آخر الأخبار

الدور الاسرائيلي في تصدع الجسم الخليجي

شارك

مثّلت الضربة العسكرية السعودية التي استهدفت آليات إماراتية في اليمن، لحظة كاشفة لانهيار أحد أكثر التحالفات الإقليمية تماسكًا في العقد الأخير. فالأمر لم يعد خلافًا مكتوما أو تناقضا في الاولويات يحاول كل منهما تخبئته خلف الابواب الموصدة، بل تحوّل إلى مواجهة مباشرة تم الاعلان عنها عبر بيانات رسمية من وزارتي الخارجية في الرياض و أبوظبي ، وتوّج ببيان وزارة الدفاع الإماراتية الذي أعلن صراحة إنهاء الوجود العسكري الإماراتي في اليمن. هذه التطورات تؤشّر إلى تحوّل جذري في العلاقة بين البلدين، يتجاوز الساحة اليمنية ليصل الى المساحة الاقليمية ككل، وينبئ بصورة عن دورهما فيها.

الخلاف في اليمن يعكس جوهر صراع سياسي أعمق حول من يقود النظام الإقليمي الخليجي في مرحلة ما بعد " التحالفات التقليدية ". فالسعودية تنظر إلى اليمن باعتباره مجالًا حيويًا لا تقبل فيه الشراكة مع احد حليفاً كان ام عدواً، وترى أن أي نفوذ عسكري مستقل –حتى من حليف– يمسّ مباشرة بأمنها القومي. في المقابل، تعاملت الإمارات مع اليمن كمساحة نفوذ استراتيجية طويلة الأمد، ركّزت فيها على الموانئ، والجزر، وبناء قوى محلية حليفة، بما يخدم رؤيتها لدور إقليمي يتجاوز حدودها الجغرافية. هذا التباين تفاقم بعد خطوة التطبيع الإماراتي مع إسرائيل ، التي شكّلت نقطة انعطاف في السياسة الإقليمية لأبو ظبي. فقد سعت الإمارات من خلالها إلى ترسيخ نفسها لاعبا إقليميا "حديثا"، منفتحا على تحالفات أمنية وتكنولوجية جديدة، وقادرا على لعب دور وسيط وشريك مفضل للغرب. في المقابل، ورغم أن السعودية لا تقف خارج هذا المسار كليا، إلا أنها ما زالت أكثر تحفظا في إعلان مثل هذه التحولات، نظرا لمكانتها الدينيّة ودورها القيادي في العالمين العربي والإسلامي. هذا الفارق في الأسلوب والطموح جعل التنافس بين الطرفين أكثر حدّة وأقل قابلية للاحتواء.

لا شك ان قرب البلدين من الولايات المتحدة ، يشكل عاملا إضافيا في هذا الصراع. فالسعودية تبقى اللاعب الأبرز إقليميا من حيث الوزن السياسي، والاقتصادي، ودورها المحوري في أسواق الطاقة، ما يجعلها شريكا لا غنى عنه لواشنطن. أما الإمارات، فتعتمد مقاربة مختلفة، تقوم على تقديم نفسها كحليف فعّال وسريع الحركة في الملفات الأمنية والعسكرية والتكنولوجية. هذا التنافس غير المعلن على موقع "الشريك المفضل" انعكس بوضوح في اليمن، حيث حاول كل طرف فرض وقائع ميدانية تخدم رؤيته وتظهر استقلالية قراره.

انعكاسات ما جرى تتجاوز اليمن إلى فضاءات جغرافية أوسع، من البحر الأحمر و القرن الإفريقي ، إلى شكل الاصطفافات العربية في المرحلة المقبلة. والأهم، أن هذا التصدّع يلقي بظلاله على العلاقة مع إيران. فالسعودية لا تزال ترى في طهران الخصم الإقليمي الأول، وتسعى إلى احتوائها ضمن معادلة صراع واضحة. في المقابل، أظهرت الإمارات استعدادا لاعتماد مقاربة أكثر واقعية وموضوعية، تقوم على خفض التوتر وفتح قنوات تواصل، بما يخدم مصالحها الاقتصادية والأمنية، على الرغم من الخلاف الذي يزال قائماً حول الجزر الثلاث.

لم تكن الضربة العسكرية السعودية ولا الانسحاب الإماراتي من اليمن حدثين معزولين، بل تجلّيا لصراع أدوار إقليمي بين قوة تقليدية تسعى إلى تثبيت قيادتها، وقوة صاعدة تطمح إلى توسيع نفوذها، ولعبة دولية-اقليمية تفرض تغييراً في الشروط عند الحاجة وتأقلماً سريعاً مع الوقائع وقراءة متجددة توجب التراجع حيناً والتقدم احياناً. وبين هذين المسارين، تدخل المنطقة مرحلة إعادة تشكّل، عنوانها تراجع التحالفات الصلبة وصعود التنافس بين الحلفاء أنفسهم، مع الخوف الكبير من تصدع الجسم الخليجي (وهو قد يكون اولى ثمار الدخول الاسرائيلي الرسمي اليه).

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا