آخر الأخبار

تأجيل الحرب: مصلحة استراتيجية في صراع النفوذ الإقليمي

شارك
في لحظة إقليمية مشبعة بالضغوط والرسائل المتبادلة، تتحرّك عواصم عربية تملك تاريخا من الوساطات خلف الستار، مدفوعة بهاجس واحد يتمثّل في كسب الوقت، في محاولة لضبط الإيقاع ومنع انزلاق المشهد إلى مواجهة مفتوحة. في هذا السياق، يبدو هذا السلوك للوهلة الأولى مسعى لخفض التوتر، لكنه في العمق خيار محسوب يقوم على إدارة واعية لميزان قوى هش، حيث ان أي سقوط سريع لإيران يهدّد بإعادة تشكيل المنطقة على نحو أكثر خطورة ممّا تسمح به التوازنات القائمة.

انطلاقاً من هذا الإدراك، ترى مصادر دبلوماسية مطّلعة أنّ التقدير السياسي يتقدّم من زاوية مختلفة، إذ إن المسألة تتجاوز اندلاع الحرب بحدّ ذاتها لتطال طبيعة نتائجها المباشرة. فالانهيار المفاجئ في طهران يفتح فراغاً استراتيجياً واسعاً، ويؤدي بالتالي إلى اختلال عميق في التوازن الإقليمي، ما يدفع الساحات المحيطة نحو فوضى أمنية وسياسية مفتوحة. لكنّ استمرار الصراع ضمن سقف الاستنزاف يفرض، وفق المصادر، إيقاعاً مغايراً، بحيث يحفظ الوزن الإيراني داخل المعادلة، ويمنح القوى المحيطة هامشاً أوسع للمناورة على المستوى الدولي.

ضمن هذا الإطار، يتحوّل استمرار الصراع إلى أداة سياسية بيد الدول العربية الواقعة في قلب التوازنات الإقليمية. فبقاء الحضور الإيراني، حتى وهو تحت الضغط، يوسّع هامش حركة هذه الدول من موقع الارتهان إلى موقع المناورة، ويفتح أمامها قنوات أوسع باتجاه الصين بالتوازي مع تعزيز قدرتها على مخاطبة الأميركي من موقع أكثر توازناً. وفي السياق نفسه، يوفّر هذا الواقع غطاءً سياسياً صلباً لرفض مسارات التطبيع المفروضة، ويساهم في تفكيك صورة إسرائيل كشرطي أوحد للمنطقة، ما يقود تدريجياً إلى إعادة توزيع أدوار القوة على امتداد المشرق وشرق أفريقيا .

هذا التموضع، بحسب المصادر نفسها، يرفع تلقائياً من قيمة الجغرافيا السياسية للدول العربية الواقعة في قلب الاشتباك الإقليمي، إذ تتحوّل هذه الجغرافيا إلى نقطة ترجيح ووساطة في آن واحد. وبهذا المعنى، يصبح هذا الموقع هدفاً مباشراً للتنافس بين واشنطن وبكين، باعتباره مساحة قادرة على التأثير في مسارات الطاقة والأمن والتحالفات.
وفي هذا السياق، يدرك الطرفان أن كسب هذا الثقل يمرّ عبر تقديم حوافز أمنية وتقنية وتسليحية، من دون أثمان سياسية فورية، في سباق مفتوح على النفوذ طويل الأمد.

هنا تتبدّى المفارقة على مستوى الحسابات السياسية، إذ تتحوّل محاولة تأجيل الحرب من إجراء وقائي إلى ورقة قوة بيد الدول العربية الواقعة في قلب الاشتباك الإقليمي، بما تمثّله من ثقل جغرافي وسياسي مُرجِّح، أي مؤثّر في موازين الصراع. ففي هذا الموقع، ترى المصادر أن استمرار التوازن القائم، يتيح تظهير المزايا الاستراتيجية الكامنة، من جهة، ومن جهة أخرى، توظيفها في مسار تصاعدي نحو مكاسب ملموسة، سواء عبر تعزيز القدرات الدفاعية، أو توسيع هامش القرار السياسي، أو إعادة صياغة الدور الإقليمي خارج منطق الإملاءات.

في المحصلة، تتجاوز المسألة حدود منع مواجهة عسكرية لتلامس جوهر الصراع الدائر على شكل النظام الإقليمي المقبل. ومن هنا، يتقدّم المشهد بوصفه مفاضلة مفتوحة بين انفجار يطيح بكل الضوابط، ومسار استنزاف يُدار بحسابات دقيقة. وضمن هذا الهامش، تختار بعض العواصم الّلعب على الحافة، باعتباره خياراً محسوباً أكثر منه مقامرة. ويعبّر هذا التوجّه عن إدراك عميق بأن التوازن، مهما بدا هشّاً، يبقى أكثر فائدة من انتصار سريع يفتح أبواباً يصعب إغلاقها.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا