"دونر كباب".. وصفة عثمانية عبرت الحدود إلى موائد العالم
لا شيء يضاهي رائحة اللحم المشوي التركي المعروف باسم "دونر كباب"، في جذب انتباه المارة عند السير في شوارع المدن الصاخبة، ودفعهم لتتبع رائحة الشواء حتى يصلوا إلى مصدرها.
وخلف هذه الأكلة الشهية تاريخ عريق ورحلة انتشار واسعة؛ فقد وجدت طريقها إلى زوايا الشوارع الأوروبية وأسواق الشرق الأوسط وشاحنات الطعام في الولايات المتحدة، لتصبح من الأطباق المعروفة عالميا.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 8 وصفات سحرية للبطاطس المشوية على موائد العالم
* list 2 of 2 هنا الصين في قلب القاهرة.. مطاعم وحكايات بدأت من الأزهر end of list
ويمكن أن توفر وجبة الدونر البروتين وعددًا من الفيتامينات والمعادن، لكن قيمتها الغذائية تتوقف على مكوناتها وطريقة إعدادها. فاختيار اللحوم قليلة الدسم وخبز القمح الكامل، والإكثار من الخضراوات والأعشاب، وتقليل الصلصات والإضافات الغنية بالصوديوم والسعرات الحرارية، يجعلها خيارًا أكثر توازنًا.
فكيف بدأت حكاية الدونر، وكيف انتقل من المطبخ التركي إلى موائد العالم؟
مصدر الصورة
من أقدم أساليب الطهي التي عرفها البشر
يقول كين ألبالا، مؤرخ الطعام، والأستاذ في جامعة المحيط الهادئ بولاية كاليفورنيا: إن شوي اللحم على سيخ دوّار، "من أقدم طرق الطهي التي عرفها البشر"؛ حيث لا يُطهى اللحم فوق النار مباشرة، بل يُسوى بجانبها ببطء؛ مما يمنحه نكهة غنية ومتميزة.
وتشير سوزان شيرات، أستاذة علم الآثار الفخرية في جامعة شيفيلد بالمملكة المتحدة، إلى أن ولائم اللحوم المشوية على الأسياخ تظهر بوضوح في ملاحم "الإلياذة" و"الأوديسة"؛ كما أُكتشفت أسياخ حديدية، يُحتمل أنها استُخدمت للشوي، في منطقة بحر إيجة، "بدءا من القرن العاشر قبل الميلاد"؛ وفقا لـ"سي إن إن".
مصدر الصورة
من طريقة بدائية إلى وصفة عثمانية عالمية
ظلت عمليات الشواء الدوار البدائية تلك، تعتمد على طهي حيوانات كاملة أو أجزاء كبيرة منها، حتى "ابتكر الطهاة العثمانيون منذ قرون، "طريقة جديدة تقوم على رصّ كومة مخروطية كثيفة من شرائح اللحم النيئ الرقيقة، فوق سيخ معدني يسمح بطهيها أثناء دورانها".
ففي كتابها "الإمبراطورية الغنية: تاريخ المطبخ العثماني"، أشارت ماري إيشين إلى مخطوطة تعود لعام 1620، تُظهر "طهاة يقطعون اللحم من أسياخ دوارة تتكون من طبقات مرصوصة، بتكليف من رجل الدولة العثماني حافظ أحمد باشا، ليُقدم هذا الطبق للطبقة الراقية في النزهات الملكية".
ولكن بحلول أوائل القرن التاسع عشر، انتشرت هذه الوصفة الرائعة في أرجاء الامبراطورية العثمانية، الممتدة من وسط أوروبا وشمال أفريقيا، إلى شبه الجزيرة العربية؛ و"تحولت إلى طعام لعامة الناس"، وأصبحت الوجبة المفضلة للسياح الذين يرتادون مطاعم الكباب في إسطنبول، بعد أن ذاع صيتها باعتبارها "الطبق الألذ في البلاد"؛ بحسب إيشين.
الدونر يعبر الحدود بأسماء ونكهات مختلفة
عثرت إيشين على نصوص عثمانية تعود إلى القرن الخامس عشر، تصف اللحوم المشوية على أسياخ دوارة باسم "تشيفيرمه كبابي" (Çevirme kebabı)، وهو المصطلح الذي تحول في العربية والإنجليزية، أوائل القرن العشرين، إلى "شاورما". وفي المقابل، حلّ مصطلح "دونر" (Döner) محل "تشيفيرمه" داخل الإمبراطورية العثمانية؛ ويشير المصطلحان إلى "اللحم الذي يُشوى على سيخ دوار"، بحسب إيشين.
وانتشر اللحم المشوي على الطريقة العثمانية في الشرق الأوسط وأوروبا، وحمل المهاجرون القادمون من آسيا الصغرى الدونر إلى اليونان.
وفي العاصمة الألمانية برلين، وصل عدد مطاعم "دونر كباب" إلى ألف مطعم. وقالت عائشة تشاغلار، أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة فيينا، إن الدونر يُعد من الوجبات المفضلة في ألمانيا. كما بلغت إيراداته السنوية في أنحاء أوروبا 3.5 مليارات يورو، وفقًا لـ"رابطة منتجي الدونر الأتراك في أوروبا".
ومع انتقال المهاجرين بين القارات، حملوا معهم هذه الوجبة، وأدخلوا أنواعًا مختلفة من اللحوم في تحضيرها، وقدموها بطرق متنوعة وتحت مسميات متعددة. ومن هذه التسميات "ترومبو" (Trompo)، وهي كلمة إسبانية تعني لعبة "النحلة الدوارة"، في إشارة إلى التشابه بين شكلها والشكل المخروطي العمودي للحم المُعدّ للشواء.
وعبر الدونر المحيط الأطلسي إلى المكسيك؛ إذ يشير جيفري بيلتشر، أستاذ تاريخ الغذاء بجامعة تورنتو، إلى أن جالية لبنانية كبيرة ذات أصول عثمانية نقلت الشاورما إلى المكسيك في أواخر القرن التاسع عشر، حيث عُرفت باسم "تاكو أرابيس" (Tacos árabes)، أي "التاكو العربي".
مصدر الصورة
الدونر بين الشوارع والمطاعم
يُصنع الدونر التركي من شرائح رقيقة من لحم الضأن أو البقر أو الدجاج، تُكدّس على سيخ كبير وتُشوى ببطء أثناء دورانها؛ ومع اكتساب الطبقة الخارجية لونا ذهبيا وقواما مقرمشا، تُقطع شرائح اللحم بعناية وتُقدم بطرق متنوعة.
وقد تحول الدونر "من مجرد طعام يباع في الشوارع، إلى وجبة شهية تقدم في المطاعم"، وأصبحت أكبر مطاعم الدونر في اسطنبول تستقبل آلاف الزبائن يوميا، حيث تقدم شرائح رقيقة جدا من اللحم في أطباق، مصحوبة بخبز "اللافاش" الرقيق، والسلطة الطازجة، والبصل المرشوش بالسماق؛ وأصبح الدونر "وجبة مناسبة للاحتفالات والتجمعات لجميع فئات المجتمع"؛ كما يقول ودات باشاران، وهو طاه ومالك لمطعم شهير في اسطنبول، أجرى أبحاثا مكثفة حول تراث الطهي العثماني.
وفي مطاعم صغيرة أخرى منتشرة في أنحاء المدينة، تُقطَّع لحوم "الدونر" إلى شرائح سميكة وتُحشى داخل خبز "البيتا"؛ لتشبه الساندويتش وتختلف عن النسخة التركية التقليدية، لكنها تشبه إلى حد كبير "الدونر" الشائع حاليا في ألمانيا.
مصدر الصورة
الدونر.. "الجد الأكبر" للشاورما
عند الحديث عن اللحوم المشوية ببطء والغنية بالنكهات والمُقدمة داخل خبز لذيذ، غالبا ما يتبادر إلى الذهن صنفان اكتسبا شهرة عالمية واسعة، هما "الدونر كباب" و"الشاورما". ورغم أنهما يبدوان متشابهين للوهلة الأولى، إلا أن طرق الطهي والنكهات تمنح كلا منهما طابعا فريدا يميزه عن الآخر.
إذ يشتهر الدونر بنكهة هادئة تميل إلى طابع مدخن يعتمد على لحم طري عالي الجودة، مُتبل بخفة بالملح والفلفل الأسود، مما يتيح للمذاق الطبيعي للحم أن يبرز بوضوح. وغالبا ما يُقدَّم ملفوفا في خبز "اللافاش"، أو محشواً في خبز "البيتا" الهش، أو موضوعاً فوق الأرز مصحوبا بإضافات كلاسيكية مثل الزبادي والخضروات المشوية والصلصات الغنية بالزبدة، أو على طريقة "إسكندر" حيث يُغطى بصلصة الطماطم والزبدة والزبادي. وكل طريقة تُقدم قواما ونكهة مختلفين؛ مما يجعل الدونر طبقا متنوعا ومحبوبا لدى الكثيرين.
بينما تتميز "الشاورما بتتبيلة قوية غنية بمزيج من الكمون والقرفة والكركم والثوم، مما يمنحها نكهة عطرية قوية وغنية بالتوابل؛ وعادة ما تُقدَّم في خبز "البيتا" مع الطحينة وصلصة الثوم والمخللات والسلطات الطازجة.
ويبقى الدونر بمثابة "الجد الأكبر" لكل الوصفات التي انبثقت عنه، من الشاورما إلى الترومبو إلى التاكو. كما تقول مدربة الطهي ومدونة الطعام، صوفي رينويك.