آخر الأخبار

في مهرجان البندقية: وجهان للسينما الإيرانية | الحرة

شارك

وصلت السينما الإيرانية إلى مهرجان البندقية السينمائي هذا العام بفيلمين روائيين، وكلاهما يعكس استراتيجية باتت مألوفة على نحو متزايد في الحياة الإيرانية: نسخة تُقدَّم إلى السلطات، وأخرى أقرب إلى الواقع.

فيلم “ قليل من الضوء ” للمخرج علي عسكري، المشارك في المسابقة الرئيسية، يحكي قصة طبيب يُدفع نحو الانتحار بعد اعتقاله وإغلاق عيادته.

أما فيلم “ البيت المراقِب ” للمخرج محسن قرائي، المشارك في قسم أوريزونتي (آفاق) المخصص للمواهب الصاعدة، فيتناول قصة حارس سجن يفقد وظيفته، ثم يحوّل منزله تدريجياً إلى سجن آخر لعائلته.

وبحلول الليلة الختامية للمهرجان، كان “البيت المراقِب” قد أصبح قصة تتردد أصداؤها في البندقية وفي إيران أيضاً.

وفازت لاله مرزبان بجائزة أوريزونتي لأفضل ممثلة عن أدائها في الفيلم، بعدما ساهم ظهورها من دون الحجاب الإلزامي في إشعال جدل حول الفيلم داخل إيران.

وكما هي الحال في كثير من جوانب الحياة الإيرانية منذ ثورة 1979، طوّرت السينما نسختين: واحدة يمكن عرضها على السلطات، وأخرى تعمل في الخفاء.

والمثير للاهتمام أن الخط الفاصل بين النسختين بات أكثر صعوبة في التحديد.

ويُعد قرائي مثالاً بارزاً على ذلك. فهو لم يأتِ من السينما السرية . وكانت أفلامه السابقة تنفذ ضمن النظام الرسمي في إيران. كما فاز بجائزة في مهرجان فجر السينمائي الذي تنظمه الحكومة.

كما حصل “البيت المراقِب” على تصريح رسمي بالإنتاج. وقال قرائي إن حجم الإنتاج كان ببساطة أكبر من أن يسمح بتصويره سراً، إذ كان يحتاج إلى ممثلين معروفين وطاقم عمل محترف.

لكن كانت هناك مشكلة واحدة: الفيلم الذي ظنت السلطات أنها سمحت بإنتاجه لم يكن الفيلم الذي كان قرائي ينوي صنعه.

وقال قرائي لـ مجلة ديدلاين في مقابلة نشرت بالتزامن مع العرض الأول للفيلم في البندقية: “أعطيناهم نوعاً من السيناريو الوهمي”.

وأتاح التصريح لصناع الفيلم جمع طاقم الممثلين والعاملين، ثم، على حد تعبيره “صنع الفيلم الذي أردنا صنعه”.

ولم تلقَ تصريحات قرائي استحساناً لدى وسائل الإعلام المحافظة في إيران. فقد صاغت وكالة تسنيم نيوز ، المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني المتشدد، الأمر بوضوح في عنوانها: “كذبت وأعطيتهم سيناريو مزيفاً”.

وقال قرائي إنه خلال المشاهد التي تتضمن حوارات حساسة أو نساء من دون الحجاب الإلزامي، كان طاقم التصوير يقلص إلى بضعة أشخاص. وفي بعض الأحيان لم يكن الموجودون سوى هو ومرزبان والمصور. وفي أحيان أخرى كانوا يتظاهرون بأنهم يجرون تدريبات.

وتبدو هذه التصريحات مثيرة للاهتمام لأن قرائي وصف هدفه بلغة تبدو متناقضة إلى حد كبير.

وقال إنه بعد سنوات من الرقابة والتغيرات التي شهدها المجتمع الإيراني، ولا سيما بعد احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022، وصل إلى مرحلة بات عليه فيها إما التوقف عن صناعة الأفلام، أو محاولة تقديم “صورة صادقة” لما يحدث في إيران. وكان ذلك يعني الكذب من أجل صناعة فيلم يراه صادقاً.

داخل إيران، كان النقاش أقل فلسفية بكثير. فبعدما أظهرت أول صورة رسمية من “البيت المراقِب” لاله مرزبان من دون الحجاب الإلزامي، تساءلت وكالة مهر كيف انتهى المطاف بفيلم حاصل على تصريح رسمي للإنتاج إلى انتهاك قواعد صناعة الأفلام في إيران.

وقالت المنظمة السينمائية لاحقاً إن التصريح صدر بعد مراجعات وتعديلات متكررة، وبعد تعهد المنتج بالالتزام بمتطلباتها.

لعب الحرس الثوري الإسلامي، المدرج على قوائم الإرهاب الأميركية، والذي ترتبط به تسنيم، دوراً محورياً في قمع المعارضة الداخلية، بما في ذلك الاحتجاجات، فيما تعمل وكالة “مهر” ضمن المؤسسة الثقافية المتحالفة مع النظام في الجمهورية الإسلامية.

وليس من المستغرب، إذن، أن تعكس الردود الانتقادية لهذه الوسائل الإعلامية النظام السياسي نفسه الذي حاول صناع الأفلام التحايل على قيوده.

وكانت هناك أيضاً تداعيات داخل الجهاز البيروقراطي. فقد أُعفي مسؤول عن الإشراف على الأفلام من منصبه مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى المنظمة السينمائية. وربطت تقارير إيرانية توقيت الإعفاء بالجدل المحيط بـ”البيت المراقِب”، رغم عدم صدور إعلان رسمي يربط إقالة المسؤول بالفيلم.

الجميع يلوم الجميع

لكن الجدل سرعان ما تجاوز “البيت المراقِب”.

فقد اتهمت وسائل الإعلام الموالية للدولة، والمحافظة، قرائي بالخداع. ووصفت صحيفة “سوره”، وهي مطبوعة ثقافية مرتبطة بالمؤسسة الثقافية التابعة للجمهورية الإسلامية، ما حدث بأنه خيانة للأشخاص الذين ساعدوا الفيلم على الحصول على التصريح.

ثم ظهر اتهام أقدم : سينماي جشنواره، أو “سينما المهرجانات”. ولاحق هذا المصطلح صناع الأفلام الإيرانيين لعقود.

وبأبسط صياغاته، يقول الاتهام إن بعض المخرجين لا يصنعون أفلامهم للإيرانيين، وإنما للمهرجانات الأجنبية، سعياً إلى الحصول على جوائز من خلال تقديم صورة الفقر والقمع والبؤس التي يتوقع الجمهور الغربي رؤيتها في إيران.

وكان عباس كيارستمي، أحد أشهر المخرجين الإيرانيين وأكثرهم تقديراً، بين أبرز المستهدفين هذا الاتهام.

وخلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كان المنتقدون يشتكون من الأفلام الإيرانية التي تمتلئ بالأطفال والقرى والعائلات الفقيرة. وفي وقت لاحق، أخذت الموضوعات تتناول بصورة متزايدة حقوق المرأة والقمع السياسي والصراعات الاجتماعية.

والاتهام بسيط: اجعل الأجانب يرون إيران بائسة بما يكفي، وانتظر الجائزة.

لكن إثبات ذلك أصعب بكثير.

فقد فاز كيارستمي بسعفة «كان» الذهبية عن فيلم “طعم الكرز” ، الذي يتناول رجلاً يخطط للانتحار. لكن أصغر فرهادي فاز لاحقاً بجائزتي أوسكار و أوسكار أخريين عن أفلام تركز، بدلاً من ذلك، على الأسرة والطبقة الاجتماعية والزواج والخيارات الأخلاقية. ولم تكن هناك يوماً وصفة واحدة بسيطة للنجاح الإيراني في الخارج.

ومع ذلك، يصعب رفض حجة “سينما المهرجانات” جملةً وتفصيلاً.

فالمهرجانات الدولية لا تكتفي بعرض الأفلام، بل تختارها، وتصنع لها السمعة، وتساعد في تحديد القصص الإيرانية التي تصل إلى الجمهور الدولي.

فهل يؤثر ذلك في السينما الإيرانية عندما تكافئ المهرجانات، بصورة متكررة، النوع نفسه من الأفلام الإيرانية؟

فيلم “ قليل من الضوء “، وهو الفيلم الإيراني الآخر الذي عُرض في البندقية، يدخل بدوره إلى هذا النقاش. فبطل الفيلم أيضاً رجل يخطط للانتحار، ما يجعل المقارنة مع “طعم الكرز” أمراً شبه حتمي. وقد أجرى نقاد في البندقية المقارنة نفسها.

وقال عسكري للصحفيين في البندقية يوم الجمعة: “في بلدنا، كل شيء تقريباً نفعله يتحول إلى فعل سياسي. وأحياناً حتى مجرد الوصول إلى الإنترنت يصبح فعلاً سياسياً”.

ووصف السينما بأنها وسيلة لمقاومة نظام يحاول السيطرة على حياة الناس. لكنه تحدث أيضاً عن أمور أكثر اعتيادية: أشخاص يتسوقون، وأطفال يلعبون، والحياة اليومية تستمر بينما تتكشف المأساة.

وقال: “الحياة والمأساة تحدثان في الوقت نفسه”.

وأعادت الأفلام الإيرانية المشاركة في البندقية إشعال وابل مألوف من تبادل الاتهامات. فصناع الأفلام يحمّلون الرقابة مسؤولية جعل الخداع أمراً ضرورياً. ووسائل الإعلام الرسمية تلقي اللوم على صناع الأفلام بسبب إساءة استخدام التصاريح والتعهدات.

وتلقي المؤسسات الثقافية المتشددة باللوم على المهرجانات الغربية لأنها تكافئ صورة معينة عن إيران. وفي الوقت نفسه، يحتاج صناع الأفلام إلى هذه المهرجانات نفسها، لأن الأفلام التي تصطدم بالقيود داخل البلاد يمكن أن تجد جمهوراً وقيمة في الخارج.

ولا تثبت جائزة مرزبان الاتهام القديم المتعلق بـ”سينما المهرجانات”، لكن من الصعب تجاهل حقيقة أن الممثلة التي أسهم ظهورها من دون غطاء للرأس في إثارة الجدل حول الفيلم داخل إيران هي نفسها التي كافأتها البندقية.

وعند تسلمها الجائزة، أهدتها مرزبان إلى نساء إيران، قائلة إنهن دفعن الثمن الأكبر حتى مقابل أصغر أشكال الحرية، مع استمرارهن في السعي وراء أحلامهن.

وكان للفيلمين الإيرانيين في البندقية رابط آخر: المنتج الإيراني نفسه.

فميلاد خسروي وشركته “سفن سبرينغز بيكتشرز” مدرجان كمنتجين لفيلمي “البيت المراقِب” و”قليل من الضوء”.

ويصنّف مهرجان البندقية “البيت المراقِب” كإنتاج مشترك بين إيران والولايات المتحدة وألمانيا، فيما يشارك في إنتاج “قليل من الضوء” كل من إيران وسويسرا وإيطاليا وكندا وتركيا.

وهكذا، فإن السينما الإيرانية ليست ببساطة واحدة داخل إيران وأخرى خارجها. فالنسختان تتداخلان.

وقد يكون “البيت المراقِب” أوضح مثال على ذلك. فهو لم يرفض النظام الرسمي، بل لجأ إليه، وحصل على تصريحه، ثم، وفقاً لرواية مخرجه نفسه، خدعه. وبعد ذلك وصل إلى البندقية، حيث فازت الممثلة التي كانت محور الجدل بإحدى جوائز التمثيل الرسمية في المهرجان.

لعقود، كان من الممكن وصف السينما الإيرانية بأنها ذات نسخة رسمية وأخرى سرية. لكن البندقية أظهرت هذا العام إلى أي مدى أصبحت النسختان متداخلتين. فالمخرجون والممثلون والمنتجون أنفسهم يمكن أن يتحركوا بين العالمين. وقد يكون الفيلم إيرانياً، وممولاً دولياً، وحاصلاً على تصريح رسمي، ومع ذلك يظل غير مقبول لدى النظام الذي منحه التصريح.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا