في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
التزمت الحكومة المغربية الصمت لفترة طويلة، حيث لم يتم الإدلاء بأي تصريح حتى الأحد الماضي (الثاني من أغسطس/آب 2026)، حين أدلى رشيد الخلفي المتحدث باسم وزارة الداخلية المغربية بتصريح حول تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين إلى جيب سبتة .
وألقى رشيد الخلفي باللوم على سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والمعلومات المضللة وتفسيرات خاطئة لحكم المحكمة العليا الإسبانية. وفي الوقت نفسه، أكدت الرباط لإسبانيا تعاونها الكامل، موضحة أن المملكة المغربية لم تكن ترغب في وقوع تلك الأحداث.
أما في إسبانيا ، فقد أثيرت مبكرا شكوك حول دور المغرب. ووصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ما حدث بأنه "هجوم على سيادتنا الإقليمية".
وأظهرت مقاطع فيديو قوات أمن مغربية لم توقف التدفق الجماعي للمهاجرين. وفي الوقت نفسه، قدمت تفسيرات عديدة بدءا من التقارب الأخير بين إسبانيا والجزائر ووصولا إلى تكهنات بخصوص تأثير أمريكي. بيد أنه لا توجد حتى الآن أي أدلة موثوقة تدعم هذا الاحتمال.
ويدعو أكاديميان من ألمانيا أجرت معهما DW مقابلة إلى التريث، إذ يتفقان على أن التفسيرات البسيطة غير كافية، لكنهما يختلفان في تقييم مسؤولية المغرب.
وقالت إيزابيل فيرنفلز، الخبيرة بشؤون المغرب العربي في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، "أعتقد أننا اليوم أمام وضع مختلف تماما عما كان عليه في عام 2021. ففي ذلك الوقت، كان للمغرب مصلحة سياسية خارجية واضحة في ممارسة الضغط على إسبانيا بسبب النزاع حول الصحراء الغربية ."
وتواصل "أما اليوم ففي حال تنظيم حركة هجرة بشكل متعمد، ستخسر الرباط الكثير خاصة مصداقيتها الدولية والاستثمارات".
أيضا، يُحذر الباحث في شؤون الهجرة يوخن أولتمر من جامعة أوسنابروك، من القفز إلى استنتاجات متسرعة. وقال في مقابلة مع DW، إنه "يجب أن ندرك أن هناك مصالح متعددة ومتباينة تتقاطع هنا".
ويرى الباحث أن الوضع الخاص لسبتة كجيب أوروبي على الأراضي الإفريقية، وحركات الهجرة الممتدة لعقود، ووسائل التواصل الاجتماعي، وآمال كثير من الناس في حياة أفضل، كلها تشكل خلفية هذه الأحداث.
وفيما تُشير إيزابيل فيرنفلز إلى التكاليف السياسية المحتملة على الرباط ، يُبدى يوخن أولتمر موقفا أكثر حدة بشأن مسؤولية السلطات المغربية.
وقال في هذا الشأن :"لم يكن من الممكن أن يحدث عبور حدود بهذا الحجم لو لم تتجاهله السلطات المغربية على الأقل بشكل نشط". وأضاف أنه دون هذا السلوك، كان من الصعب تصور حدوث عبور حدودي بهذا الحجم.
أما إيزابيل فيرنفلز فلا تعترض على هذا الرأي تماما، بل ترى أيضا أن المغرب قد أراد إرسال "إشارة سياسية" ربما على خلفية التقارب الأخير بين إسبانيا والجزائر، وقرار منح الجنسية الإسبانية لجميع المولودين قبل سبتمبر/أيلول 1977 في الصحراء الغربية.
إلا أن الباحثة تؤكد أن :"هناك فرقا كبيرا بين إرسال إشارة سياسية وتنظيم حركة هجرة بهذا الحجم". وترى أيضا أن التخطيط لمثل هذا سيناريو "أمر غير مرجح. لكنه ليس مستبعدا"، مشيرة إلى أن المعلومات المتوفرة لا تزال غير واضحة.
في المقابل، يذهب يوخن أولتمر إلى أن المغرب منذ سنوات، يعتبر نفسه شريكا لا غنى عنه لأوروبا في مجال الهجرة، ويؤكد مرارا مدى اعتماد الاتحاد الأوروبي على تعاونه. كما تلعب قضية الصحراء الغربية والتنافس مع الجزائر دورا هاما.
لذلك، يقول يوخن أولتمر، الباحث في شؤون الهجرة، "لا استطيع تخيل أن هذه الأحداث وقعت دون وجود مصلحة محددة لدى الجانب المغربي".
بيد أن إيزابيل فيرنفلز الخبيرة بشؤون المغرب العربي في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية تدعو إلى تحليل أكثر توازنا. وتُرجح أن المغرب ربما أراد توجيه "رسالة"، لكنها ربما قد "خرجت عن السيطرة".
وترى الخبيرة أنه من الصعب تخيل أن المغرب "مستعد لتحمل توتر طويل الأمد" مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي، لا سيما تنظيمه المشترك لكأس العالم المقبلة مع إسبانيا والبرتغال في عام 2030 فضلا عن اعتماده الكبير على الغاز الإسباني.
ففي عام 2025، ذهب ربع صادرات الغاز الإسبانية إلى المغرب .
وتابعت فيرنفلز أنه حتى لو أراد المغرب إرسال "إشارة"، فهذا لا يعني بالضرورة أنه "نظم حركة هجرة بهذا الحجم بشكل متعمد، حيث إن المخاطر السياسية والاقتصادية في هذه الحالة ستكون كبيرة للغاية".
ويرى الخبيران أنه لا توجد أدلة على "تورط" دول أخرى في الأحداث. ومع ذلك، تقول فيرنفلز إنه من الممكن أن تكون "حكومات أو جهات سياسية" قد استغلت الوضع دعائيا لتعزيز مصالحها.
وبحسب تقييمها، لا يزال سبب تطور الوضع بهذه السرعة غير الواضح. وتشير بعض المعطيات إلى أن خبر فتح الحدود انتشر بسرعة كبيرة، ما دفع العديد من الشباب المغاربة إلى التوجه نحو سبتة بشكل عفوي. ومن المحتمل أيضا أن بعض أفراد الأمن لم يتدخلوا في مواجهة هذا الوضع ربما بسبب تسارع الأحداث، لكن لا توجد أدلة قاطعة على ذلك.
أما بخصوص الأسباب الحقيقية للهجرة، فتوصل الخبيران إلى حد كبير للغاية إلى استنتاجات متقاربة.
وفي ذلك، قال أولتمر إن "الأمر يتعلق بالأمل وتوقعات المستقبل"، مضيفا أن المغرب بلد هجرة منذ عقود، حيث تُسهل روابط عائلية واجتماعية في القارة الأوروبية على الكثيرين الإقدام على خطوة المغادرة.
فيما تتحدث فيرنفلز عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية، إذ ترى أن التقدم الذي حققه المغرب في السنوات الأخيرة "لم يستفد منه" كثير من الشباب، خاصة في مجالي التعليم والصحة حيث لا تزال هناك مشاكل كبيرة. وأضافت أن "غياب الفرص يُعد سببا رئيسيا يدفع الكثيرين إلى المخاطرة".
ورغم اختلاف تقييمهما لدور المغرب في هذه الحالة، يتفق الخبيران على نقطة أساسية إلا وهي أنه لا يمكن تفسير اقتحام حدود سبتة "بقرار سياسي واحد أو بنظرية مؤامرة واحدة"، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين التوترات الجيوسياسية، والمصالح المرتبطة بالهجرة، والظروف المعيشية الصعبة التي تدفع العديد من الشباب إلى البحث عن مستقبل أفضل.
أعده: ر.م
تحرير: محمد فرحان
المصدر:
DW