فتح لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ، في نهاية العام المنصرم، مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الباب أمام طرح الكثير من علامات الإستفهام، حول مستقبل الأوضاع في المنطقة في العام الجديد، خصوصاً أن البحث فيه تركز على مجموعة من الملفات التي لا تزال عالقة دون حل شامل: إيران ، لبنان ، سوريا ، غزة ، لا سيما أن طريقة ترتيب هذا اللقاء، بحسب التسريبات التي سبقته، لم تكن عادية.
من حيث المبدأ، يرغب الرئيس الأميركي في الوصول إلى حلول جذرية لمختلف هذه الملفات، خصوصاً أنه يعيش هاجس الفوز ب جائزة نوبل للسلام في العام 2026، بعد أن فشل في تحقيق هذا الهدف في العام 2025، ما يدفعه، على نحو متكرر، إلى الحديث عن الحروب التي زعم أنّه نجح في وقفها على مستوى العالم، بالرغم من أن الوقائع لا تدعم هذا الإدعاء، في حين لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي، في الصورة العامة، الهدف نفسه، أي إنهاء هذه الملفات، لكن بطريقة مختلفة.
في هذا الإطار، يوحي ترامب أنه يفضل الخيار الدبلوماسي، أي تحقيق الهدف من دون التورط في حروب جديدة، على قاعدة أن الضغوط على الجهات المعنية من الممكن أن تنجح في تحقيق المهمة، بالإضافة إلى سعيه إلى أن يكون ذلك بالتعاون مع العديد من الجهات الإقليمية، لا سيما السعودية و تركيا ، حيث من الممكن الحديث عن إستراتيجية تقوم على "صفقة تجارية"، بينما يرى نتانياهو أن هناك فرصة تاريخية لتحقيق ذلك بالقوة العسكرية، بعد النتائج التي كانت قد أفرزتها الحروب في مرحلة ما بعد عملية "طوفان الأقصى"، من خلال "تصفية نهائية للتهديدات".
هنا، لا يمكن التعامل مع جميع هذه الملفات من منطلق واحد، بسبب إختلاف طبيعة كل منها على مستوى التقاطعات والتأثيرات الإقليمية، حيث بات من الواضح أن الرئيس الأميركي لا يفضل العودة إلى الصدام في غزة وسوريا، بل يريد أن يدفع رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى خيارات أخرى، بسبب تأثير ذلك على موقف العديد من الجهات الإقليمية الحليفة له، بينما نتانياهو، الذي لا يريد الوصول إلى صدام مع ترامب، لديه مشاريعه الخاصة في الساحتين.
في هذا المجال، يظهر الخلاف، بشكل واضح، في الملف السوري تحديداً، بين رهانات واشنطن على دعم السلطة الإنتقالية في دمشق، خصوصاً أن ذلك يعزز خيارات التلاقي مع الرياض وأنقرة، في مقابل سعي تل أبيب إلى دعم مسار الخيارات الإنفصالية، من خلال رفع شعار "حماية الأقليات" الراغبة في التوسع به، على إعتبار أن هناك مخاطر كبرى، في المسار الأول، قد تنجم في المستقبل على مستوى أمنها القومي، بينما هي تعتبر أن لديها القدرة على فرض سيطرتها على المنطقة برمتها.
بالإنتقال إلى الملفين الإيراني واللبناني، لا تظهر عوامل الإنقسام بين الجانبين على نحو كبير، خصوصاً في ظل غياب اللاعبين الإقليميين المؤثرين، بدليل المواقف الواضحة التي عبر عنها الرئيس الأميركي بعد اللقاء، لا بل أن هؤلاء اللاعبين لديهم مصالحهم في إضعاف النفوذ الإيراني، تحديداً في لبنان، بالرغم من سعيهم إلى فتح قنوات إتصال مع طهران ، تتعلق بالسعي إلى الحفاظ على الإستقرار الإقليمي، في ظل الهجمة التي تقوم بها تل أبيب في هذه المرحلة.
في الملفين الفلسطيني والسوري، لا يمكن تجاهل أنه داخل أميركا من يميل إلى وجهة نظر نتانياهو، لكن في الملف الإيراني علامات إستفهام تُطرح حول إمكانية أن يقود رئيس الوزراء الاسرائيلي واشنطن إلى المواجهة، حيث إن ترامب، الذي يهدد بـ"جحيم" إذا لم تلتزم طهران، لا يزال يفضل الحصار الخانق، بينما نتانياهو قد يذهب لضربات عسكرية "جراحية"، أما في لبنان فيستمر التصعيد عبر الإعتداءات اليومية، لكن الذهاب أبعد من ذلك يتطلب موافقة واشنطن، التي لا تزال ترى أن الضغوط الدبلوماسية قد تنجح في تحقيق الهدف، من دون أن يعني ذلك معارضتها رفع مستوى الإعتداءات.
في المحصلة، لا يزال من المبكر الحديث عن نتائج لقاء نتانياهو ترامب، في ظل التلاقي في ملفات والإختلاف في أخرى، لا سيما مع وجود العديد من النقاط التي من الطبيعي أنه لم يعلن عنها من الجانبين، إلا أن الأكيد أن هذا اللقاء لم يكن تفصيلاً عابراً، على مستوى الملفات المذكورة في الأعلى، بالرغم من أن المعطيات قد تتبدل لاحقاً.
المصدر:
النشرة