آخر الأخبار

الإنسان الجديد بالمسيح

شارك

تشير كلمة «إنسان» إلى الفرد البشريِّ، ويقال «وجدَ عندَه إيناسًا» أي لُطفًا وكلَّ ما يُذهِبُ الوحشة (المعاني)، ويُقال إنَّ أصلها من الأُنس، أي الألفة والاجتماع، لأنَّ الإنسان يألف غيره ويأنس بهم. إذًا هناك مسؤوليَّة أخلاقيَّة واجتماعيَّة. جميل هذا الكلام ولكنَّه ليس الأسمى والأعمق، لأنَّ كلمة «إنسان» في المسيحيَّة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بهدف وجود الإنسان، ذكرًا وأنثى، ألا وهو تحقيق هدف وجوده: "التألُّه". فهو خُلِقَ على صورة الله كشبهه، ومدعوٌّ لتحقيق الشبه، وتأنسن الله لكي يؤلِّهنا.

لهذا عندما نلفظ كلمة إنسان في إيماننا نرى الإله المتجسِّد، الإنسان المثاليَّ، الَّذي أصبح مثلنا ما عدا الخطيئة، لنعيش ملء الإنسانيَّة ونتألَّه بالنعمة الإلهيَّة. وبمعنى أوضح، نصبح بالربِّ خليقة جديدة.

هذه الخليقة الجديدة لا تتحقَّق إلَّا بالموت أوَّلًا عن الذات، ليموت كلُّ شيء فينا ليس من خالقنا وبارينا، وأوَّلها الكبرياء أُمُّ الخطايا.

وتستوقفنا هنا أيقونة الختن الَّتي نزيِّحها في صلاة الختن في الأسبوع العظيم، والمكتوب عليها: «هوذا الإنسانُ» تيمُّنًا بما قاله بيلاطس لليهود عن الربِّ يسوع المسيح عندما وضعوا على رأسه إكليل الشوك وألبسوه الرداء الأرجوانيَّ بعد أن جلدوه وسخروا منه (يوحنَّا 19: 5).

ترى هل أدرك بيلاطس في وقتها عمق ما نطق به؟ هل قصد بذلك أن يثير شفقة المطالبين بصلبه، أي انظُروا جيِّدًا إليه، فالَّذي أنتم خائفون منه هو في أسوأ حالة يمكن أن يوجد فيها إنسان؟ فكيف بمحتقَر بهذا الشكل أن يكون ملكًا؟ وهل كان بيلاطس يعرف أنَّ ملك الملوك ارتضى أن يولد في مذود للبهائم؟

كم هذه الصورة مهيبة، تجعلنا نعيد كلَّ حساباتنا في حياتنا الأرضيَّة.

آه لو عرف بيلاطس أنَّه يخاطب آدم وحوَّاء بأنَّ ما قاله الله للحيَّة بأنَّه سيأتي من نسل حوَّاء مَن يسحق رأس الشيطان وأنَّ الحيَّة ستجرحه أي إنَّه سيُصلَب. (تكوين 3: 15).

آه لو أدرك أنَّه يقول ل داود النبي ِّ أنَّ مزمورك يتحقَّق، هذا المزمور الَّذي لفظ يسوع من على الصليب ما جاء في بدايته، محاولًا إفهام اليهود أنَّ النبوءات تتحقَّق: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني... أمَّا أنا فدُودَةٌ لا إنسانٌ. عار عند البشر ومحتقَرُ الشعب» (مزمور 22).

آه لو فقه أنَّه يحادث إشعياء النبي َّ بأنَّ نبوءته أصبحت حقيقة: «محتقَرٌ ومخذول من الناس، رجُل أوجاع ومختَبِرُ الحَزَن... لكنَّ أحزاننا حملَها، وأوجاعنا تحمَّلها. ونحن حسبناه مُصابًا مضروبًا من الله ومذلولًا. وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا... ظُلِمَ أمَّا هو فتذلَّل ولم يفتح فاه. كشَاةٍ تُساق إلى الذبح، وكنَعْجَةٍ صامتة أمام جازِّيها فلم يفتح فاه... جعل نفسه ذبيحة» (إشعياء 53).

مصدر الصورة مهلًا، في نبوءة إشعياء نقرأ: «وبحُبُرِهِ شُفينا» (إشعياء 53: 5)، أي «وبعلامة آلامه شُفينا» بمعنى آثار الجروح الَّتي نتجت عن ضربات السوط والشوك وجروح المسامير واللكم واللطم.

كيف يكون هذا؟ هل الجروح تشفي؟ نعم وهنا السرُّ العظيم، سرُّ المحبَّة الإلهيَّة اللامتناهية. فالعلامة الكبرى والجرح الأعظم هو الصليب، الَّذي عليه غلب الربُّ الموت، وهنا كانت الولادة الجديدة للإنسان. فبموت يسوع بطبيعته البشريَّة وقيامته بسلطان طبيعته الإلهيَّة، أصبح الإنسان إنسانًا قياميًّا. لهذا اتَّحد يسوع بنا، وهذا هو الميلاد المجيد الأبديُّ للبشريَّة جمعاء. فالطفل الإلهيُّ المولود هو الحمل المذبوح والغالب، لهذا تأخذنا الأقمطة في الميلاد إلى الأقمطة الفارغة في القيامة.

وبالعودة إلى العبارة «هُوَذَا الإِنْسَانُ»، فهي تشير إلى البشريَّة كلِّها، فهي لا تقول «إنسانًا» بل «الإنسان» أي تحمل طابعًا شموليًّا ونموذجيًّا لأنَّ يسوع هو الأصل وهو الإنسان الأول وبنفس الوقت يجمع كل الإنسانية فيه.

هو الإنسان الَّذي به يُشفى الإنسان لأنَّه الإله-الإنسان. و بولس الرسول لم يكتب عبثًا: «لأنَّه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيحيا الجميع» (1 كورنثوس 15: 22). فيسوع هو آدم الجديد، لأنَّ آدم القديم سقط ومات في الخطيئة، بينما يسوع بموته غلب الموت. ولا ننسَ أنَّ كلمة آدم لا تعني في الأصل اسم علم فقط، بل الإنسان عمومًا، الإنسان المجبول من التراب الأحمر، والَّذي نفخ فيه الربُّ نسمة الحياة. لهذا، في أيقونة نزول الربِّ إلى الجحيم، نشاهد يسوع يمسك بيد آدم وحوَّاء، كأنَّه يمسك بالبشريَّة جمعاء. ويمسكها بمعاصمها لا من أيديها، إشارة إلى أنَّه هو الَّذي يقيمها لأنَّه المخلِّص، فهي لا قوَّة لها نتيجة سقوطها. فقيامة المسيح هي قيامتنا، وولادة المسيح هي ولادتنا، كذلك معموديَّته هي معموديَّتنا، وصلبه هو صلبنا. هذا التدبير الخلاصيُّ: إعادة خلق الإنسان.

إلى الربِّ نطلب.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا