بالاحتفالات الصاخبة، ودّع ال لبنان يون عاما على عادتهم واستقبلوا آخر، متمنّين أن يحمل معه الخير والبركة لبلدٍ لا يزال يمرّ بمرحلة "دقيقة" كما يقول السياسيون منذ عشرات السنوات. وعلى وقع التوقعات والتنبؤات التي أضحت سياسية أكثر منها فلكية، وما زالت تحجز موقعها في صدارة المشهد الإعلامي ليلة رأس السنة، لم يستطيعوا إخفاء توتّرهم، الذي يعزّزه بعض السياسيين بمعادلة "إما سحب السلاح، أو الحرب الشاملة".
وإذا كانت التكهّنات حول احتمالات التصعيد ال إسرائيل ي طغت على المشهد السياسي الداخلي طيلة أيام العام، التي شهدت محطات صعود وهبوط كثيرة، وإن بقي الثابت الوحيد فيها أو نقطة التقاطع فيما بينها هو الخروقات الإسرائيلية ل اتفاق وقف إطلاق النار ، الذي بدا لكثيرين حبرًا على ورق، فإنّ ذلك لم يحجب العديد من الإنجازات التي تحققت سياسيًا، خصوصًا مع انتخاب رئيس للجمهورية في شهره الأول، ما وضع حدًا للفراغ الرئاسي المتمادي.
هكذا، انتهى عام 2025 على مفارقةٍ تكاد تختصر المشهد اللبناني كلّه: مؤسساتٌ تعمل بوتيرةٍ أفضل مما كانت عليه في زمن الفراغ، لكنّ القرارات الثقيلة بقيت خارج متناولها، أو أُحيلت إلى العامل الإقليمي، لا الدستوري. أما البلد، فبدا كأنّه خرج من خانة الشلل الكامل إلى خانة "الإدارة بالحد الأدنى": لا انهيار جديدًا بحجم الصدمة، ولا تعافٍ بحجم الوعود؛ لا حرب شاملة، ولا سلام يُطمئن الجنوب ، وبينهما لا مساعدات ولا إعادة إعمار، إلى آخره...
سياسيًا، كانت نقطة التحوّل الأبرز هذا العام مع انتخاب قائد الجيش السابق جوزاف عون رئيسًا للجمهورية وتكليف نواف سلام تشكيل الحكومة القائمة، ما أنهى فراغًا رئاسيًا طويلًا وفتح الباب أمام استعادة إيقاعٍ دستوريّ افتقده البلد، علمًا أنّ تسمية رئيس الحكومة جاءت خارج السياق العام، وأثارت ردود فعل في الداخل، حتى إنّ هناك من وصفها بـ"الانقلاب"، الذي خرجت بعض "أسراره" إلى العلن للمفارقة في الأيام الأخيرة فقط، بما يدين الطبقة السياسية.
هنا تُطرح "عِبرة" العام، فمع عودة الحياة إلى المؤسسات الدستورية، تبيّن أنّ المشكلة الفعليّة ليست في انعقاد مجلس الوزراء أو التئام المجلس النيابي، بل في نوع القرارات التي تتخذها الدولة عندما تلامس الملفات السيادية والخيارات الكبرى. وخير دليل على ذلك أنّ عودة "الشكل" إلى الدولة إن صحّ التعبير، لم تنعكس على "المضمون"، إذ إنّ الدولة بقيت "رهينة" الضغوط، داخلية كانت أم خارجية، لتبقى الاستحقاقات الكبرى بمثابة ساحات اشتباك.
أمنيًا، بقي الجنوب عنوان العام 2025 بامتياز، بل كان قلبه النابض والمتوتر، على الرغم من التوصّل إلى ما سُمّي باتفاق لوقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، اعتقد كثيرون أنّه سيعيد الهدوء إلى الجنوب. إلا أنّ العكس هو الذي حصل، إذ انكفأ " حزب الله "، بموجب الاتفاق، وتوقف عن إطلاق الصواريخ، فيما منحت إسرائيل نفسها ما سمّته بـ"حرية الحركة"، مدّعية أنّ الاتفاق نصّ عليها ضمنًا، من دون أن يقف أحد في وجهها، أو يردعها رادع.
وإذا كانت تل أبيب قد لوّحت طوال العام بسيناريو التوسعة، فإنّ ما حصل عمليًا كان "ترحيلًا للتصعيد" لا إنهاءً لأسبابه، بحيث بقي لبنان بلا معادلة ردعٍ قابلة للصمود وبلا ضمانات دولية كافية، وبلا قرار داخلي جامع يحسم موقع البلد بين الحرب والاستقرار. ولعلّ الأخطر من ذلك أنّ هذه "المراوحة الأمنية" أنتجت كلفة متراكمة، على المستوى السياسي، ولكن أيضًا الإنساني والاقتصادي، وهو ما جعل تجنّب الحرب الشاملة إنجازًا نسبيًا، لكن غير كافٍ.
في موازاة التطورات على خطّ جبهة الجنوب، انتقل ملف حصرية السلاح من كونه شعارًا عامًا إلى قرارٍ سياسيّ داخل مجلس الوزراء، وسط اعتراض "حزب الله"، الذي يصرّ على أنّ المطلوب إلزام إسرائيل أولاً بتنفيذ الاتفاق. وهنا تتكرّر قاعدة 2025: القرار موجود في النص، لكن تنفيذه محكوم بتوازنات داخلية وباشتراطات الخارج. والنتيجة أنّ الدولة بدت قادرة على إعلان الخيارات، إلا أنّها أقل قدرة على فرضها كمسارٍ كامل، وأكثر ميلًا إلى تجزئتها.
ومع نهاية العام، طفا إلى السطح الخلاف حول قانون الانتخاب وآلية اقتراع المغتربين، بما أعاد فتح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل تُجرى الانتخابات النيابية في موعدها أم تدخل بازار التعديلات والتأجيل؟ المسألة هنا ليست تقنية فقط، بل سياسية بامتياز، لأنّ انتخابات 2026 تُقرأ خارجيًا كميزان توازنات جديد، وداخليًا كمحطة قد تعيد ترتيب السلطة التشريعية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
قضائيًا، كان 2025 عامًا للحركة أكثر منه عامًا للحسم النهائي. فقد شهد تحريك ملف انفجار مرفأ بيروت بعد جمود طويل مع مثول شخصيات بارزة أمام القاضي طارق البيطار ، وتحرّكًا في ملفات فساد وملاحقات طاولت وزراء ومسؤولين، إلى جانب إقرار قانون تنظيم القضاء العدلي (قانون "استقلالية القضاء") بعد سنوات من المراوحة. لكنّ هذه الدينامية تبقى محكومة بسقوف السياسة وبمسار طويل قبل الوصول إلى خواتيم قضائية كبرى.
اقتصاديًا، كانت المراوحة سيدة الموقف أيضًا، فالبلد لم يسقط في حفرةٍ أعمق، لكنه أيضًا لم يخرج منها. ولعلّ المنطق الذي حكم الواقع الاقتصادي يختصر بمبدأ "الاستقرار السلبي"، حيث تُدار المالية العامة والقطاعات بواقعيةٍ قاسية، على طريقة المسكنات التي يدرك القاصي والداني أنها لا تعالج المشكلة، وهو ما يردّه المعنيّون على انتظار لمسار سياسي-أمني جديد يفتح باب الإصلاح الاقتصادي الحقيقي.
بهذا المعنى، يصبح الاقتصاد مرآةً للسياسة، وما دام القرار السيادي مؤجلًا، فإنّ التعافي نفسه يبقى مشروطًا ومجزّأً. وهكذا، يبدو أنّ أسئلة العام الجديد بدأت قبل أن يبدأ،
فإذا كان 2025 أعاد إنتاج الدولة كـ"هيكل يعمل"، فإنّ 2026 سيشكّل "الاختبار الحقيقي" للدولة، التي تنتظرها فيها استحقاقات لن تكون قابلة للترحيل أو التأجيل، إذ ثمّة وقائع سياسية ودستورية ومالية لا يمكن إدارتها بالحدّ الأدنى نفسه، ولا تمريرها بمنطق "ربط النزاع".
أولى هذه الاستحقاقات تتمثّل في الانتخابات النيابية، التي يُفترض إجراؤها في ربيع 2026. هذا الاستحقاق لا يُقرأ داخليًا فقط كعملية ديمقراطية دورية، بل كميزان سياسي جديد في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. فتركيبة المجلس النيابي المقبل ستحدّد اتجاه السلطة التشريعية في مرحلة ما بعد الحرب في غزة، وما بعد المواجهة المفتوحة على الحدود الجنوبية، وما بعد التسويات الإقليمية التي لم تتّضح ملامحها النهائية بعد.
وليس خافيًا على أحد أنّ الخلاف الذي ظهر في نهاية 2025 حول آلية اقتراع المغتربين ليس تفصيلاً تقنيًا، بل عنوانًا سياسيًا بامتياز. فهو يعكس صراعًا على وزن الكتل النيابية المقبلة، وعلى طبيعة التمثيل، وعلى من يمتلك القدرة على ترجيح الكفّة في استحقاقات لاحقة، سواء على مستوى التشريع أو على مستوى تشكيل الحكومات. من هنا، يصبح السؤال في 2026 ليس فقط "هل ستُجرى الانتخابات؟"، بل: أي انتخابات ستُجرى، وبأي قواعد، وتحت أي توازنات؟.
الاستحقاق الثاني يتمثّل في ملف حصرية السلاح، الذي يُتوقّع أن ينتقل في 2026 من خانة النقاش السياسي إلى الاختبار التنفيذي. ففي 2025، جرى تثبيت المبدأ سياسيًا، مع ربطه بشروط تتعلّق بالوضع في الجنوب وبالتزام إسرائيل بتفاهم وقف إطلاق النار. أمّا في 2026، فإنّ استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، أو أي تراجع في الضمانات الدولية، سيجعل هذا الملف أكثر تعقيدًا، لا أقل.
هنا، ستجد الحكومة نفسها أمام معادلة دقيقة: إمّا المضيّ في خطوات تدريجية تُرضي الخارج وتحدّ من الضغوط، مع خطر تفجير التوازنات الداخلية، وإمّا الإبقاء على الملف في دائرة التأجيل، مع ما يعنيه ذلك من كلفة سياسية واقتصادية ودبلوماسية متزايدة. وفي الحالتين، لن يكون ممكنًا التعامل مع حصرية السلاح كشعار عام، بل كمسار سياسي-أمني له ارتداداته المباشرة على الاستقرار الداخلي.
تبقى الاستحقاقات الاقتصادية والمالية، وكذلك القضائية، ففي العام 2026، لن يعود مقبولًا الاكتفاء بإدارة الانهيار أو تثبيت الخسائر، وسط توقعات بأن تتصاعد الضغوط الدولية، ولا سيما من الجهات المانحة و صندوق النقد الدولي ، باتجاه إقرار وتنفيذ إصلاحات واضحة تتعلّق بتوزيع الخسائر، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتنظيم المالية العامة، لأن أي تأجيل إضافي سيضع الدولة أمام خطرين: تآكل ما تبقّى من الثقة الخارجية، وارتفاع الكلفة الاجتماعية داخليًا.
لعلّ العِبرة الأوضح من حصاد 2025 ليست أنّ لبنان "نجا" فحسب، بل أنّه نجا بطريقة مكلفة: فترحيل الحرب لا يلغي ثمنها، وترحيل القرار لا يمنع الخارج من ملء الفراغ. صحيح أنّ انتخاب رئيس وتكليف حكومة أعادا للدولة انتظامها الدستوري، لكنّ اختبار 2026 سيكون في مكان آخر: هل يستطيع لبنان الانتقال من "إدارة المخاطر" إلى معالجة أسبابها، ومن دولةٍ تعيش على التسويات المؤقتة إلى دولةٍ تقرّر وتنفّذ؟.
المصدر:
النشرة