قررت جمعية الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية ، الجمعة، إعفاء المدعي العام كريم خان من منصبه في ظل اتهامات ينفيها بالاعتداء الجنسي على موظفة في فريقه، حسبما أفادت مصادر دبلوماسية عدة وكالة "فرانس برس".
وأوضحت المصادر أن أكثر من 80 من بين 125 دولة عضوا صوّتت خلال اقتراع سري في اجتماع خاص مغلق بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، لصالح إنهاء ولاية المسؤول البريطاني الجنسية، علما أن قرار الإعفاء يتطلب 63 صوتا.
ووفق أحد المصادر، صوّتت 13 دولة فقط لصالح بقائه في منصبه.
ويُعد القرار سابقة تاريخية، إذ لم يسبق أن أُقيل أي مدعٍ عام للمحكمة الجنائية الدولية من منصبه منذ تأسيسها عام 2002.
وكان خان، البالغ من العمر 56 عاماً، قد أُوقف مؤقتاً عن ممارسة مهامه في يونيو/حزيران الماضي بانتظار نتيجة التصويت، بعد أن خلص تقرير صادر عن اللجنة التنفيذية التابعة للهيئة الرقابية للمحكمة إلى وجود "سوء سلوك خطير".
وتتعلق القضية باتهامات وجهتها موظفة كانت تعمل مساعدة مباشرة لخان، وهي محامية ماليزية، قالت في مقابلة مع شبكة "سي إن إن" إنها تعرضت لما وصفته بـ"تصاعد محاولات" انتهت باعتداء جسدي. وأضافت أن العلاقة لم تكن يمكن أن تكون توافقية بسبب فارق السلطة الكبير بين الطرفين، معتبرة أن خان لم يكن مجرد رئيس مباشر لها، بل كان المسؤول الأعلى في المحكمة بأكملها.
وينفي خان بشكل قاطع هذه الاتهامات، كما رفض النتائج التي توصلت إليها التحقيقات الداخلية، وقال محاموه في رسالة مفتوحة إن أي مخالفة لم تثبت بحقه، محذرين من أن عزله قد يشكل تهديداً لاستقلالية المدعين العامين مستقبلاً.
وكان خان قد تولى منصب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية منذ عام 2021، وخلال ولايته قاد عدداً من الملفات القضائية البارزة، أبرزها طلب إصدار مذكرات توقيف عام 2024 بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الحرب في غزة .
كما أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق عدد من قادة حركة حماس ، قبل أن يُقتل بعضهم لاحقاً، في إطار التحقيقات المرتبطة بالحرب.
وأثارت هذه القضايا جدلاً سياسياً واسعاً حول خان والمحكمة، إذ فرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقوبات على خان وعدد من مسؤولي المحكمة، رداً على إصدار مذكرات التوقيف بحق مسؤولين إسرائيليين، متهمة المحكمة باستهداف حلفاء الولايات المتحدة.
وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن إقالة خان كانت "متأخرة"، معتبراً أن مذكرات التوقيف بحق نتنياهو وغالانت كانت محاولة لصرف الانتباه عن الاتهامات المتعلقة بسوء السلوك. ودعا إلى إلغاء تلك المذكرات فوراً.
وفي المقابل، حذر خبراء ومدافعون عن المحكمة من أن الطريقة التي ستُدار بها القضية قد تؤثر على مستقبل المؤسسة ومصداقيتها. وقال ستيفن راب، السفير الأميركي السابق المتخصص في قضايا جرائم الحرب، إن عدم عزل خان قد يؤدي إلى الإضرار بسمعة المحكمة، في حين رأى أنصار خان أن القرار قد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية تؤثر على استقلالية المحكمة.
وتأتي إقالة خان في وقت تواجه فيه المحكمة الجنائية الدولية تحديات متزايدة، من بينها حملة أميركية تهدف إلى تقليص نفوذها. وكانت إدارة ترامب قد أعلنت في وقت سابق عن إجراءات ضد المحكمة، متوعدة بعقوبات إضافية، ومعتبرة أن أنشطتها تمثل "تهديداً غير مقبول" للسيادة الأميركية.
ورغم عزل خان، فإن مذكرات التوقيف الصادرة عام 2024 بحق نتنياهو وغالانت لن تتأثر بشكل مباشر، إذ إن سحبها من اختصاص قضاة المحكمة وليس المدعي العام، ما يعني أن الملفات التي فتحها خان ستظل قائمة بانتظار قرارات قضائية جديدة.
تعود الخلافات بين الولايات المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية إلى مجموعة من العوامل السياسية والقانونية، أبرزها رفض واشنطن لامتداد اختصاص المحكمة إلى مواطنيها أو حلفائها الذين لم يصادقوا على نظام روما الأساسي، وهو المعاهدة المؤسسة للمحكمة. وترى الإدارات الأميركية المتعاقبة أن ملاحقة مسؤولين أميركيين أو عسكريين أمام هيئة دولية تمثل تجاوزاً للسيادة الوطنية، وقد تشكل سابقة تسمح بمحاكمة أفراد شاركوا في عمليات عسكرية خارج البلاد.
وتصاعد التوتر بشكل خاص بعد إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية التحقيقات المتعلقة بالحرب في غزة. واعتبرت واشنطن هذه الخطوة استهدافاً سياسياً لحليف استراتيجي، ووصفتها بأنها تجاوز لصلاحيات المحكمة، خصوصاً أن إسرائيل والولايات المتحدة ليستا من الدول الأطراف في نظام روما الأساسي.
كما يرتبط الموقف الأميركي بسوابق أخرى، بينها التحقيقات التي فتحتها المحكمة حول احتمال ارتكاب جرائم حرب من قبل القوات الأميركية وعناصر وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في أفغانستان. وقد أثارت هذه الملفات اعتراضات شديدة في واشنطن، التي تخشى من إمكانية استخدام المحكمة لملاحقة جنود أو مسؤولين أميركيين بسبب قرارات مرتبطة بالسياسة الخارجية والعمليات العسكرية.
وفي هذا السياق، لجأت الإدارة الأميركية خلال عهد الرئيس دونالد ترامب إلى فرض عقوبات على مسؤولين في المحكمة، شملت تجميد أصول وقيوداً على السفر بحق المدعي العام وقضاة وموظفين مرتبطين بالتحقيقات التي تستهدف مواطنين أميركيين أو حلفاء للولايات المتحدة. وتبرر واشنطن هذه الإجراءات باعتبارها دفاعاً عن سيادتها ومصالحها الوطنية، بينما يرى منتقدوها أنها تمثل ضغطاً سياسياً على مؤسسة قضائية دولية يفترض أن تعمل بشكل مستقل.
المصدر:
يورو نيوز