في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

أشعل تحقيق نشرته "ميديا بارت" يوم 28 سبتمبر/أيلول 2026 عاصفة سياسية في فرنسا، بعدما كشفت الصحيفة الإلكترونية عن محادثات خاصة تقول إنها تعود إلى بدايات المسار السياسي للرئيس الحالي لحزب التجمع الوطني جوردان بارديلا، وتضم -حسب التحقيق- عبارات معادية للسامية ونظريات مؤامرة.

وتضع الصحيفة في مقدمة تحقيقها عبارة منسوبة إلى بارديلا تقول "البنوك كلها مملوكة لليهود" إلى جانب عبارات أخرى تربط اليهود بالسيطرة على النظام العالمي والمصالح المصرفية والصهيونية.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 "العالم يرى إسرائيل بعيون فلسطينية".. تحولات في الصورة والموقف
* list 2 of 2 نيويورك تايمز: كيف يحول ترمب مزاعم تزوير لسلاح سياسي؟ end of list

وكشفت تحقيقات "ميديا بارت" عن مجموعة من المحادثات الخاصة التي تقول الصحيفة إنها تعود إلى بدايات مسار بارديلا السياسي، بين عامي 2013 و2015، حين كان ناشطًا في صفوف الجبهة الوطنية "إف إن" (FN) قبل أن تتحول لاحقًا إلى التجمع الوطني "آر إن" (RN).

وتضع الصحيفة عبارة "البنوك كلها مملوكة لليهود" في صدارة تحقيقها، باعتبارها واحدة من العبارات التي تنسبها إلى بارديلا تلك الفترة. وتقول إن المحادثات التي اطلعت عليها تكشف، بحسب وصفها، عن خطاب معادٍ للسامية ونظريات مؤامرة مرتبطة باليهود وإسرائيل والقطاع المالي.

"ميديا بارت" ترى أن من بين أكثر العبارات إثارة للجدل التي تنسبها لبارديلا قوله إن "البنوك كلها مملوكة لليهود" إضافة إلى حديثه عن أن "اليهود" يريدون السيطرة على "النظام العالمي" وربطه بين الصهيونية والهيمنة المصرفية

وتؤكد "ميديا بارت" أنها تحققت بشكل مستقل من عشرات المحادثات، مدعومة بشهادات أشخاص عرفوا بارديلا تلك المرحلة.

ومن بين أكثر العبارات إثارة للجدل التي تنسبها الصحيفة إليه "البنوك كلها مملوكة لليهود" إضافة إلى حديثه -وفق التحقيق- عن أن "اليهود" يريدون السيطرة على "النظام العالمي" وربطه بين الصهيونية والهيمنة المصرفية.

وفي إحدى الرسائل، بحسب ميديا بارت، يذكر بارديلا شخصيتين فرنسيتين هما برنار هنري ليفي وجاك أتالي، ويقدمهما في سياق حديثه عن ما يعتبره نفوذا صهيونيا ومصرفيا.

إعلان

وفي محادثة أخرى، يوجّه اتهاماته إلى 3 وزراء في حكومة الرئيس السابق فرانسوا هولاند هم: لوران فابيوس، وبيير موسكوفيتشي، ومانويل فالس، معتبرًا، وفق ما تنقله الصحيفة، أن الوزارات "الأهم" تذهب إلى أشخاص تكون مصالح إسرائيل والمصارف بالنسبة إليهم أهم من المصالح الفرنسية.

كما تنسب إليه الصحيفة عبارة أخرى عن موسكوفيتشي، مفادها أنه إذا كان يريد "إنقاذ الشركات" فذلك من أجل "الانتقام لموسى" في مثال آخر على الطريقة التي تقول "ميديا بارت" إنه كان يربط بها بين السياسة الفرنسية واليهود أو المصالح المالية.

مصدر الصورة الكاتب الفرنسي السويسري اليميني آلان بونيه (سورال) معروف بمواقف معادية للسامية (الفرنسية)

تأثير سورال ونظريات المؤامرة

ولا تتوقف المادة عند موضوع البنوك، فهي ترسم صورة أوسع للأفكار التي تقول إن بارديلا تبناها تلك المرحلة، وتربطها خصوصًا بالناشط الفرنسي آلان سورال، المعروف بخطابه المعادي للسامية والذي صدرت بحقه إدانات قضائية.

وبحسب التحقيق، كان بارديلا يصف تحليلات سورال بأنها "صحيحة" لأنها، بحسب تعبير منسوب إليه، "تتحقق في الواقع" كما كان يربط بين الصهيونية والهيمنة المصرفية ذاكرا مؤسسات مالية مثل غولدمان ساكس وروتشيلد وليمان براذرز.

كما تتحدث عن اهتمامه آنذاك بمحتوى ونظريات مؤامرة مرتبطة بهجمات 11 سبتمبر/أيلول، بما في ذلك التشكيك في الرواية الرسمية والحديث عن دور محتمل للموساد.

وعلاوة على ذلك، تقول إنه يتخذ مواقف مؤيدة للنظام الدكتاتوري لبشار الأسد في سوريا، والذي يصنفه ضمن "الدكتاتوريين العرب" الذين "يتم تشويه سمعتهم ظلما وعدوانا".

وتورد "ميديا بارت" كذلك أن بارديلا كان قريبًا تلك المرحلة من شخصيات في محيط الجبهة الوطنية مرتبطة بسورال، من بينها فريديريك شاتيون أحد الشخصيات المعروفة في الدائرة المحيطة بمارين لوبان.

من بارديلا الشاب إلى إستراتيجية "نزع الشيطنة"

أحد أهم محاور التحقيق هو التناقض الذي تراه الصحيفة بين هذه الكتابات الخاصة القديمة وبين الصورة السياسية التي أصبح التجمع الوطني يقدمها لاحقًا، خصوصًا في ما يتعلق بموقفه من معاداة السامية.

وتستشهد "ميديا بارت" بعبارة منسوبة إلى بارديلا تقول "السياسة هي التواصل" في سياق حديثه عن ضرورة الانضباط في الخطاب العلني، كما تنقل عنه قوله إن خطاب لوبان أصبح أكثر "صقلًا" وإن عدد الناخبين ارتفع نتيجة لذلك، مع تمسكه في الوقت نفسه بما وصفه بأنه "الأيديولوجيا الأساسية" للحزب.

ومن هنا تبني الصحيفة جزءًا من تحقيقها حول مفهوم "نزع الشيطنة" (dédiabolisation) أي الجهود التي بذلها الحزب لتحسين صورته والتخلص من إرثه الأكثر تطرفًا أمام الرأي العام.

وإلى جانب فابيوس وموسكوفيتشي وفالس، ترد في المادة أسماء لوبان، سورال، فريديريك شاتيون، جان-فرانسوا يالك وغيرهم، في سياق الحديث عن البيئة السياسية والعلاقات التي أحاطت ببارديلا خلال سنواته الأولى داخل الجبهة الوطنية.

بارديلا ينفي وقيادة حزبه تدافع عنه

بارديلا رفض الاتهامات جملة وتفصيلًا، ووصف ما نشرته "ميديا بارت" بأنه "مزيف بشكل فاضح" و"عملية" تستهدفه، كما أعلن اللجوء إلى القضاء بتهمة التشهير.

وسارعت لوبان إلى الدفاع عنه، ووصفت التحقيق بأنه "جنون محض" و"عملية تلاعب" مؤكدة أنها لا تثق في "ميديا بارت".

كما وصف جان-فيليب تانغي النائب عن معسكر لوبان ما نشر بأنه "اختلاقات" واتهم الصحيفة بمحاولة "تلطيخ" صورة بارديلا، أما لوران جاكوبيلي نائب رئيس كتلة التجمع الوطني، فقال إن الأمر إما "تلاعب" أو "تزوير فاضح" معتبرًا أن هناك "آلة لصناعة الفضائح".

إعلان

ودافع عن بارديلا كذلك إيريك سيوتي رئيس حزب اتحاد اليمين من أجل الجمهورية والحليف السياسي للتجمع الوطني، مهاجمًا ما وصفه بـ"مكاتب اليسار المتطرف" التي، بحسب قوله، تحاول في كل انتخابات رئاسية التأثير في العملية الديمقراطية.

خطورة بالغة

في المقابل، أثارت القضية ردود فعل شديدة اللهجة من اليسار وبعض أعضاء الحكومة.

وزيرة الدولة المكلفة بمكافحة التمييز أورور بيرجيه تحدثت عن كتابات "إذا ثبتت صحتها" ذات "خطورة بالغة" ودعت إلى عدم التنازل أمام ما وصفته بطبيعة اليمين المتطرف.

أما وزير الخارجية جان-نويل بارو فكتب على منصة إكس أن "معاداة السامية ليست حادثًا عابرًا في مسار التجمع الوطني، بل هي تاريخ هذا الحزب" في إشارة إلى الجدل التاريخي المحيط بالجبهة الوطنية والتجمع الوطني.

مصدر الصورة بارو : معاداة السامية ليست حادثًا عابرًا في مسار التجمع الوطني بل هي تاريخ هذا الحزب (غيتي إيميجز)

ومن جهته، استخدم الأمين الأول للحزب الاشتراكي أوليفييه فور السخرية، قائلًا إن القضية تجعله يفهم بصورة أفضل، بحسب تعبيره، لماذا سبق لبارديلا أن قال إن جان-ماري لوبان لم يكن معاديًا للسامية.

أما الأمين الوطني للحزب الشيوعي فابيان روسيل، فربط القضية بتاريخ الجبهة الوطنية، معتبرًا أن الحزب، منذ تأسيسه وحتى التجمع الوطني الحالي، لم يتغير في نظره في ما يتعلق بالعنصرية ومعاداة السامية ونظريات المؤامرة.

وقال النائب عن حزب "بليس بوبليك" أوريليان روسو إن بارديلا يتمتع، بحسب تعبيره، بـ"اتساق في الدناءة" معتبرًا أن التحيزات العنصرية تجاه المهاجرين يمكن أن تتقاطع مع الخطاب المعادي للسامية.

أما زعيمة حزب الخضر مارين تونديلييه فذهبت إلى أبعد من ذلك، داعية بارديلا إلى الاستقالة من جميع مناصبه.

ميلونشون يطالب بارديلا بإثبات موقفه

بدوره، اتخذ زعيم " فرنسا الأبية" جان-لوك ميلونشون موقفًا أكثر ارتباطًا بمضمون الاتهامات، إذ طالب بارديلا بأن "يثبت معارضته للتصريحات المعادية للسامية ونظريات المؤامرة" المنسوبة إليه.

وأضاف، بحسب مجلة لونوفيل أوبس، أن عدم القيام بذلك سيجعل القضية دليلًا على خطأ من اعتبروا أن اليمين المتطرف قد تخلص من جذوره المعادية للسامية.

واستخدمت النائبة عن نفس الحزب كليمانس غيتيه لغة أكثر حدة، وكتبت على منصة اكس "هكذا يكون اليمين المتطرف: بربطة عنق أو من دونها، حثالة عنصرية ومعادية للسامية".

موقف أكثر حذرًا

في المقابل، دعا رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومينيك دو فيلبان إلى قدر أكبر من الحذر، معتبرًا أن القضية ينبغي ألا تتحول إلى "محاكمة نوايا مجانية" أو استغلال شخصي.

لكنه رأى في الوقت نفسه أنها تطرح، بحسب لونوفيل أوبس، "مسألة سياسية كبرى" تتمثل في أن "نزع الشيطنة لا يمكن أن يكون مجرد عملية اتصالية".

وفي الوقت الذي نشرت فيه "لونوفيل أوبس" تقريرها، لم يكن كل المرشحين المحتملين من الوسط واليمين، ومن بينهم غابرييل أتال وإدوار فيليب وبرونو ريتايو، قد أعلنوا مواقفهم بعد.

مصدر الصورة دو فيلبان حذر من محاكمة نوايا مجانية (أسوشيتد برس)

وهكذا، تحولت عبارة "البنوك كلها مملوكة لليهود" من مقتطف في تحقيق صحفي إلى محور مواجهة سياسية واسعة في فرنسا. فبينما يقول بارديلا وقيادة التجمع الوطني إن ما نشرته "ميديا بارت" ملفق أو مضلل، يرى خصومه أن القضية تعيد فتح النقاش حول جذور الحزب ومسار "نزع الشيطنة" الذي اعتمدته قيادته خلال السنوات الماضية.

ويبقى جوهر القضية، كما تظهره ردود الفعل المتباينة، مرتبطًا بسؤالين متوازيين: مدى صحة الوثائق والعبارات المنسوبة إلى بارديلا، وما إذا كانت تلك الكتابات القديمة تتعارض مع الصورة السياسية التي يقدمها اليوم عن نفسه وعن التجمع الوطني.