أزمة السكن في إسبانيا: ما الذي يحدث بعد احتجاجات "ماريا كارمن"؟
طرد ماريكارمن من منزلها دفع آلاف الأشخاص للنزول إلى الشوارع، وأعاد تسليط الضوء على أزمة السكن في إسبانيا، حيث ترتفع أسعار الشراء بنسب من رقمين والإيجارات تواصل الصعود والعرض يعجز عن مواكبة الطلب في المناطق الأكثر توترا.
تحولت صور María del Carmen Abascal، المعروفة باسم Maricarmen، أثناء إخلائها من مسكنها في مدريد إلى أحدث رمز لأزمة الحصول على السكن في إسبانيا.
هذه السيدة، البالغة من العمر 87 عاما، كانت تعيش مستأجرة في هذا العقار منذ نحو 70 عاما. ووفق Sindicato de Inquilinas de Madrid، فقد طُرحت بعد تغيير الملكية زيادة في الإيجار من نحو 500 يورو إلى 2.650 يورو شهريا، ثم خُفض المبلغ لاحقا إلى 1.650 يورو.
بعد محاولات عدة لوقف تنفيذ قرار الإخلاء، تم إخلاء Maricarmen من منزلها ثم نُقلت بعد ذلك إلى المستشفى. وقد أثار هذا الملف احتجاجات تمددت بسرعة خارج مدريد.
غير أن حجم رد الفعل يصعب فهمه إذا نظرنا فقط إلى هذا الإخلاء. فقضية Maricarmen تأتي في وقت أصبح فيه الحصول على مسكن أحد أهم الضغوط الاقتصادية على كثير من الأسر الإسبانية.
مصدر الصورة
كم ارتفعت أسعار السكن في إسبانيا؟
أسعار شراء المساكن تنمو حاليا بمعدلات مكوّنة من رقمين. فقد سجل Índice de Precios de Vivienda الصادر عن Instituto Nacional de Estadística (INE) زيادة سنوية قدرها 12,2% خلال الربع الثاني من عام 2026.
وارتفعت أسعار المساكن المستعملة، التي تمثل الجزء الأكبر من السوق الإسبانية، بنسبة 12,9%، بينما زادت أسعار المساكن الجديدة 7,4%. وبالمقارنة مع الربع السابق فقط، ارتفعت الأسعار 3,4% أخرى.
ولا يقتصر الإشكال على من يريدون شراء منزل. فقد بلغ متوسط الإيجار المُعلن 15,1 يورو للمتر المربع في أغسطس 2026، بحسب موقع "Idealista"، أي بزيادة 5,8% مقارنة بالعام السابق. وهذه الزيادات تتراكم فوق الارتفاعات المسجلة خلال الأعوام الماضية .
والنتيجة هي أن تكلفة السكن تلتهم نسبة مرتفعة من دخول كثير من الأسر، لا سيما بين من يعيشون في مساكن مستأجرة.
وبحسب بيانات INE، فقد كان 28,1% من الأشخاص الذين يستأجرون مسكنا بسعر السوق في عام 2024 يخصصون أكثر من 40% من دخلهم المتاح لتكاليف السكن. بينما بلغ المتوسط في الاتحاد الأوروبي 19,2%.
لذلك لا تكمن مشكلة إمكانية الحصول على السكن فقط في أن المنازل أصبحت أغلى ثمنا، بل إن جزءا مهما من المستأجرين يستهلك الحفاظ على مسكن نسبة كبيرة للغاية من دخولهم.
مصدر الصورة
لماذا ارتفعت الأسعار والإيجارات بهذا القدر؟
يشدد الخبراء على أنه لا توجد تفسيرات أحادية، لكن يقف وراء الوضع الحالي خلل أساسي: ففي الأماكن التي يريد أو يحتاج فيها أكبر عدد من الأشخاص إلى السكن، لا يُنشأ ما يكفي من المساكن لاستيعاب الطلب.
تواصل إسبانيا زيادة عدد سكانها وخلق أسر جديدة، بينما تظل وتيرة بناء المساكن أقل بكثير من المستويات المسجلة قبل الأزمة المالية.
وقد أشار Banco de España مرارا إلى نقص العرض بوصفه أحد العوامل الرئيسية التي تضغط على السوق، خاصة في المناطق الأكثر ديناميكية اقتصاديا، حيث ارتفع عدد السكان وفرص العمل بدرجة أكبر.
وهذا يفرض تمييزا مهما، فإسبانيا لا تعاني حرفيا من نقص المساكن في كامل أراضيها. فهناك بلديات تعاني من جمود سكاني وعقارات فارغة، غير أن المشكلة تكمن في مكان وجود تلك المساكن.
تتركز الضغوط السكنية بشكل خاص في مدريد وبرشلونة والجزر وقطاعات واسعة من الساحل المتوسطي، إضافة إلى مراكز حضرية وسياحية كبيرة أخرى. فالشقة الفارغة في بلدية ذات نشاط اقتصادي محدود لا تحل مشكلة نقص المساكن في مدريد أو مالاغا أو برشلونة أو بالما.
لماذا لا تبني إسبانيا ببساطة مزيدا من المساكن؟
جزء من الإجابة يكمن في تبعات الأزمة العقارية السابقة. فقبل عام 2008 شهدت إسبانيا طفرة ضخمة في البناء تغذيها القروض الرخيصة. وانفجار الفقاعة أدى إلى اختفاء عدد كبير من شركات التطوير العقاري، وإلى مشكلات في النظام المصرفي وانهيار نشاط البناء.
وقد تعافى بناء المساكن السكنية لاحقا، لكنه لم يعد إلى تلك المستويات السابقة. وهذا يساعد أيضا على فهم سبب اختلاف السوق الحالي عن السوق الذي سبق الأزمة المالية. فBanco de España يشير إلى أن إنتاج المساكن الجديدة لا يزال أكثر اعتدالا بكثير مقارنة بالدورات التوسعية السابقة، وأن عجز العرض يتركز بشكل خاص في مناطق بعينها.
إضافة إلى ذلك، فإن بناء المساكن يستغرق وقتا طويلا، فتهيئة الأراضي والحصول على التراخيص العمرانية وتأمين التمويل وبناء المبنى قد يحتاج إلى أعوام. وبالتالي تستجيب المعروضات العقارية ببطء عندما يرتفع عدد سكان مدينة ما بسرعة، وهذه الاستجابة البطيئة تنعكس على الأسعار.
وعندما يحتاج عشرات الآلاف من الأشخاص إلى مساكن إضافية في منطقة معينة بينما لا يزيد حجم المساكن المتاحة إلا قليلا، تشتد المنافسة على العقارات الموجودة بالفعل.
ما دور صناديق الاستثمار وكبار الملاك؟
ملكية المساكن المؤجرة أكثر تركّزا مما قد توحي به صورة المالك الصغير الذي يمتلك شقة واحدة مؤجرة.
فبحسب تقرير أعده Ministerio de Consumo بالتعاون مع CSIC، فإن 39% فقط من المساكن المؤجرة للاستخدام الدائم هي في يد أفراد لا يمتلكون سوى مسكن واحد مؤجر. أما نسبة 61% المتبقية فتعود إلى ملاك أفراد لديهم مسكنان أو أكثر مؤجرة، وإلى أشخاص اعتباريين، من بينهم شركات وصناديق استثمار، إضافة إلى هيئات عامة.
ويظهر التركّز أيضا عند النظر فقط إلى الملاك الأفراد، إذ إن 52,8% من المساكن المؤجرة من قبل أشخاص طبيعيين تعود إلى ملاك يمتلكون مسكنين أو أكثر في سوق الإيجار.
ويبرز هذا الظاهرة بشكل خاص في بعض المدن التي تسجل فيها أسعار السكن أعلى المستويات. ففي المساكن المؤجرة من قبل أفراد، تشكل المساكن المملوكة لملاك عدة عقارات نسبة 60,8% في برشلونة و56,4% في مدريد و55% في فالنسيا.
كما أن حجم المساكن الواقعة في يد كبار الملاك قد نما بوتيرة أسرع، فبين عامي 2016 و2023 زادت المساكن المؤجرة من قبل أفراد يمتلكون مسكنين أو أكثر بنسبة 39,9%، مقابل 30,4% فقط بين الملاك الذين لديهم مسكن واحد مؤجر.
غير أن مسألة من يملك المساكن ليست سوى جزء من المعادلة، أما الجزء الآخر فيتعلق بعدد الأشخاص والأسر الذين يتنافسون على معروض ينمو بوتيرة أبطأ.
ما الدور الذي يلعبه نمو السكان؟
تقترب إسبانيا من الوصول إلى 50 مليون نسمة بعد أعوام عدة من نمو ديمغرافي قوي مدفوع أساسا بالهجرة. هذا النمو يزيد حجم قوة العمل وعدد العاملين والطلب على السلع والخدمات، لكنه يرفع أيضا الحاجة إلى السكن.
ولفهم سوق العقارات، يُعَد عدد الأسر مهما بقدر أهمية عدد السكان. فزوجان ينفصلان ويحتاجان إلى مسكنين، وشبان يغادرون بيت العائلة أو عاملون ينتقلون إلى مدينة أخرى، كلهم ينشئون أسرًا جديدة حتى لو لم يتغير العدد الإجمالي للسكان إلا قليلا.
وحين يرتفع عدد الأسر بوتيرة أسرع من نمو عدد المساكن المتاحة، تشتد المنافسة على السكن. ويظهر هذا الأمر بشكل خاص في مراكز العمل الكبرى مثل مدريد، حيث يتنافس القادمون الجدد والعاملون والطلاب والأسر والشباب الراغبون في الاستقلال على معروض محدود.
ماذا عن المشترين الأجانب والشقق السياحية؟
لكل من هذين العاملين تأثيره، لكن وزنهما يختلف كثيرا من منطقة إلى أخرى. فالشقق المخصصة للسياحة يمكن أن تقلل المعروض المتاح للإيجار السكني في الأحياء التي تشهد طلبا كبيرا من الزوار، خاصة في المدن الكبرى والجزر وبعض الوجهات الساحلية.
كما أن الطلب الدولي له وزن معتبر في سوق البيع والشراء. فبحسب Colegio de Registradores، شكّل المشترون الأجانب 15,98% من عمليات شراء المساكن في إسبانيا خلال الربع الثاني من عام 2026، وهي أعلى نسبة تسجل حتى الآن. وكانت نسبتهم عالية جدا في جزر البليار، حيث مثلوا 32,27% من الصفقات، وفي Comunidad Valenciana بنسبة 31,03%.
غير أن الحديث عن "المشترين الأجانب" يشمل واقعيات مختلفة للغاية، إذ إن الجنسيات الأكثر حضورا في السوق الإسبانية لا تزال في معظمها أوروبية ومغربية. فبيانات Registradores لعام 2025 وضعت البريطانيين والألمان والهولنديين والمغاربة والرومانيين والفرنسيين والإيطاليين بين أبرز الجنسيات بين المشترين الأجانب.
كما أن الطلب القادم من أمريكا اللاتينية حاضر في السوق، وإن كان وزنه أقل من الطلب الأوروبي. فبحسب Colegio de Registradores شكّل المشترون القادمون من أميركا الجنوبية 5% من العمليات التي نفذها أجانب في الربع الأول من عام 2025، وقد يكون حضورهم أكبر وزنا في بعض الأسواق المحلية المحددة.
محدودية الإسكان الاجتماعي
هناك سمة أخرى مهمة للسوق الإسبانية، إذ إن حجم المساكن المخصصة للإيجار الاجتماعي صغير جدا مقارنة بدول أوروبية أخرى.
فبحسب Comisión Europea تمثل المساكن المخصصة لأغراض اجتماعية نحو 1,5% إلى 1,7% من إجمالي المساكن في إسبانيا، مقابل متوسط يتراوح بين ستة وسبعة في المئة في الاتحاد الأوروبي.
ويعني ذلك أن نسبة أكبر من الأسر ذات الدخل المنخفض أو المتوسط تعتمد مباشرة على السوق الخاصة. ففي البلدان التي تمتلك مخزونا أوسع من المساكن الاجتماعية، يمكن لجزء أكبر من السكان الوصول إلى إيجارات لا يعتمد سعرها حصرا على ظروف السوق.
أما في إسبانيا، فعندما ترتفع الإيجارات في السوق الخاصة بسرعة، لا يوجد سوى مخزون عام محدود نسبيا قادر على استيعاب الأسر التي لم تعد قادرة على تحمّل تلك الأسعار.
الشباب يقدّمون وجها آخر للأزمة
أحد أوضح المؤشرات على صعوبة الوصول إلى مسكن يظهر، على نحو مفارق، خارج سوق العقارات نفسه، إذ إن كثيرا من الشبان لا ينجحون ببساطة في الدخول إليه. ففي عام 2025 كان 44,3% من الإسبان بين 26 و34 عاما لا يزالون يعيشون مع والديهم، وهي من أعلى النسب في أوروبا.
ومن بين هؤلاء، أشار نحو نصفهم تقريبا (47,3%) إلى أن السبب الرئيس هو أنهم لا يستطيعون تحمل تكلفة شراء أو استئجار مسكن. ومن بين الأشخاص من مختلف الأعمار الذين بحثوا عن مسكن آخر لكنهم لم ينتقلوا في النهاية، ذكر نحو سبعة من كل عشرة أن الأسعار الباهظة كانت العقبة الرئيسة.
يساعد ذلك في فهم سبب امتداد النقاش حول السكن إلى أجيال مختلفة جدا؛ فالشباب يواجهون صعوبات في الاستقلال، والمستأجرون يواجهون إيجارات مرتفعة، والأسر تتنافس على مساكن أكبر مساحة، وبعض المستأجرين من كبار السن يمكن أن يجدوا أنفسهم في أوضاع هشة عندما تتغير ملكية المساكن أو شروط عقودها.
لماذا أثار ملف Maricarmen كل هذا الحراك؟
قصة Maricarmen تجمع كثيرا من هذه التوترات في حالة واحدة؛ فالأمر لا يتعلق بشابة تحاول دخول سوق العقارات لأول مرة، بل بسيدة تبلغ من العمر 87 عاما عاشت ما يقرب من سبعة عقود في المنزل نفسه.
وقد سلط إخلاؤها الضوء على بعد آخر من أزمة السكن، إذ لا تؤثر حالة انعدام الأمان السكني فقط في من يبحثون عن شقة أو يحاولون الاستقلال، بل تمس أيضا أشخاصا عاشوا لعقود في مساكن مستأجرة عندما تتغير ملكية تلك المساكن أو شروط عقودها.
كما أن الملابسات المحددة لهذه القضية أثارت جدلا سياسيا، إذ إن الحكومة المركزية وComunidad de Madrid والبلدية والمالِك ومنظمات المستأجرين اختلفوا حول المسؤوليات وحول الإجراءات التي كان يمكن اتخاذها لتفادي الإخلاء.
وقد اعتبرت Amnistía Internacional أن إخلاء Maricarmen دون توفير بديل سكني مناسب لها انتهك حقوقها، في حين ألقت الهيئات المختلفة المسؤولية على بعضها البعض بشأن ما حدث.
غير أن التعبئة تجاوزت قضية Maricarmen نفسها، إذ تم إخلاؤها في وقت أصبح فيه شراء مسكن أكثر كلفة يوما بعد يوم، بينما تستمر الإيجارات في الارتفاع وتجد نسبة مهمة من الأسر صعوبة في تحمّل تلك التكاليف.
وقد حولت الاحتجاجات هذه القضية الفردية إلى رمز لمشكلة جماعية؛ فظروف Maricarmen استثنائية، إذ إن قلة قليلة من الأشخاص يمضون سبعة عقود في مسكن واحد مستأجر، غير أن السياق الذي وقع فيه إخلاؤها ليس استثنائيا.