قبل الأزمة، كان من يقبض ألف دولار في لبنان يعرف تمامًا ماذا يمكن أن يفعل بها. اليوم، يعني المبلغ نفسه حسابات مختلفة، في الصرف والراتب ومحطة البنزين والمصرف.


في 2018، كانت الألف دولار تساوي نحو مليون و507 آلاف ليرة، أما اليوم فتساوي نحو 89 مليونًا و600 ألف ليرة، أي ما يقارب 60 ضعفًا. لكن هذا الرقم لا يعني أن حامل الدولار صار أغنى، لأن الأسعار نفسها انتقلت إلى الدولار. فالمقياس الفعلي هو ما تشتريه الألف دولار، لا عدد الليرات التي تساويها.


وعند مقارنتها بالأجور، كانت الألف دولار في 2018 تعادل أكثر من راتبين بقليل بالحد الأدنى، الذي كان 675 ألف ليرة، أي 450 دولارًا. اليوم يبلغ الحد الأدنى في القطاع الخاص 28 مليون ليرة، أي نحو 312 دولارًا، فصارت تعادل أكثر من ثلاثة رواتب. وهذا يعني أن الحد الأدنى خسر نحو 30% من قيمته بالدولار، وأن الألف دولار لم تكبر، بل صغرت الرواتب.


وفي محطة البنزين، كانت الألف دولار تكفي في 2018 لنحو 58 صفيحة، حين كان سعرها يدور حول 26 ألف ليرة. اليوم وصل سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان إلى 2,844,000 ليرة، فصارت تكفي لنحو 31 صفيحة فقط. ولا يعود ذلك إلى الأزمة المحلية وحدها، بل أيضًا إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا والرسوم المفروضة على الصفيحة.


أما في المصرف، فكان إيداع ألف دولار في 2018 أمرًا عاديًا. بعد 2019 علقت الودائع خلف القيود، فانتقل كثيرون إلى الاحتفاظ بالدولار نقدًا، وتوسّع التعامل النقدي في الاقتصاد. ولا يقتصر هذا التحوّل على طريقة الادخار، بل يعكس فقدان الثقة بالمصارف.


وفي الحياة اليومية، تحوّلت معظم الأسعار إلى الدولار، من الأقساط المدرسية إلى الإيجارات والمطاعم، وأصبحت فاتورة المولّد بندًا ثابتًا في الميزانية الشهرية. لذلك تغطي الألف دولار اليوم مصاريف أقلّ مما كانت تغطيه قبل الأزمة.


والحصيلة أن الألف دولار باتت تعني أشياء مختلفة بحسب مصدر الدخل. فمن يقبض راتبه بالدولار تكيّف مع الأسعار الجديدة إلى حدّ ما. أما من يتقاضى الحد الأدنى، فصار المبلغ نفسه يعادل دخل أكثر من ثلاثة أشهر، بعدما كان يعادل دخل شهرين. وهنا الفارق الأساسي بين 2018 واليوم: لم تعد المسألة بين الليرة والدولار، بل بين من يقبض دخله بالدولار ومن يقبضه بالليرة.