في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
"يجب أن يصبح الجيش الألماني أقوى جيش تقليدي في أوروبا"، هذا ما قاله المستشار الألماني، فريدريش ميرتس أمام البرلمان الألماني في 14 مايو/أيار 2025.
بعد تسلم المستشار المحافظ ميرتس منصبه في السادس من مايو/أيار 2025، لم ينتظر سوى 8 أيام من أجل إطلاق هذا التصريح اللافت. بعدها بنحو عام وتحديداً في 22 أبريل/نيسان الماضي، قدم وزير الدفاع بوريس بستوريوس أول إستراتيجية عسكرية ألمانية ووضع هدف ميرتس اللافت في صميمها: "نريد أن نصبح أقوى جيش في أوروبا".
صحيح أن هذه الإستراتيجية وهدفها الأهم حظيا بتأييد الحلفاء في أوروبا وخلف المحيط الأطلسي، ولكن العبء الثقيل للحرب العالمية الثانية جعل بلدين أوروبيين؛ فرنسا والجار الشرقي بولندا، ينظران إليها بعيون الشك.
ففي فيلم وثائقي بعنوان "ماكرون وميرتس.. نظرة خلف كواليس السلطة" بثته القناة التلفزيونية الألمانية ـ الفرنسية المشتركة (آرته) في 17 مارس/آذار الماضي رد ماكرون على سؤال حول رأيه في هدف ألمانيا الرامي إلى امتلاك الجيش الأقوى في أوروبا بالقول: "هذا شيء جيد إذا كان الأمر يخدم المصلحة المشتركة". ولكنه لم يكتف بالإعجاب بالفكرة ليضيف: "إذا لم يكن الأمر كذلك، فهناك علامة استفهام".
هذا الترحيب المشروط بالفكرة الألمانية لا ينطبق على هدف ألمانيا الطموح فحسب، ولا على ما يوصف بـ "الاستفاقة الألمانية" بل يشمل مشاريع دفاعية فرنسية ـ ألمانية مشتركة.
أحدث هذه المشاريع أعلنت عنه مصادر حكومية ألمانية وفرنسية في 8 يونيو/حزيران الماضي، إذ قالت إن ميرتس وماكرون توصلا إلى قناعة بأن مشروع المقاتلة المشتركة الألمانية ـ الفرنسية "إف سي إيه إس" لم يعد قابلاً للاستمرار بسبب فشل شركة "إيرباص" ومجموعة "داسو" في التوصل إلى اتفاق بخصوص قيادة المشروع وتقاسم المهام والحقوق.
إذن السبب المعلن لفشل هذا المشروع اقتصادي وناجم عن خلاف بين الشركات. لكن مهما حاول ميرتس وماكرون تحميل الشركات القائمة على المشروع مسؤولية الفشل، لن يتمكنا من إقناع الرأي العام في كلا البلدين بأن خطورة المرحلة لا تتطلب فعل كل شيء من أجل تجاوز الخلافات حتى لو كانت بين الشركات المصنعة أو كما قالت مجلة "دير شبيغل" في تعليق على إعلان الفشل: "ميرتس وماكرون لا يدركان خطورة الوضع" مضيفة "بالنسبة للمسؤولَين فشل المشروع معيب وبالنسبة لأوروبا فشله خطير".
الإسم المختصر "إف سي إيه إس" يعني "نظام القتال الجوي المستقبلي"، وكان من المقرر أن يكون أكبر وأغلى مشروع تسلح أوروبي حتى الآن ويهدف بحسب تقرير للقناة التلفزيونية الألمانية الأولى "إيه آر دي" إلى تطوير مقاتلة تحل في موعد أقصاه عام 2040 محل المقاتلة الأوروبية "يوروفايتر" التي تستخدمها ألمانيا وإسبانيا وكذلك محل طائرات "رافال" الفرنسية.
ويشمل المشروع كذلك تطوير أنظمة قتالية غير مسيّرة إضافة إلى ما يعرف بـ "السحابة القتالية" وهي نظام اتصالات لربط الطائرات المقاتلة والأنظمة بعضها بعضاً.
وكان المشروع قد أُطلق عام 2017 بمبادرة من الرئيس ماكرون والمستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل.
ووفق التقرير، فإن فشل المشروع يعود بدرجة أقل لخلافات سياسية وبدرجة أكبر لنزاعات اقتصادية وبالتحديد بين شريك المشروع الألماني إيرباص ومجموعة داسو الفرنسية.
أما جوهر الخلاف فيدور حول السؤال الأهم: من يتولى الدور القيادي في المشروع؟
ويعزو التقرير سبب الفشل لإصرار المجموعة الفرنسية داسو على المطالبة بتولي قيادة المشروع رغم أنه تم الاتفاق في الأصل على تعاون مبني على قدم المساواة، وذلك كله بحسب القناة الألمانية العامة.
تعزيز ألمانيا قوتها العسكرية والخلافات حول مقاتلة "إف سي إيه إس" وقرارات قطاع صناعة الأسلحة الألمانية الأخيرة تترك عند الفرنسيين بعض الشكوك والتساؤلات حول سعي ألمانيا، أيهدف إلى تعزيز السيادة الأوروبية المشتركة أم إلى ترسيخ قوة وطنية مستقلة؟.
من منظور فرنسي، تبدو الأمور أكثر تعقيداً. ففي مقال بعنوان "شكوك في فرنسا .. هل تصبح ألمانيا عسكرياً أقوى مما ينبغي؟" تنقل الصحيفة الألمانية الوسطية "أوغسبورغر ألغماينه"عن بول موريس، الأمين العام للجنة دراسات العلاقات الألمانية الفرنسية قوله إن خطط التسلح الألمانية تُستقبل في فرنسا بمزيج من الارتياح الإستراتيجي والقلق السياسي، مضيفاً بأن باريس تطالب منذ سنوات بتحمل ألمانيا المزيد من المسؤولية العسكرية تجاه أوروبا.
لكن تعزيز ألمانيا قوتها العسكرية والخلافات حول مقاتلة "إف سي إيه إس" وقرارات قطاع صناعة الأسلحة الألمانية الأخيرة تترك عند الفرنسيين بعض الشكوك والتساؤلات حول سعي ألمانيا، "أيهدف إلى تعزيز السيادة الأوروبية المشتركة أم إلى ترسيخ قوة وطنية مستقلة؟".
وفي معرض شرحه لأسباب فشل مشروع المقاتلة يضيف الخبير من باريس أن الإستراتيجية الفرنسية في قطاع التسلح كانت تقوم لفترة طويلة على فكرة اندماج شركات التصنيع في حين تقوم الإستراتيجية الجديدة التي تفضلها شركات صناعة أسلحة ألمانية مثل "راينميتال" على وضع نفسها في المقدمة وإبرام اتفاقيات لإنتاج أسلحة مع بلدان أخرى ومثل هذا النموذج الذي يقوم على استثمارات هائلة يجعل فرنسا تخشى التراجع إلى الصف الثاني.
بهذا العنوان تحاول الصحيفة الألمانية ذات التوجه اليساري الليبرالي "زود دويتشه تسايتونغ" تقديم وصف دقيق لاجتماع المجلس الوزاري الألماني ـ الفرنسي اليوم في غرب ألمانيا وتقول "عندما ينعقد اليوم الجمعة المجلس الوزاري الألماني ـ الفرنسي، يلتقي شريكان قلقان؛ باريس لا تثق بالقوة العسكرية الألمانية، وبرلين تشعر بالقلق على مستقبل فرنسا السياسي".
وتبرز الصحيفة الرمزية التاريخية للقصر الذي يحتضن هذا اللقاء بقولها إن لمكان اللقاء أهمية تاريخية؛ "ففي قصر "أوغوستوسبورغ" استقبل المستشار الألماني السابق كونراد أديناور في سبتمبر/أيلول 1962 الرئيس الفرنسي السابق شارل ديغول في أول زيارة دولة لرئيس فرنسي إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية بعد نهاية الحرب. تلك الزيارة جاءت لمصالحة الخصمين. وبعد بضعة أشهر فقط في 22 يناير/كانون الثاني 1963، تم توقيع معاهدة الإليزيه."
هنا، تقول الصحيفة إن الطرفين يحاولان إنقاذ ما يمكن إنقاذه. فعلى الرغم من فشل مشروع المقاتلة المشتركة، يقول الرئيس الفرنسي إنه نادم أشد الندم على ذلك وإنه لا يجوز أن يتوقفوا عند هذا الحد، بينما تؤكد حكومة برلين أنه لا شيء سيتغير في العلاقة الألمانية الفرنسية الجيدة، فقرار وقف المشروع كان موضوعياً واتخذ لأسباب منطقية.
وتضيف "زود دويتشه": "على الأقل، من المقرر مواصلة دفع مشاريع تطوير الطائرات المسيرة ومنصة للاتصالات المشتركة إلى الأمام. كما أن الأمور ما تزال مفتوحة بخصوص تطوير نظام قتال بري أي مشروع الدبابة المشتركة، ففي برلين يقال إن ألمانيا لا تزال متمسكة بهذا المشروع دون تغيير، أما في باريس فيبقى الأمر غامضاً".
وهنا أيضاً ـ تضيف الصحيفة ـ يتضح الأمر التالي: كلما أصبحت أوجه التعاون ملموسة، أصبحت الأمور صعبة.
وتتساءل الصحيفة عن مستقبل ماكرون السياسي بعد فترتين تشريعيتين، قائلة إن اجتماع ماكرون الحالي، سيكون آخر مشاركة له في اجتماعات المجلس الوزاري الألماني ـ الفرنسي، ففي الربيع المقبل سيغادر منصبه ولهذا، يحاول دفع أكبر عدد ممكن من المشاريع إلى الأمام.
وتضيف بأن ما يشغل ماكرون الآن هو احتمال أن يخلفه في قصر الإليزيه ممثل عن التجمع الوطني اليميني المتطرف. وفي الوقت نفسه تنظر باريس بقلق إلى تعاظم قوة الحزب الألماني اليميني المتطرف البديل، وتتساءل عما سيحدث للمحور الألماني الفرنسي الذي مثل لعقود نواة أوروبا المستقرة؟
كما تتساءل الصحيفة: ماذا لو امتلكت حكومة يمينية متطرفة ومعادية لأوروبا في فرنسا مفاتيح التحكم بترسانة الأسلحة النووية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي وألغت مشاريع مشتركة؟ وتختم "زود دويتشه" قائلة إن قصر أوغستوسبورغ -الذي يشهد لقاء اليوم- سيكون مكاناً جيداً لطرح هذه التساؤلات بصراحة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة