لا يكاد يمر يوم تقريبا في مصر دون أن تتصدر عناوين الأخبار أو منصات التواصل الاجتماعي أنباء عن حادث سير جديد يحصد أرواح أبرياء في مشهد بات يُعرف بـ"نزيف الأسفلت" الذي لا يتوقف في أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان.
وفي أحدث هذه المآسي، تحول إلى ما يشبه مأتم؛ إذ لقي العريس وهو شاب مصرعه بعدما انقلبت سيارته لتسقط في إحدى الترع بمحافظات دلتا النيل .
وأعاد الحادث وغيره من وقائع متكررة إلى الأذهان سلسلة طويلة من الكوارث المرورية التي تتكرر في مختلف المحافظات المصرية وسط تساؤلات متجددة حول أسباب استمرارها.
ويرى الدكتور أسامة عقيل، أستاذ الطرق والنقل بكلية الهندسة بجامعة عين شمس ، أن أسباب تكرار هذه الحوادث تعود إلى عوامل عديدة.
وفي مقابلة مع DW عربية، قال إن "ضعف الرقابة" على الطرق يعد من أبرز العوامل المؤدية إلى تكرار الحوادث. وأشار إلى أن غياب الرقابة الكافية يخلق بيئة تسمح بارتفاع احتمالات وقوع الحوادث، مؤكدا أن منظومة النقل لا يمكن أن تعمل بكفاءة في ظل "العشوائية".
وشدد على أن "العشوائية مفهوم واسع يندرج تحته عدد كبير من الأسباب والعوامل ولا يرتبط بالإنسان وحده، بل يشمل المركبة والطريق والبيئة المحيطة".
وعلى الرغم من تأكيد مسؤولين في مناسبات عديدة أن العامل البشري هو السبب الرئيسي وراء معظم الحوادث، مستندين إلى ما تنفذه الدولة من استثمارات ضخمة لتطوير شبكة الطرق والسكك الحديدية، فإن الدكتور عقيل يرفض اختزال المشكلة في هذا العامل وحده.
ويؤكد أن "العنصر البشري لا يمكن اعتباره سببا مستقلا للحوادث إلا في حالات استثنائية نادرة يكون فيها السلوك متعمدا".
رغم تحميل لمسؤولين العامل البشري مسؤولية معظم الحوادث، يرى الدكتور أسامة عقيل أن المشكلة أوسع من ذلك وتتعلق بمنظومة النقل بأكملها.صورة من: Tamer Soliman/Pond5 Images/IMAGO
وزاد عدد قتلى حوادث الطرق إلى 5829 شخصا في عام 2025، مقابل 5260 شخصا في عام 2024.
كما أظهرت البيانات أن عدد المصابين في حوادث الطرق بلغ 84 ألفا و553 مصابا في عام 2025، مقابل 76 ألفا و362 مصابا في عام 2024، بنسبة زيادة بلغت 10.7 بالمئة.
وفي منتصف الشهر الجاري، تصدرت كلمة "الدواويس" وهو طريق بمحافظة الإسماعيلية، منصات التواصل الاجتماعي بعد أن شهد حادث تصادم بين سيارتي "ربع نقل" كانتا تقلان عمالة، ما أسفر عن مصرع 18 شخصا وإصابة أكثر من 30 آخرين.
من جانبه، يوضح الدكتور حسن مهدي، أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس، أن العنصر البشري يظل "مسؤولا عن نحو 67% من الحوادث، نتيجة سلوكيات القيادة الخاطئة والممارسات غير الآمنة".
وأضاف في مقابلة مع DW عربية أن "العامل الاقتصادي يأتي في المرتبة التالية، إذ يدفع البعض إلى استخدام مركبات مخصصة لنقل البضائع في نقل الركاب والعمال، رغم ما يشكله ذلك من مخاطر جسيمة".
ولعل ما يلفت الانتباه في فاجعة الإسماعيلية أن المركبات المتورطة كانت من نوع الشاحنات الصغيرة "ربع نقل"، وهي وسيلة يلجأ إليها كثير من أصحاب الأعمال لنقل العمال والعاملات، رغم افتقارها إلى أبسط معايير السلامة.
وعقب الحادثة، شدد محافظ الإسماعيلية على "الحظر التام" لنقل العمال على متن سيارات النقل المكشوفة.
في منتصف يونيو/حزيران الماضي، استيقظ المصريون على مأساة مؤلمة عُرفت باسم حادثة "بائعة الشاي"، بعدما لقيت فتاة مصرعها أثناء عملها في بيع المشروبات الساخنة للمارة على أحد الطرق الشهيرة المجاورة لمنطقة أهرامات الجيزة .
وزادت الواقعة من حالة الصدمة والغضب، بعدما وثق مقاطع مصورة لواقع حادث دهس الضحية بسيارة كان يقودها قاصر برفقة صديقته.
وبسحب بيان الداخلية المصرية، فقد السائق السيطرة على عجلة القيادة نتيجة القيادة المتهورة، لتنحرف السيارة وتصطدم بالفتاة في مشهد مأساوي هز الرأي العام.
وأشعلت الحادثة موجة واسعة من التفاعل والغضب على منصات التواصل الاجتماعي، وسط مطالبات تطبيق القانون بحزم.
وفي هذا السياق، شدد أستاذ الطرق والنقل بجامعة عين شمس، الدكتور حسن مهدي، على أهمية "التطبيق السريع والحاسم للقانون لتحقيق الردع المروري"، مؤكدا ضرورة تشديد إجراءات "استخراج رخص القيادة والتحقق من كفاءة السائقين".
وتعكس أرقام المخالفات المرورية حجم التحديات التي تواجه منظومة السلامة على الطرق في مصر. فخلال النصف الأول من العام الماضي، سُجلت أكثر من 18 مليون مخالفة مرورية ، تصدرتها مخالفات تجاوز السرعة التي مثلت نحو 48% من إجمالي المخالفات.
ضخت الحكومة المصرية استثمارات ضخمة في "المشروع القومي للطرق"، أحد أكبر مشروعات البنية التحتية في البلاد، بهدف إنشاء شبكة حديثة من الطرق والكباري.صورة من: Tamer Soliman/Depositphotos/IMAGOأما الحكومة المصرية، فقد ضخت على مدار العقد الماضي استثمارات ضخمة فيما عُرف بـ"المشروع القومي للطرق"، وهو أحد أكبر مشروعات البنية التحتية في البلاد بهدف إنشاء شبكة حديثة من الطرق والكباري تربط مختلف المحافظات.
ولم يقتصر الأمر على التوسع في إنشاء الطرق الجديدة، بل شمل أيضا تطوير ورفع كفاءة الشبكة القائمة حيث جرى تحديث نحو 8400 كيلومتر من الطرق الرئيسية بتكلفة بلغت 110 مليارات جنيه من إجمالي 10 آلاف كيلومتر تستهدف الدولة تطويرها.
وتؤكد الحكومة أن هذه الاستثمارات بدأت تؤتي ثمارها على صعيد السلامة المرورية. فبحسب تقرير لرئاسة الوزراء، ساهمت مشروعات الطرق في خفض معدلات الوفيات الناجمة عن حوادث السيارات خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، قال الدكتور أسامة عقيل إنه "عندما توفر الدولة إنارة جيدة وتحسن مستوى الرؤية وتحد من مصادر التشتيت، فإنها تقلل من احتمالات وقوع الحوادث".
وأضاف أن "إحدى الدراسات في مصر أظهرت أن نحو 50% من الحوادث يكون أحد أطرافها شاحنة. وإن إنشاء مسارات أو طرق مخصصة للشاحنات وعزلها عن المركبات الصغيرة يمكن أن يقلل احتمالات وقوع الحوادث بشكل كبير".
وأكد أن "السؤال الحقيقي ليس مفاده هل أخطأ السائق فقط؟ وإنما هل توجد أيضا مسؤولية تقع على الجهات المسؤولة عن تخطيط وإدارة الطرق؟"
تحرير:
المصدر:
DW