أَ لبنان ُ واحِدٌ؟
كَيفَ يَكونُ ذَلِكَ، وَكَلامٌ يُهمَسُ لِيَهدُرَ بِالعودَةِ الى زَمَنٍ كانَ فيهِ رُقعَةُ تَتَناتَشُها قِوىً خارِجِيَّةً تَتَلاعَبُ بِمَن يَرتَضي مِن داخِلٍ أن يَكونَ قَفَّازَ دُمىً بِيَدِ دُمىً؟
كَيفَ يَكونُ ذَلِكَ، وَمِن غَربٍ وَشَرقٍ مَن يَسعى لِإغتِنامِهِ في تَخادِمَ حِصَصٍ لِهَذا أو ذاكَ مِن مُتَعاظِمي شَرقٍ وَغَربٍ عَلى حِسابِ التاريخ ِ والجُغرافيا... والحَقِّ؟
كَيفَ يَكونُ ذَلِكَ، وَقَد إمتَّدَ زَمَناً أبعَدَ مِن عَريشِ مِصرَ لِما بَعدَ بَعدَ أبوابِ إسطَنبولَ؟
أَلبنانُ واحِدٌ؟ بَل أَلبنانُ واحِدٌ أحَدٌ؟
في التَأمُّلِ هوَ وجودٌ. وَهوَ وجودٌ في مَوجودِ التَخصيصِ قَبلَ أن تُسِمَّى المُجَرَّداتُ بِأسمائِها.
قُلّ: وَحدانِيَّةُ لبنانَ أبعَدُ مِن تَناغُمِ هِبَةِ طَبيعَةٍ، وَتَراتُبِيَّاتِ تاريخٍ وإبتِداعِ تَأنسُنَ. أقوى مِن حَصائِلَ أطوارٍ، وَأفعَلَ مِن مؤَثَّراتِ مَراحِلَ. أكبَرَ مِن عُبورِ مَهاويَ مُجَرَّدَةٍ لِتَجارِبَ مُكَرَّرَةٍ. أبقى مِن إنفِعالاتِ أوهامَ وأطوارِ إنفِعالاتٍ.
شاءَ مَن شاءَ، وأبى مَن أبى، وَحدانِيَّةُ لبنانَ هيَ أينَما تَتَقَصَّى الحَقيقَةُ أمرَها وَحُكمَها.
سِرُّها في تَقَصِّيها: لبنانُ حَقيقَةٌ بِمِقدارِ ما الحَقيقَةُ واحِدَةٌ. لبنانُ أمرٌ بِمِقدارِ ما الأمرُ ضَبطٌ. لبنانُ لا يُشَيَّءُ إرَباً وَلا يُمَرَّرُ أشطُراً إذ كانَ وما زالَ وَسَيَبقى مَرتَبَةَ الوضعِ لِوجودِ المَوجودِ.
لا هوَ بِمَظاهِرَ، وَلا بِتَراكيبَ، وَلا بِمَقالِبَ. لا بِعَرضٍ، وَلا بِسُكونٍ.
هوَ الأَصلُ والخَلقُ. الحَرَكَةُ والحَياةُ.
تِلكَ وَحدانِيَّةُ لبنانَ... بِالحُدودِ، بِالجَوهَرِ.
بِالحَياةِ.
تِلكَ مادَّةُ وَحدانِيَّتِهِ وَأَدَواتُ تَكوينِها، هوَ الأَحَدُ الواحِدُ، مُذ كانَتِ الكَينونَةُ فَصارَت مِنهُ وَلَهُ وَصارَ مَعَها وَبِها: الفِكرَ، المِثالَ، التَجَسُّدَ.
وَحدانِيَّةٌ هيَ كُلُّ سِرِّ الجَوهَرِ: يُدرَكُ لبنانُ بِالحِسِّ وَلا يُدرَكُ. يُؤخَذُ بِالعَقلِ وَلا يُؤخَذُ. يُركَنُ الى البَديهِيِّ وَلا يَركُنُ. هوَ الوجودُ بِما فيهِ مِن مَآسٍ وأمجادٍ إذ يَركُزُ في الجَوهَرِ، وَيَرتَكِزُ في الإنخِراطِ بِالجَوهَرِ. يَشغُلُ الكُلِيَّةَ إذِ التاريخُ أبعادٌ، وَيَشغُلُ الشُمولِيَّةَ إذِ الجُغرافيا إطلاقٌ.
هوَ لبنانُ واحِدٌ إذ رَكيزَتُهُ نَهجُ حِكمَةٍ.
هوَ لبنانُ أحَدٌ إذ خاصِيَّتُهُ بَلوَرَةُ صَفاءٍ.
الصَقلُ الجَلِيُّ
مَدارِكُ لبنانَ، الغَربُ قَبلَ الشَرقِ، وَمَعَهُ، مَدينٌ لَهُ بِها.
لا بِالغَطرَسَةِ صَونُ الإنسان ِيَّةِ، وَلا بِالقُوَّةِ ضَمانَةُ السَلامِ، وَلا بِتَباهيَ قُوَّةَ الغَطرَسَةِ فِعلُ البَقاءِ. أُفولُ الإمبراطورِيَّاتِ شاهِدُ دَينِ مَدارِكَ لبنانَ، لِلشَرقِ كَما لِلغَربِ. لِلداخِلِ المُتَخادِمِ في التَفاهَةِ بُغيَةَ تَكديسِ مَغانِمَ وَتَكريسِ مَناصِبَ، وَلِلخارِجِ المُتَعاليَ بِمَقاديرَ التَكريسِ والتَكديسِ.
مَدارِكُ لبنانَ، بِوَحدانِيَّتِهِ، الصَقلُ الجَليُّ في تَواتُرِ الوجودِ في الجَوهَرِ وَتَهافُتِ الجَوهَرِ في الوجودِ.
أَمِعنى لبنانَ الأخيرِ: المِثالِيَّة ُ؟ بَل أبِذاكَ الصَقلِ تَوكيدُ وِحدانِيَّتِهِ؟
بَعيدُ المَنالِ، لبنانُ، وَقَريبُ المَنالِ في آنِ الجَليِّ. كَما الصُعوبَةُ، ألْهوَ مِنها وَلَها. أنَّى إنبَرى مُصلِحٌ بِوَجهِ التَخادُعِ، وَهَتَفَ ثائِرٌ بِوَجهِ الظُلمِ، وَتَباكى نادِبٌ لِحَقٍّ ما تَحَقَّقَ، هوَ لبنانُ يَستَنهِضُ ما بَهِتَ وَيَندَفِعُ لِما ضَعُفَ. فَوقَ الروحِ، والعَقلِ. فَوقَ الإستِجابَةِ.
أَلبنانُ دَعوَةٌ لِقَضِيَّةٍ، هيَ في الأَثَرِ، والإنضِواءُ في الكَدِّ، والجَدُّ في الإطارِ؟
إذ قُلتَ لبنانُ وَحدانِيَّةٌ، وَطَنٌ أَحَدٌ واحِدٌ، مَهما تَخادَمَ داخِلٌ وَخارِجٌ عَلى تَشَظِّيهِ وَغَلَبَتِهِ وَتَغانُمِهِ نُتَفاً نُتَفاً، فَهوَ باقٍ أبَداً لا نِكايَةً بِهِمِ مَعاً بَل دَحراً لَهُم مَعاً... إذ وَحدانِيَّتُهُ تَحقيقُ قَرارٍ وَتَحَقُّقُ حَقٍّ، وَهُمُ فُتاتُ حُدوثِ عَرَضٍ وَجُنوحُ أشكالِ مَوتٍ. هُمُ الَّلاشَيءُ في النُزوعِ، وَهوَ الخاصُّ أَلْيَعقُلُ المَكانَ في إمتِلاءِ تاريخِ الأواتيَ ومِلءِ جُغرافيا المَليءِ.
المصدر:
النشرة