نعيش في حقبة حاسمة للغاية، تشرف فيها الأنظمة القديمة والموحدة للمعرفة المهيمنة، على نهايتها السريعة، وهي تلك الأنظمة القائمة على السيطرة الاستعمارية لطبقة صغيرة من الناس على بقية العلوم الإنسانية؛ لتبرز -في المقابل- طرق جديدة للمعرفة، ومعها سبل جديدة للكينونة والتفكير.
وقد أنتج العصر الكلاسيكي للهيمنة الاستعمارية الأوروبية على العالم، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، نظاما معرفيا موازيا أطلقوا عليه اسم "الاستشراق".
وحتى عندما بلغت تلك الحالة الخاصة من الهيمنة الاستعمارية نهايتها، استمرت بنيتها المعرفية الوهمية لإنتاج المعرفة على قدم وساق. إذ لا يُترجم انهيار النظام السياسي للهيمنة الاستعمارية، على الفور، إلى انهيار لنمط المعرفة الذي رافقه. ولذا، يجب أن تستمر عملية إنهاء استعمار المعرفة بخطى حثيثة.
وقد مثّل نشر كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق" (1978) علامة بارزة في عصرنا ما بعد الاستعماري؛ حيث أُخضع نمط إنتاج المعرفة الاستعماري لنقد سردي صارم. وتجذر نقد سعيد للاستشراق في كشفه للأسباب والعواقب الاستعمارية لنمط من المعرفة حول شرق متخيل مثّل النطاق الحقيقي للهيمنة الاستعمارية الأوروبية.
فلم يكن هناك، ولا يوجد أصلا، شيء اسمه "الشرق"؛ بل ابتكره العلماء والأدباء الاستعماريون الأوروبيون لامتلاك المنطقة وحكمها. وسرعان ما بدأ المصريون، أو الهنود، أو الإيرانيون، أو الصينيون في تسمية أنفسهم بـ"الشرقيين"، وهو بالضبط اللقب الذي أطلقه عليهم غُزاتهم الاستعماريون! فماذا كانت ستكون طرقنا في معرفة أنفسنا، ومعرفة العالم من حولنا، قبل أن يأتي المستشرقون الأوروبيون لاختراعنا خدمةً لأغراضهم الشائنة؟
وحتى قبل نشر كتاب " الاستشراق" لإدوارد سعيد، كان من الشائع بين المفكرين النقديين العرب والمسلمين وغيرهم في آسيا وأفريقيا، أن الأوروبيين قد أنتجوا نوعا من الاستشراق تزامن مع ذروة الاستعمار الأوروبي؛ أي إنهم أنتجوا هدف هيمنتهم الخاصة، متجاوزين أنماط المعرفة القائمة عن العرب والمسلمين والآسيويين والأفارقة وغيرهم، وذلك قبل وقت طويل من بدء الأوروبيين في تصنيع نوع من الشرق القابل للمعرفة، والذي يخدم أغراضهم الاستعمارية.
ولا يوجد شيء يسمى بالمعرفة المجردة من الغرض؛ فكل معرفة تعمل في خدمة نمط مهيمن من السلطة، كما فصل ذلك ميشيل فوكو في عمله، أو تُطلق لمقاومتها، كما أكدت أعمال المفكرين النقديين من غرامشي إلى فانون وصولا إلى سعيد. وقد استخدم فوكو مصطلح "الحكوماتية" لتحديد العلاقة بين نظام السلطة الحاكم وأنماط المعرفة المهيمنة التي تخدم واجهته الأيديولوجية.
نحتاج إلى استئناف المبادرة السردية والتحول المعرفي الذي انطلق في سياق الربيع العربي 2010-2012، والابتعاد مرة أخرى عن التفكير الرجعي والردود التفاعلية تجاه الصهيونية الإبادية والإمبريالية الأمريكية المختلة، والتوجه، بدلا من ذلك، نحو تفكير استباقي بمصطلحات تفضي إلى تغيير الخطاب المهيمن
ما بعد سعيد
ولم يكن سعيد هو الوحيد، أو حتى الأول، الذي كشف من خلال دراسته الأيقونية عن الجذور الاستعمارية لنمط إنتاج المعرفة المهيمن خلال عصر الاستعمار الكلاسيكي، ولكنه كان المفكر النقدي الأكثر فاعلية وتأثيرا وقبولا على نطاق واسع في عصره ضمن هذا المجال والمجالات ذات الصلة.
وقبل سعيد، أوضح عالم السياسة المصري أنور عبد الملك، وعلماء الأنثروبولوجيا البارزون كطلال أسد وبرنارد كوهين، الجذور الاستعمارية لإنتاج المعرفة في مجالات تخصصهم. ونجلس اليوم على أرشيف غني وقوي من التفكير النقدي الذي يفكك العلاقة بين المعرفة والسلطة.
وفي الآونة الأخيرة، وسعتُ هذه الحجة في أعمالي الخاصة باتجاهات تاريخية ومعاصرة؛ ففي كتابي " عشق فارس: الثقافة الفارسية على المسرح العالمي" (2015)، وسعتُ مجال الاستشراق ضمن مصفوفة تاريخية تتتبع أصل ووجهة المعرفة الكلاسيكية والمعاصرة حول بلاد فارس (إيران) وصولا إلى نموذج دائري يتبع نمط حركة رأس المال والدورات الثقافية. كما ركزتُ في عمل سابق ذي صلة بعنوان " ما بعد الاستشراق: المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب" (2009)، على التطور المعاصر لمجال دراسات المناطق كساحة تلت الاستشراق، بفضل الديناميكيات المتغيرة لرأس المال غير المتبلور.
وسعيتُ في كلتا الحالتين إلى إضفاء الطابع التاريخي على فكرة الاستشراق؛ أحدهما يتعلق بالتطور الزمني، والآخر بالارتباط المكاني بين الثقافة ورأس المال.
وجادلتُ في عمل آخر ذي صلة، وهو "الربيع العربي: نهاية ما بعد الاستعمار" (2011)، بأن تلك الانتفاضات الثورية في جميع أنحاء غرب آسيا وشمال أفريقيا كانت شكلا من أشكال "التحدي المؤجل" ضد الطغاة المحليين وهياكل السلطة العالمية، مما يمثل النهاية التاريخية لحقبة ما بعد الاستعمار.
وتوقفتُ، هناك وحينها، عند شعار رئيسي للربيع العربي وهو: "الشعب يريد إسقاط النظام"؛ مجادلا بأن هذا النظام لم يكن مجرد هيكل سياسي للهيمنة، بل ألمح أيضا إلى نظام المعرفة الذي حافظ على تلك السلطة. وكان جوهر الحجة، ولا يزال، هو أننا بحاجة إلى نمط مختلف من المعرفة والكينونة يتوافق مع التطلعات الديمقراطية للأمم.
ولم يعد لما يسمى بـ"الحرب على الإرهاب" أي ارتباط بالعالم بعدما أمر الرئيس الأمريكي باراك أوباما باغتيال أسامة بن لادن في 2 مايو/ أيار 2011؛ لأن أحداث الربيع العربي بين عامي 2010 و2012 قد غيرت تماما شروط الانخراط مع تاريخنا الاجتماعي. وفي تلك المرحلة، تجاهل الصهاينة مرتكبو الإبادة الجماعية المتجمعون في المستعمرة الاستيطانية الإسرائيلية انتفاضات الربيع العربي تماما.
وبدؤوا يهيمنون على الأخبار ويشتتون الانتباه عن زخم الربيع العربي بحلول الوقت الذي شنوا فيه ما أسموه "عملية عمود السحاب" في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 باستهداف غزة. وبحلول وقت احتجاجات حدود غزة لعامي 2018-2019، كان زخم الربيع العربي وديناميكياته المتغيرة نحو أشكال جديدة من المعرفة قد انتقل للعمل تحت الرادار العالمي. ومع ذلك، لم يتوقف ذلك الزخم قط عن إحداث تغييرات معرفية كبيرة في الطريقة التي نرى بها العالم.
من آسيا وأفريقيا إلى أوروبا والأمريكتين، تندلع انتفاضة أخلاقية وفكرية جماعية تنهي استعمار نظام المعرفة المهيمن الذي استعبد أجيالا من المفكرين حول العالم
ومنذ بداية الربيع العربي في أوائل العقد الماضي، جادلتُ بأننا في خضم نظام متغير للمعرفة، تثور فيه أمة ما بعد الاستعمار ضد دولة ما بعد الاستعمار، وتُفضح فيه حقيقة إسرائيل كحالة مرضية لدولة شمولية (بلا أمة) وعنف خالص (بلا مبرر). لقد شكلت إسرائيل وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجهين لعملة واحدة؛ ولحسن الحظ، فشل تنظيم الدولة الإسلامية في الهيمنة على العالم العربي والإسلامي بإرهابه. غير أن إسرائيل تواصل اليوم، بمساعدة وتحريض من أوروبا والولايات المتحدة، قتل الفلسطينيين وترويع العالم بأسره. ويجب علينا تحدي تلك الهيمنة الشيطانية وخطاب الدعاية "الهاسبارا" الذي يسعى إلى تبريرها وتطبيعها.
واليوم، نحتاج إلى استئناف المبادرة السردية والتحول المعرفي الذي انطلق في سياق الربيع العربي 2010-2012، والابتعاد مرة أخرى عن التفكير الرجعي والردود التفاعلية تجاه الصهيونية الإبادية والإمبريالية الأمريكية المختلة، والتوجه، بدلا من ذلك، نحو تفكير استباقي بمصطلحات تفضي إلى تغيير الخطاب المهيمن الذي فرضته البلطجة العسكرية الإسرائيلية. فقد جعلت تكنولوجيا العصر الرقمي من الممكن معارضة وإنهاء نظام المعرفة المهيمن الذي تولده وتديمه وسائل الإعلام الحكومية مثل (بي بي سي) ووسائل إعلام الشركات مثل ( نيويورك تايمز).
وفي كتابه الرائد " تصفية استعمار العقل" الصادر عام 1986، فصل المفكر الكيني الراحل ن غوغي وا ثيونغو (1938-2025) كيف حدد التفكير الاستعماري، لأجيال عدة، شروط التفكير النقدي حول العالم. وحلل ببراعة كيف أن الاستعمار لم يعمل فقط من خلال الهيمنة الاقتصادية والسياسية، بل وبشكل أكثر فظاعة، من خلال شروط فهمنا للعالم. وقد ركز على مركزية اللغة والذاكرة في كل من الحفاظ على الهيمنة السائدة وتقويضها.
وتُعد عملية تصفية استعمار العقل والتفكير النقدي اليوم مشروعا ضخما عابرا للقارات، لعب فيه فلاسفة أمريكا اللاتينية البارزون، مثل والتر مينيولو أو الراحل إنريكي دوسيل، أو الفلاسفة الأفارقة مثل في. واي. موديمبي، أدوارا محورية.
ومن آسيا وأفريقيا إلى أوروبا والأمريكتين، تندلع انتفاضة أخلاقية وفكرية جماعية تنهي استعمار نظام المعرفة المهيمن الذي استعبد أجيالا من المفكرين حول العالم. ولم تكن وسائل الإعلام التابعة للحكومات والشركات، التي تخدم أيديولوجية العنصرية والتعصب، والتي تجرد الأغلبية الساحقة من سكان هذه الأرض الهشة من إنسانيتهم، محاصرة وفاقدة لمصداقيتها في أي وقت مضى كما هي اليوم.
ويجب علينا أن نبقيهم في موقف دفاعي وألا نفترض أبدا أنهم مهيمنون؛ فهم ليسوا كذلك، بل يقرؤون العالم ويكتبونه من خلف آلات القتل الإسرائيلية والأمريكية. وسينتصر التفكير النقدي والإبداعي في الفنون والعلوم على القوة الخبيثة للذكاء الاصطناعي، الذي تتم هندسته الآن لإرباك إنسانيتنا والتغلب عليها.
وبينما تسعى الخيالات الاستعمارية والإمبريالية للسيطرة على العالم، فإننا نمتلك فرصة قوية للقتال بثقة لا تتزعزع في قوة العلوم الإنسانية المتحدية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة