منذ أسابيع، إن لم يكن أشهرا، يخوض مديرو وسائل الإعلام الإسرائيلية معركة خاسرة في مواجهة تدهور سمعتها أمام الرأي العام العالمي.
فكل دورة إخبارية تجلب معها قصة رعب أخرى عن حملات الإرهاب المستمرة التي تشنها إسرائيل والقتل الجماعي للفلسطينيين.
وسواء كان ذلك تقريرا آخر عن قناص إسرائيلي يقتل فلسطينيا، أو خبرا جديدا عن التعذيب الجنسي للسجناء في زنازين إسرائيل، فإن سجل الفظائع اليومي يبدو لا هوادة فيه.
كان إصدار أحدث تقرير موجز عن جرائم إسرائيل في 23 يونيو/حزيران الجاري لطمة قاسية للدولة، فقد خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن إسرائيل "دمرت جوهر الطفولة" بالنسبة للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والأراضي المحتلة.
وقد حددت لجنة الأمم المتحدة حملة منهجية تستهدف الأطفال لتدمير مستقبل الفلسطينيين، ووصفتها بأنها إبادة جماعية.
كان إصدار أحدث تقرير موجز عن جرائم إسرائيل في 23 يونيو/حزيران الجاري لطمة قاسية للدولة، فقد خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن إسرائيل "دمرت جوهر الطفولة" بالنسبة للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والأراضي المحتلة
وسرعان ما انتشر مقطع الفيديو الخاص بالمؤتمر الصحفي الذي أعلن عن النتائج عبر الإنترنت، ونقلته وسائل إعلام دولية ومستقلة، ومنظمات حقوق الإنسان، بل ووصل حتى إلى صفحات نيويورك تايمز.
بدأ تقرير فيديو لـ"دابل داون نيوز" (DDN) حول التحقيق بعرض المخرج البريطاني ريتشارد ساندرز لثلاثٍ من الجرائم التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية.
يتحدث أحدها عن رضيع أصيب بطلق ناري في الرأس، بينما كان يرضع في حضن أمه، ثم عن صبي يبلغ من العمر 16 عاما تم تشويه جسده بواسطة دبابة إسرائيلية، وآخر عن مراهقين أطلق عليهم النار عمدا من قبل جنود إسرائيليين في لعبة "التدريب على الرماية".
تنتشر الأدلة الدامغة عبر المنصات الإلكترونية، حيث يمكن رؤية جنود إسرائيليين يعترفون بصراحة بأن قتل الأطفال في غزة ولبنان أمر جيد.
ويجلس الفلسطينيون المتحسرون في الضفة الغربية على الهامش باكين، بينما تقوم قوات الاحتلال بهدم منزل آخر. بيد أن فرانشيسكا ألبانيزي ترفض الصمت حتى في مواجهة العقوبات، كما أصدرت مؤخرا كنيسة إنجلترا قرارا يصف إسرائيل بأنها "كيان استعماري واستيطاني وإقصائي".
تنتشر صور مروعة للدكتور حسام أبو صافية عبر فضاءات الإنترنت، تظهر الرجل على شفا الموت بعد تعرضه للتعذيب والضرب بالهراوات والحبس الانفرادي.
وقد كثف محامو حقوق الإنسان جهودهم لإطلاق سراحه، وحظيت الحملة الرامية إلى إجبار إسرائيل على الإفراج عنه باهتمام عالمي عندما رفع نشطاء علما فلسطينيا ضخما فوق جسر البرج في لندن.
كل صورة وتقرير ووثيقة وشهادة متداولة، سواء كانت حديثة أو معادا تدويرها، تزيد من صعوبة إخفاء إسرائيل جرائمها، وفي مواجهة الإدانة العالمية، يواجه مديرو وسائل الإعلام الإسرائيلية صعوبة في التعامل مع انهيار سمعة البلاد.
وقد ضخّت إسرائيل ملايين الدولارات لإنقاذ صورتها، ففي عام 2026، خصصت ما يقرب من ثلاثة أرباع مليار دولار لإنشاء دعاية جديدة وأفضل تهدف إلى تلميع مكانتها العالمية.
كل صورة وتقرير ووثيقة وشهادة متداولة، سواء كانت حديثة أو معادا تدويرها، تزيد من صعوبة إخفاء إسرائيل جرائمها، وفي مواجهة الإدانة العالمية، يواجه مديرو وسائل الإعلام الإسرائيلية صعوبة في التعامل مع انهيار سمعة البلاد
ويمثل هذا المبلغ زيادة كبيرة عن مبلغ الـ150 مليون دولار الذي أنفق في عام 2025، والذي كان قد ارتفع إلى ما يقارب 20 ضعف الإنفاق قبل عام 2023.
وقد أوردت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" تقريرا عن التغييرات الدعائية التي يجري تنفيذها، فقد تخلوا عن تسمية التطهير العرقي بـ"الهجرة الطوعية"، أو غيرها من العبارات الملطفة التي غالبا ما تكرر في وسائل الإعلام التابعة للنظام، لكنها تعرضت منذ ذلك الحين لانتقادات شديدة، وسيطلق على التطهير العرقي الآن اسم "خطة حرية التنقل".
وتستهدف هذه المصطلحات التي تم تدويرها المعارضة الدولية لسياسات إسرائيل، وتأمل في إغراء الدول بقبول استقبال الضحايا الفلسطينيين، لكن حتى الآن، لم تبد أي دولة استعدادا للقيام بذلك.
وكما كتبت كيتلين جونستون: "إنهم لا يقولون أبدا حان الوقت للتوقف عن فعل الأشياء التي تجعل الناس يكرهوننا، بل يقولون فقط: "حان الوقت لتغيير الصورة العامة".
على الرغم من إنفاق ملايين الدولارات على "الهاسبارا"، فإن حملات العلاقات العامة الإسرائيلية تمنى بالفشل. وكما أكد المحلل رمزي بارود: "إن الضرر الذي ألحقته إسرائيل بنفسها من خلال ممارساتها الوحشية في فلسطين المحتلة يصعب التغلب عليه بسهولة".
وفي تقريره عن المؤتمر اليهودي الثاني المناهض للصهيونية الذي عقد في دبلن بأيرلندا، لاحظ بارود حدوث تحول جذري في التصورات العالمية على مدى العامين الماضيين، حيث يعبر المواطنون عن اشمئزازهم من العنف الإسرائيلي الذي يبدو بلا نهاية.
هناك مؤشرات عديدة على هذه الإدانة العالمية، فقد ارتفع عدد الدول التي تعهدت باعتقال نتنياهو إذا وطئت قدمه أراضيها إلى 15 دولة.
ودعت "مبادرة المواطنين الأوروبيين" إلى طرد إسرائيل من الأمم المتحدة، ويؤيد ذلك عدد متزايد من الدول، بما في ذلك جنوب أفريقيا وتشيلي وتركيا والسويد وبوليفيا وكولومبيا.
وقد أفاد موقع "ميدل إيست آي " بأن إسرائيل تحتل المرتبة الأدنى في "مؤشر العلامة التجارية العالمية"، مع تزايد الرفض ليس فقط للحكومة الإسرائيلية، بل لمواطنيها أيضا بسبب الحرب على غزة.
على الرغم من إنفاق ملايين الدولارات على "الهاسبارا"، فإن حملات العلاقات العامة الإسرائيلية تمنى بالفشل
وحتى مايو/أيار 2026 في الولايات المتحدة، لم يؤيد سوى 16% من الأمريكيين تقديم مساعدات غير مشروطة لإسرائيل، وفي هذا الشهر، في تحول ملاحظ في السياسة الأمريكية، صوّت أكثر من 100 نائب ديمقراطي في مجلس النواب لصالح قطع المساعدات العسكرية الأمريكية عن إسرائيل. هذا لا يكفي لوقف توريد الأسلحة، لكنه خطوة كبيرة في هذا الاتجاه.
يظهر إعلان حملة على "فيسبوك" لمرشح مجلس الشيوخ برنارد تايلور، الذي يتنافس في فلوريدا ضد صهيوني متعصب خدم في جيش الدفاع الإسرائيلي، مقطع فيديو لجندي إسرائيلي يرمي قنبلة صوتية داخل سيارة تقلّ أطفالا فلسطينيين، ويقوم بإغلاق الباب.
قضت إسرائيل عقودا تتخفى وراء مجموعات العلاقات العامة والضغط، لكن تلك الحقبة تتهاوى، فآلة الدعاية التي كانت تستخدم للتستر على جرائمهم آخذة في الانهيار، و"العنف واضح للغاية، ونظام الفصل العنصري موثق بشكل كاف، والأكاذيب مستمرة بلا توقف"، كما لاحظ أحد الكتاب.
ومن المفهوم أن يشعر من يمثلون إسرائيل بالإحباط من هذا الموقف العالمي الجديد، وفي ظل عدم وجود بدائل أمامهم سوى تغيير سياسات الإبادة الجماعية، فقد انحدروا إلى مستوى تبادل الشتائم في محاولة يائسة لتحقيق مآربهم.
ويعتمد سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، داني دانون، الآن على الترهيب والتخويف في الأمم المتحدة لـ"إسكات أي شخص يجرؤ على تحدي الرواية الإسرائيلية الرسمية". ولا شك أن هذه الإستراتيجية الجديدة ستلاقي نفس مصير الأكاذيب الأخرى التي دأبت إسرائيل على ترويجها، فهي ستقع على آذان صماء.
إسرائيل مصممة على مواصلة عمليات القتل الجماعي والتطهير العرقي في غزة، وقد وسعّت نطاق ذلك الآن ليشمل الضفة الغربية.
ولا مكان لهذه الدولة، دولة الإبادة الجماعية، ضمن أي فريق تفاوضي يعمل من أجل وقف إطلاق النار أو السلام أو إنهاء الحرب على إيران.
وبالفعل، وفي انتهاك للاتفاق الأخير الذي توسطت فيه الولايات المتحدة لانسحاب إسرائيل من لبنان، لا تزال القوات الإسرائيلية تحتل ما يقدر بشريط طوله 10 كيلومترات داخل لبنان، حيث تواصل تدمير القرى بشكل منهجي في انتهاك للاتفاق والقانون الدولي.
وقد أعرب نتنياهو صراحة عن تركيزه على القوة العسكرية والنصر الكامل، ومهما كان معنى ذلك، فهو ليس السلام مع إيران، حتى لو ادعى أنه كذلك.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة