عندما يلتقي منتخبا الأرجنتين و إنجلترا في كأس العالم، فإن الموضوع نادراً ما يختزل في تسعين دقيقة داخل المستطيل الأخضر. فهذه المواجهة تحمل إرثاً تاريخياً وسياسياً وثقافياً يمتد لعقود، وفي كل مرة تستحضر أهداف صنعت التاريخ، ولاعبون لم تمح إنجازاتهم من ذاكرة جماهير البلدين، ولكن صور الحرب والصراع على السيادة مازالت بدورها حاضرة في الأذهان. وبينما يحاول اللاعبون والمدربون في كل جيل حصر اللقاء داخل إطاره الرياضي ، فإن الماضي يفرض حضوره باستمرار، ليجعل من هذه المباراة واحدة من أكثر المواجهات خصوصية وإثارة في كأس العالم .
جزر فوكلاند، أو "مالفيناس" كما يسميها الأرجنتينيون، هي جزر تقع في جنوب المحيط الأطلسي على بعد نحو 480 كيلومتراً من السواحل الأرجنتينية، لكنها تخضع للسيادة البريطانية منذ عام 1833.صورة من: Tim Graham/robertharding/picture allianceلفهم خصوصية الصراع الكروي بين الأرجنتين وإنجلترا يجب العودة إلى قصة جزر فوكلاند، أو "مالفيناس" كما يسميها الأرجنتينيون. هذه الجزر التي تقع في جنوب المحيط الأطلسي على بعد نحو 480 كيلومتراً من السواحل الأرجنتينية، لكنها تخضع للسيادة البريطانية منذ عام 1833.
وترى الأرجنتين أن الجزر جزء من أراضيها انتزع منها خلال الحقبة الاستعمارية، بينما تؤكد بريطانيا أن مصيرها تحدده رغبة سكانها الذين يعتبر معظمهم أنفسهم بريطانيين. وتُصنف الأمم المتحدة الجزر باعتبارها إقليماً غير متمتع بالحكم الذاتي، وتدعو منذ ستينيات القرن الماضي إلى حل النزاع عبر المفاوضات.
بلغ الخلاف ذروته عام 1982 عندما غزت القوات الأرجنتينية الجزر في محاولة لاستعادتها، قبل أن ترد بريطانيا بعملية عسكرية انتهت بانتصارها بعد حرب استمرت أكثر من شهرين وخلفت مئات القتلى من الجانبين. ومنذ ذلك الوقت تحولت قضية مالفيناس إلى جزء من الهوية الوطنية في الأرجنتين، فيما باتت بالنسبة للبريطانيين قضية مرتبطة بحق سكان الجزر في تقرير مصيرهم.
لم يبقِ هذا الخلاف التاريخي نفسه داخل أروقة السياسة والدبلوماسية، بل امتد إلى الجماهير الكروية والرأي العام في البلدين. فمع كل مواجهة كروية بين المنتخبين تتجدد النقاشات حول الحرب والجزر والذاكرة الوطنية، وتتصاعد حدة الخطاب الإعلامي لدى بعض الصحف والجماهير.
وخلال العقود الماضية شهدت بعض المواجهات أجواء مشحونة خارج الملاعب، وتبادلاً للهتافات والاستفزازات بين المشجعين، خصوصاً في بطولات كأس العالم كان أهمها فرنسا 1998. ورغم أن العلاقة بين الجماهير لم تصل إلى مستوى العداء الذي عرفته بعض الديربيات الأوروبية العنيفة، فإن لقاءات المنتخبين ظلت تحمل دائماً شحنة عاطفية وسياسية استثنائية تجعلها مصنفة من بين اكثر المباريات خصوصية في كأس العالم.
داخل الملعب، تحولت هذه الخصومة إلى واحدة من أشهر الروايات في تاريخ كأس العالم. البداية كانت في ربع نهائي مونديال 1966 عندما فازت إنجلترا بهدف دون رد في مباراة أثارت جدلاً واسعاً بعد طرد قائد الأرجنتين أنطونيو راتين.
لكن المواجهة التي خلدت هذا الصراع جاءت في ربع نهائي مونديال 1986 بالمكسيك. ففي تلك المباراة سجل دييغو أرماندو مارادونا هدفه الشهير بيده، والذي وصفه لاحقاً بأنه جاء "قليلاً برأس مارادونا وقليلاً بيد الله" . وبعد دقائق فقط أضاف ما اعتبره كثيرون أجمل هدف في تاريخ كأس العالم بعدما راوغ نصف الفريق الإنجليزي قبل أن يهز الشباك.
وعاد التوتر في مونديال 1998 عندما طُرد ديفيد بيكهام بعد تدخله مع بدييغو سيميوني، قبل أن تتأهل الأرجنتين بركلات الترجيح. أما في مونديال 2002 فقد ردت إنجلترا اعتبارها بفوزها بهدف سجله بيكهام من ركلة جزاء.
لتظل الكفة متقاربة ويظل الجدل مستمراً بين المنتخبين ولتبقى هذه المباراة من أكثر المواجهات تأثيراً في تاريخ اللعبة.
بالنسبة للجماهير، لم تكن هذه المباريات مجرد صراع بين منتخبين، بل مواجهة بين رموز وأجيال صنعت جزءاً من تاريخ كأس العالم.
وعلى مدار عقود، ارتبطت هذه المواجهة بأسماء خالدة في تاريخ كرة القدم. فمن الجانب الأرجنتيني يبرز دييغو مارادونا باعتباره الشخصية الأكثر ارتباطاً بالعداء الكروي مع الإنجليز ، مرورا بدييغو سيميوني وغابرييل باتيستوتا وصولا إلى ليونيل ميسي الذي يحمل راية المنتخب الأرجنتيني في المواجهة المرتقبة أمام إنجلترا.
أما في إنجلترا، فقد ارتبطت المواجهة بأسماء مثل بوبي تشارلتون وغاري لينيكر وديفيد بيكهام وواين روني، وصولاً إلى الجيل الحالي بقيادة هاري كين وجود بيلينغهام.
مع اقتراب مواجهة نصف نهائي كأس العالم 2026 ، حاول مدرب الأرجنتين ليونيل سكالوني تخفيف حدة الأجواء التاريخية المحيطة بالمباراة، مؤكداً أن اللقاء يجب أن يبقى في إطاره الرياضي وألا يُحمّل أبعاداً سياسية أو تاريخية.
وقال سكالوني في إجابة على أسئلة الصحفيين أن الأجيال الحالية لا ينبغي أن تتحمل إرث صراعات الماضي، داعياً إلى النظر للمباراة باعتبارها مواجهة كروية بين منتخبين كبيرين لا أكثر. ويعكس هذا الموقف توجهاً متكرراً لدى عدد من اللاعبين والمدربين في البلدين ممن حاولوا خلال السنوات الأخيرة الفصل بين كرة القدم والخلافات السياسية.
المصدر:
DW