آخر الأخبار

لقاء ترامب - نتنياهو وحسابات الحرب المؤجلة

شارك
تتقدّم المرحلة الراهنة في المنطقة محمّلة بأسئلة ثقيلة تتجاوز أي قراءة متسرّعة، إذ أعاد اللقاء الأخير الذي جمع ترامب بنتنياهو تسليط الضوء على مسار الحرب وحدودها في المنطقة. لكنّ النقاش لم يعد محصوراً في إمكان التصعيد بحد ذاته، بقدر ما يتمحور حول القدرة على تحويل الرغبات السياسية إلى نتائج فعلية، فيما تُظهر التجربة المتراكمة أن الحروب لم تكن يوماً قراراً منفصلًا عن ميزان الكلفة والجدوى وإمكان فرض الوقائع.

في هذا السياق يبرز الملف الإيراني في صلب الحسابات الإسرائيلية وضمن الرؤية الأميركية الأوسع لإعادة رسم توازنات المنطقة، إذ يبقى خيار المواجهة العسكرية حاضراً لكنه مرتبط بدور أميركي مباشر وبسؤال جوهري يتصل بالقدرة على تحقيق الهدف الأساسي والمتمثل بإحداث تغيير جذري في بنية النظام الإيراني. غير أن الوقائع المتاحة تظهر حجم التعقيدات التي تحيط بهذا الهدف، في ظل قدرات إيرانية متراكمة وتشابكات إقليمية تجعل أي مواجهة مفتوحة محفوفة بمخاطر تتجاوز الحسابات التقليدية.

وبناءً على ذلك يتبلور المسار الضاغط كخيار عملي يقوم على التفاوض بشروط مرتفعة السقف، مدعوماً بأدوات سياسية واقتصادية وأمنية متدرجة مع محاولات لاستثمار أي حراك داخلي إيراني في اتجاه فرض تحولات من الداخل، في ظل إدراك متزايد بأن القوة العسكرية وحدها غير كافية لإنتاج التحول المنشود ضمن بيئة إقليمية معقّدة مع بقاء احتمال ظهور معطيات قد تشكّل مفاجآت قادرة على تبديل التوازنات، بما يُبقي المشهد مفتوحاً من دون حسم مسبق.

أما على الساحة اللبنانية فيتكرّر المنطق نفسه مع اختلاف الأدوات، إذ يتمحور السؤال المركزي حول قدرة الحرب على تحقيق الهدف المعلن والمتمثل بإنهاء المقاومة ونزع سلاحها، فيما تشير التجارب المتراكمة إلى محدودية هذا الخيار في ظل واقع ميداني وسياسي متشابك أظهر فجوة واضحة بين حجم المواجهات الواسعة وسقوف النتائج المعلنة.

وتشير مصادر عسكرية مطلعة إلى أن التقديرات العلنية في محطات سابقة غالباً ما عكست صورة غير مكتملة لمسار القرار، إذ تتبدّل الحسابات عند دخول معطيات غير معلنة إلى المشهد التنفيذي، ما يؤدي إلى تغيّر مفاجئ في اتجاه التصعيد أو توقيته. غير أن التجربة نفسها تُظهر أن النتائج النهائية تعود في معظم الأحيان لتفتح النقاش حول جدوى الخيار العسكري وحدود قدرته على فرض تحولات تتناسب مع سقوف الأهداف المعلنة.

في المقابل تشير المصادر نفسها إلى أن المقاربة الأميركية في لبنان تقوم على مزيج من الدبلوماسية والضغطين الاقتصادي والسياسي، بالتوازي مع تهديد أمني إسرائيلي متدرّج، وهو مسار يفتح المجال أمام مرحلة من التصعيد المحسوب تتخللها عمليات نوعية أو ضربات مؤثرة أو استهدافات عالية المستوى، مع الحرص على إبقاء المواجهة ضمن حدود مضبوطة بعيداً عن الانزلاق إلى حرب واسعة.

وفي هذا الإطار يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات التغيّر تبعاً لمسارين أساسيين؛ الاول يتمثّل بظهور معطيات غير متوقعة من شأنها تعديل قواعد الاشتباك القائمة، فيما يرتبط الثاني بحصول تحوّل إقليمي واسع يعيد ترتيب الأولويات لدى القوى المؤثرة، وعندها قد تنتقل المنطقة من مرحلة إدارة التوتر إلى مرحلة مختلفة تقوم على كسر الإيقاع القائم وتبديل مسار الصراع.

خلاصة المرحلة بعد لقاء ترامب ونتانياهو تشير إلى مسار ضاغط طويل النفس، تُستخدم فيه أدوات متعددة لإعادة تشكيل الوقائع من دون اندفاع نحو حرب مفتوحة، فالمنطقة تقف عند تقاطع حساس حيث الرغبة السياسية تصطدم بحدود القدرة وحيث الصراع مستمر بأشكال مختلفة بانتظار لحظة تغيير كبرى أو تسوية تفرض نفسها بميزان جديد.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا