آخر الأخبار

هل يسرّع إعلان الحصار الحوثي للسعودية من وتيرة الحرب في اليمن؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

دخل التصعيد في اليمن مرحلة حرجة عقب إعلان جماعة أنصار الله ( الحوثيين) فرض حظر على الملاحة البحرية السعودية، في خطوة تنذر -على ما يبدو- بتداعيات واسعة في ظل مسار متفاقم من التوتر الميداني والتهديدات المتواصلة.

ومنذ نحو أسبوعين، تشهد الساحة اليمنية تصعيدا لافتا كسر حالة الهدوء النسبي التي سادت لأكثر من أربع سنوات، ووضع حدا لمرحلة خفض التصعيد بين الحكومة اليمنية -المدعومة من التحالف العربي- والحوثيين.

ورغم التحذيرات الأممية والدولية من انزلاق البلاد إلى جولة حرب جديدة، فإن مسار التصعيد يمضي بوتيرة متسارعة مع تمسُّك الأطراف بمطالبها واشتراطاتها في خضم صراع وحرب لم تُحسم منذ 12 عاما.

مصدر الصورة الحوثيون كثفوا عمليات التحشيد المسلح والتهديدات بإشعال الحرب مجددا (أسوشيتد برس)

مسار تصاعدي

في نهاية يونيو/حزيران الماضي، أعلن الحوثيون الجاهزية والنفير العام وإعلان ما وصفوها بـ"مرحلة ميدانية جديدة" لإنهاء ما سمّوه "الحصار" الذي يتهمون التحالف العربي بفرضه.

ومنذ ذلك الحين، شرع الحوثيون في عمليات تحشيد مسلح في المحافظات الواقعة تحت سيطرتهم، مهددين بإشعال الحرب مجددا والسيطرة على البلاد بأكملها.

ورافق ذلك اندلاع معارك عنيفة في بعض الجبهات مع القوات الحكومية، خلّفت عشرات القتلى والجرحى من الطرفين، بالتزامن مع تحركات عسكرية ودفع تعزيزات إلى خطوط التماس.

لكن التصعيد اللافت كان وصول رحلة جوية لشركة ماهان الإيرانية في 3 يوليو/تموز الجاري إلى مطار صنعاء الواقع تحت سيطرة الحوثيين، وهو ما عدَّته الحكومة اليمنية انتهاكا خطيرا للسيادة اليمنية، وقالت إن الرحلة أقلت عددا من الأفراد العسكريين والأمنيين، وخبراء إيرانيين متخصصين في تطوير الطائرات المسيّرة ومنظومات الصواريخ ومعدات وتقنيات إلكترونية واتصالات ذات استخدامات محتملة في منظومات القيادة والسيطرة.

إعلان

وقال الحوثيون إن الطائرة كانت تقل على متنها أكثر من 200 مواطن من العالقين والجرحى والمرضى، وعادت إلى طهران وعلى متنها وفد الجماعة للمشاركة في مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي.

مصدر الصورة وفد الحوثيين أثناء وصوله مطلع يوليو/تموز الجاري إلى طهران على متن الطائرة الإيرانية القادمة من مطار صنعاء (وكالة سبأ التابعة لحكومة الحوثيين)

وأشعلت هذه الأزمة فتيل التهديدات، إذ هدد الحوثيون باستمرار الرحلات بين طهران و صنعاء، واستهداف المطارات والمصالح الحيوية للسعودية في البر والبحر.

وادعى الحوثيون أن تشكيلا من الطيران الحربي السعودي خرق أجواء محافظات يمنية -حينئذ- لمحاولة منع الطائرة الإيرانية من الهبوط في مطار صنعاء الدولي.

في المقابل، قال المجلس الرئاسي اليمني إنه اتخذ جميع الإجراءات السياسية والدبلوماسية والعسكرية لمنع أي محاولة جديدة لانتهاك سيادة الجمهورية اليمنية.

وردا على تهديدات الحوثيين، قال التحالف العربي -في بيان للمتحدث باسمه تركي المالكي في 4 يوليو/تموز الجاري- إنه سيضرب بقوة غير مسبوقة أي محاولات لاستهداف المملكة ومقدراتها الوطنية أو محاولات لانتهاك السيادة اليمنية.

ووسط تلك التطورات، تشهد محافظة الجوف اليمنية الحدودية مع السعودية تحشيدا قبليا واسعا مناهضا للحوثيين، بعد دعوة أطلقها الزعيم القبلي حمد بن فدغم الحزمي إلى "النكف القبلي" ضد الجماعة على خلفية نزاع مرتبط باعتقاله من قِبل الحوثيين في قضية تتعلق بفتاة تُدعى "ميرا" تقول إنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

ومع ارتفاع منسوب التصعيد، تعثر تنفيذ أكبر صفقة لتبادل الأسرى والمحتجزين بين الحكومة والتحالف من جهة، وجماعة الحوثي من جهة أخرى، التي كان مقررا إتمامها في 11 يوليو/تموز الجاري، وتشمل الإفراج عن أكثر من 1600 محتجز، وسط تبادل الاتهامات بين الطرفين بشأن المسؤولية عن هذا التعثر.

أعنف تصعيد

ولم يتوقف التصعيد عند هذا الحد بل تنامى بصورة أكبر في 13 يوليو/تموز الجاري، حين عادت الطائرة الإيرانية مجددا، وهو ما قابلته وزارة الدفاع اليمنية بقصف مدرج مطار صنعاء قبل وصول الرحلة التي اضطرت لاحقا إلى الهبوط في مطار الحديدة الذي يقع أيضا تحت سيطرة الحوثيين.

واتهم الحوثيون -حينئذ- السعودية بقصف المطار، وأعلنوا قصف مطار أبها في المملكة بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ردا على ذلك، معلنين في الوقت نفسه انتهاء مرحلة خفض التصعيد.

وسارع رئيس المجلس الرئاسي في اليمن رشاد العليمي إلى القول عقب الرحلة الإيرانية الثانية إنه لا يمكن تحت أي ظرف السماح مستقبلا بدخول أو هبوط أي طائرة أجنبية أو تسيير أي رحلة جوية إلى أي مطار في أراضي الجمهورية اليمنية خارج موافقة الحكومة والسلطات المختصة.

وساطات ومبادرات

في الأثناء، نشطت الوساطات والمبادرات عقب التصعيد العسكري الأعنف منذ 4 أعوام، إذ وصل المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ إلى سلطنة عمان في اليوم التالي 14 يوليو/تموز الجاري، وعقد محادثات مع مسؤولين عمانيين وقياديين من الحوثيين، وشدد على ضرورة خفض التصعيد الفوري والتوصل إلى مسار متفق عليه للحفاظ على الهدوء النسبي الذي يشهده اليمن منذ اتفاق الهدنة في عام 2022.

إعلان

ومن مسقط انتقل غروندبرغ إلى العاصمة السعودية الرياض، في إطار مساعيه لمنع الانجرار إلى تصعيد أكبر، إذ التقى هناك رئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد العليمي وسفير السعودية لدى اليمن محمد آل جابر، إضافة إلى ممثلين عن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وأشار إلى أن المناقشات ركزت على الحاجة إلى خفض التصعيد فورا، مؤكدا أهمية عزل اليمن عن التصعيد الإقليمي الأوسع، والحفاظ على المساحة اللازمة لعملية سياسية شاملة بقيادة يمنية تفضي إلى إنهاء النزاع بشكل كامل.

بالتزامن مع ذلك، أعلن الأردن -يوم الجمعة الماضي- مبادرة تشمل تسيير رحلات جوية منتظمة عبر الخطوط الملكية الأردنية بين عمّان وصنعاء، استجابة "للاحتياجات الإنسانية" في اليمن، ودعما لجهود السعودية في دعم مسار السلام في اليمن.

وقوبلت المبادرة الأردنية بترحيب من وزارة الخارجية السعودية والحكومة اليمنية التي حذرت الحوثيين من "تفويت هذه الفرصة".

كما رحب غروندبرغ بالمبادرة الأردنية، معبّرا عن أمله أن تسهم هذه الخطوة في التوصل إلى تفاهمات أوسع تحافظ على مكتسبات هدنة عام 2022.

لكن جماعة أنصار الله -التي تسيطر على العاصمة اليمنية صنعاء منذ سبتمبر/أيلول 2024- أبدت رفضا للمبادرة الأردنية، ووصفتها بأنها "مزايدات تافهة"، مطالبة بفتح الرحلات في صنعاء إلى جميع الوجهات دون استثناء ودون قيد أو شرط وضمن اتفاق معها.

وأكدت أن المسألة لم تعد منحصرة في ملف المطار فحسب بل بكل الملفات الإنسانية، وفي مقدمتها صرف رواتب الموظفين اليمنيين.

وكان رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي قد كشف -في 12 يوليو الجاري- عن تقديم الحكومة مبادرة واضحة، تقضي بتسيير الرحلات في مطار صنعاء عبر شركة الخطوط الجوية اليمنية إلى أي وجهة يتم الاتفاق عليها وفق ضمانات بتأمين الرحلات والطواقم الملاحية.

وقال إن رفض الحوثيين هذه المبادرة كشف بوضوح أن القضية لم تكن إنسانية أو حصارا كما يروجون، وإنما محاولة لإحلال الرحلات الإيرانية بديلا عن الناقل الوطني.

رسائل متبادلة

في مشهد يكشف تعثر الوساطات والمبادرات في الوصول إلى حلول توافقية بين أطراف الصراع، أطل زعيم جماعة أنصار الله عبد الملك الحوثي -الخميس الماضي- في خطاب مهاجما السعودية، وداعيا أنصاره إلى الاحتشاد يوم الجمعة، وقال إن هناك موقفا بعد ذلك.

ومع رفع الحوثيين سقف مطالبهم، أكدت الحكومة اليمنية إن قواتها في جاهزية لردع أي تصعيد من الحوثيين، وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي -ردا على خطاب زعيم الحوثيين- إنه "آن أوان الحسم واستعادة مؤسسات الدولة من الحوثيين".

وأضاف مجلي -في تصريح نشرته الوكالة الرسمية (سبأ) يوم الجمعة الماضي- أن "ثمن البحث عن السلام مع الحوثيين كان أكثر فداحة من ثمن مواجهتهم باللغة التي يفهمونها".

وقال عضو المجلس الرئاسي عبد الرحمن المحرمي "أيدينا ستظل ممدودة دائما لسلام عادل مشرف وضامن، يعالج جميع القضايا السياسية، وإلا فإن فوهات بنادقنا وبأس أبطالنا الأشاوس في أتم الجاهزية والاستعداد لمعركة حاسمة تنهي عبث المليشيات الحوثية".

وتابع "لن يثنينا أي ابتزاز عن أداء واجبنا المقدس في حماية بلادنا وشعبنا".

بالتزامن مع ذلك، كشفت القوات الجوية اليمنية عن نجاحها في إعادة تأهيل عدد من الطائرات المقاتلة، إذ كانت الحكومة تفتقر إلى الطيران الحربي منذ 12 عاما، وتعتمد على التغطية النارية الجوية من مقاتلات التحالف.

وأعلنت القوات البحرية اليمنية -أمس الأحد- إحباط محاولة زوارق مسلحة تابعة للحوثيين الاقتراب من جزيرة زُقَر من جهة الممر الدولي في البحر الأحمر، في تحرك وصفته بأنه عدائي ومهدد لأمن الملاحة الدولية.

تصعيد من البر إلى البحر

وفي مؤشر على مضي كل طرف في تنفيذ تهديداته، أعلنت الحكومة اليمنية -السبت الماضي- منع طائرة إيرانية من استكمال رحلتها إلى مطار صنعاء، وألزمتها بالعودة من الأجواء العمانية لعدم حصولها على التصاريح اللازمة.

إعلان

وفي إجراء يدل على اتساع رقعة التصعيد، أعلن الحوثيون -اليوم الاثنين- فرض حظر على الملاحة البحرية السعودية، مشيرا إلى أن الخطوة تأتي وفق ما سموها "معادلة الحصار بالحصار".

وفي أول تعليق على قرار الحوثيين، أعلن رئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد العليمي في بيان له، العمل على استئناف تصدير النفط بكل الوسائل ابتداءً من اليوم، داعيا الشعب اليمني إلى الالتفاف حول القوات المسلحة لإنهاء ما وصفه بـ"الانقلاب".

وتوقفت عمليات تصدير النفط باليمن في أكتوبر/تشرين الأول 2022 عقب الهجمات التي شنها الحوثيون على ميناء التصدير في الضبة بمحافظة حضرموت والنشيمة في محافظة شبوة.

ويذهب مراقبون إلى أن الخطوة الحوثية تأتي في سياق أوسع بالنظر إلى التطورات الإقليمية والحرب بين الولايات المتحدة و إيران، إذ هدد مسؤولون إيرانيون أكثر من مرة بإغلاق مضيق باب المندب، في حين نقلت رويترز -الخميس الماضي- عن مصادر أن إيران طلبت من الحوثيين أن يكونوا على أهبة الاستعداد لإغلاق مسار النفط في البحر الأحمر إذا ضربت الولايات المتحدة البنية التحتية للطاقة الإيرانية.

وقال محرر الشؤون اليمنية في قناة الجزيرة أحمد الشلفي إن إعلان الحوثيين يأتي في سياق التوترات الإقليمية على وقع المواجهة بين طهران وواشنطن، مشيرا إلى أن الحوثيين أصبحوا جزءا من هذا المشهد.

ولفت إلى أنه في الفترة الماضية، كانت هناك تقارير في وكالات أنباء عالمية وتصريحات من قياديين ومحللين إيرانيين بأن إيران ستأمر الحوثيين بالتحرك في باب المندب والبحر الأحمر.

ويرى الشلفي أن "الحوثيين جمعوا بين أمرين: خدمة إيران في هذه المنطقة، والسيطرة على باب المندب (خدمة لمشروعهم أيضا)".

وأضاف "السعودية من أكبر مصدري النفط، ولكن الأمر سيؤثر على دول أخرى تصدّر النفط عبر باب المندب".

هل تندلع حرب واسعة؟

يرى محللون أن احتمالات تجدد المواجهات بين القوات الحكومية والتحالف العربي من جهة والحوثيين من جهة أخرى، ارتفعت في ضوء العديد من الوقائع خلال الأيام الماضية.

ويبدو أن تصلب المواقف ولغة الوعيد المتبادلة، وإن تُرجمت ميدانيا بشكل محدود خلال الأيام الماضية، فإن مؤشرات الانزلاق إلى مواجهة واسعة تتزايد، إذ يرى كل طرف أنه أمام معركة كسر عظم سترسم معادلات جديدة.

وترى الحكومة اليمنية أن اشتراطات جماعة الحوثي تهدف إلى فرض أمر واقع وسلطة بديلة، في حين يتمسك الحوثيون بمطالبهم بوصفها خيارا لا رجعة عنه، وهو ما يدفع نحو الدخول في مواجهة مع استمرار إخفاق الجهود الأممية والدولية في إحداث اختراق إيجابي في مسار الأزمة وتعطل تنفيذ خريطة الطريق.

وفي 23 ديسمبر/كانون الأول 2023، أعلن المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ التزام الحكومة وجماعة الحوثي بحزمة تدابير ضمن "خريطة طريق" تشمل وقفا شاملا لإطلاق النار، وتحسين ظروف معيشة المواطنين.

لكن تنفيذ هذه الخريطة لم ير النور، وسط اتهامات متبادلة بين الحكومة والتحالف من جهة والحوثيين من جهة أخرى، بشأن الطرف المعرقل والمسؤول عن عدم إحراز تقدم في تطبيقها.

وفي الوقت الذي تلوّح فيه الأطراف بالخيار العسكري لحسم الخلافات، تواجه مساعي الوساطة صعوبات جمة في إحداث اختراق يعيد التهدئة، مع تباعد حاد في الرؤى والمواقف، وإلقاء كل طرف أوراق ضغطه إلى الميدان في محاولة لانتزاع مكاسب.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا