير إلى أن "الحزب" يملك فرصة حقيقية لتحقيق هذا الثلث، لا سيما إذا أعاد تجميع الأوراق التي سبق أن وزّعها على بعض الحلفاء في دورات سابقة. الحديث هنا يشمل دوائر مثل البقاع
الشمالي ، البقاع
الغربي ، زحلة،
بيروت الثانية، إضافة إلى تثبيت الواقع الانتخابي في "الجنوب الثالثة" ومنع أي خروقات قد تطرأ. التعاون مع حركة أمل يشكّل العمود الفقري لهذا التوجّه، إلى جانب مجموعة من الحلفاء التقليديين الذين أثبتوا التزامهم بالخط السياسي العام.
غير أن هذا السيناريو لا يخلو من التعقيدات. فاستعادة المقاعد التي كانت قد ذهبت لحلفاء آخرين ستضع هؤلاء في موقف أضعف أمام خصومهم، وخصوصًا “
التيار الوطني الحر” الذي يواجه بدوره ضغوطًا وشروخًا داخل ساحته. ومع تراجع وزن هؤلاء الحلفاء، يخسر الحزب جزءًا من العمق السياسي الذي كان يمنحه شبكة أمان عريضة تعبّر عن تنوّع ظاهري ضمن محور واحد. والنتيجة قد تكون كتلة صلبة ومتماسكة من جهة، لكنها أقل مرونة وأضيق تمثيلًا.
أما الخيار الثاني، فيقوم على العكس تمامًا: أي الإبقاء على توزيع المقاعد بين الحلفاء، بل وربما دعم بعض من خيّبوا الآمال في الفترة الماضية، سعياً للحفاظ على مشهد سياسي يوحي بالانفتاح والتوازن.
في هذه الحالة، قد لا يتمكن الحزب من انتزاع الثلث المعطّل، لكنه يضمن استمرار شبكة العلاقات التي وفّرت له تاريخيًا هامش مناورة واسعًا داخل المؤسسات وخارجها.
النتيجة أن القرار لن يكون تقنيًا فقط بل هو مسألة تقدير أولويات: هل المطلوب اليوم قوة صريحة داخل البرلمان، أم مظلة سياسية مرنة تتيح إدارة المرحلة المقبلة بأقل قدر ممكن من الاحتكاك؟ بين هذين الحدّين سيتحرّك الحزب، فيما يراقب اللبنانيون مسار التحالفات ويتساءلون عمّا إذا كانت الانتخابات ستفتح بابًا جديدًا للحلول، أم ستعيد إنتاج الاصطفافات ذاتها بوجوه مختلفة.