آخر الأخبار

قبل أن تنبهر بالتعليم الياباني.. هذا الوجه الذي لا يراه كثيرون

شارك

لطالما مثّل النموذج التعليمي في اليابان مصدر إلهام لدول عديدة حاولت استنساخ التجربة، جزئيا أو كليا، خاصة في ما يتعلق بالانضباط المدرسي وتنظيف الطلاب لفصولهم وأنشطة "التوكاتسو" وبناء المسؤولية الجماعية.

غير أن النظام الذي بدا مغريا بالتجريب يواجه اليوم انتقادات متزايدة، في ضوء تقارير صحفية ودراسات وشهادات حية تكشف وجها مظلما لنظام تعليمي يضغط على أبنائه حتى الإنهاك، ولا يمنح الفرص بشكل عادل للجميع.

مصدر الصورة الدروس الخصوصية في اليابان جزء أساسي من رحلة كثير من الطلاب نحو الامتحانات المصيرية (غيتي)

نظام مبهر قابل للتصدير.. لكن ليس بلا ثمن

تمتلك اليابان خبرة طويلة في صياغة سياسات وممارسات تعليمية صارت في مرحلة "التصدير". فبحسب دراسة أجراها "مركز جامعة هيروشيما للتعاون الدولي في التنمية التعليمية"، تعمل اليابان على نقل نموذجها التعليمي إلى عدد من الدول ومرافقة تطبيقه، من بينها:

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 كيف تحول 90 دقيقة من كرة القدم إلى درس لا ينساه طفلك؟
* list 2 of 2 "راسخ" وسؤال الهوية في المدرسة.. كيف يمكن للمنهج الدولي أن يتجذر؟ end of list
* مصر.
* جنوب أفريقيا.
* إندونيسيا.
* فيتنام.
* زامبيا.
* بنغلاديش.
* منغوليا.

سمعة هذا النظام أغرت المعلمة المصرية فدوى الخليجي، التي أصبحت أول مصرية تحصل على رخصة مزاولة مهنة التدريس من وزارة التعليم اليابانية.

تحكي للجزيرة نت بدايات الحلم: "كان ذلك بسبب بضعة شهور قضيتها في حضانة يابانية في مدينة عريقة، هناك رأيت عالما مختلفا تماما عمّا عرفته عن التعليم؛ غياب السبورة والأقلام والشاشات، وحضور الأنشطة والحوار والألعاب والكتب المصورة والمسرح الورقي والألعاب اليدوية والتقليدية، حتى وجبة الغداء كانت تُصنع مما جادت به حقول المدينة داخل مطبخ الروضة نفسها، باستخدام الأرز كامل الحبة والخضروات العضوية الطازجة".

مصدر الصورة فدوى الخليجي أول مصرية تحصل على رخصة مزاولة مهنة التدريس من وزارة التعليم اليابانية (الجزيرة)

ظنت فدوى آنذاك أن هذا هو شكل التعليم الياباني في كل مراحله، ومع الإعجاب الرسمي المصري المتزايد بالتجربة اليابانية قررت دراسة التربية، ثم سافرت إلى اليابان وبدأت رحلتها الأكاديمية والمهنية هناك.

إعلان

تقول: "اخترت أن أدرس في قسم إعداد معلمي المرحلتين الإعدادية والثانوية، ومررت بكل ما يمر به اليابانيون للحصول على اعتماد تدريس الإعدادي والثانوي، بما في ذلك ساعات التدريب العملي داخل المدارس الحكومية، لكنني فوجئت بغياب كثير مما لمسته في تلك الروضة، وغياب كثير أيضا مما كانت تتحدث عنه وسائل الإعلام المصرية وقتها".

مع ذلك، رصدت فدوى جوانب قوة حقيقية في النظام الياباني، من بينها:


* تعليم الاعتماد على النفس منذ الصغر.
* احترام الوقت والنظام والنظافة.
* اهتمام المدرسة ببناء شخصية الطفل وسلوكه الاجتماعي.
* أنشطة مدرسية متنوعة تربط المدرسة بالحياة اليومية.
* شعور قوي بالمسؤولية الجماعية.
* مستوى من الأمان يسمح للأطفال بالاعتماد على أنفسهم في التنقل.

لكن هذه الصورة المشرقة سرعان ما تتراجع في المراحل الأعلى لصالح سباق الامتحانات والدرجات.

مصدر الصورة ثقافة الانضباط والمسؤولية الجماعية إحدى أهم نقاط القوة في التجربة اليابانية (فري بيك)

انتحار وضغط نفسي و"جوكو" ترهق العائلات

من مصر إلى اليابان أيضا، انتقلت الطبيبة والروائية المصرية دعاء إبراهيم، حيث خاض طفلاها ليلى وسليم تجربة الدراسة في السنوات الأولى هناك.

تقول للجزيرة نت: "درست ابنتي في الصف الأول الابتدائي وابني في الكي جي. أعجبني النظام، لكنني كنت أرى مراكز الدروس الخصوصية (الجوكو) عامرة بالطلبة حتى السابعة مساء بملابس المدرسة. سمعت عن معدلات الانتحار وأن الدراسة صعبة، وعلمت من أصدقائي لاحقا أن كثيرا من الطلبة يفقدون طموحهم للالتحاق بالجامعة".

انتقلت دعاء لاحقا إلى الولايات المتحدة ، وتقول إن هذا الانتقال كان متنفسا لها: "أعلم أن استمراري وسط هذا النظام كان سيضعني تحت ضغط كبير، خاصة وأن تدريس اللغة الإنجليزية هناك ضعيف جدا، لكن الأمور اختلفت بعد انتقالنا".

مصدر الصورة الكاتبة والطبيبة المصرية دعاء إبراهيم مع طفليها ليلى وسليم (الجزيرة)

الأرقام تعضد ما عاشته دعاء وفدوى. ففي عام 2023 انتحر في اليابان 513 طالبا في سن الدراسة، غالبيتهم من طلاب المرحلة الثانوية، تلاهم طلاب المرحلتين المتوسطة والابتدائية. دراسة حديثة حول "انتحار الشباب في اليابان" أشارت إلى ضغوط نفسية ضخمة متصلة بالتوقعات الأكاديمية المكثفة، وطبيعة النظام التنافسي الذي يركّز بشكل مفرط على الأداء في الامتحانات، ويخلق تنافسا عنيفا بين الطلاب، وسط توقعات أسرية ومجتمعية غالبا ما تكون غير واقعية.

الدراسة نفسها لفتت الانتباه إلى "الحرمان الحاد من النوم"، موضحة أن الأطفال اليابانيين ينامون أقل بكثير من أقرانهم في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية؛ إذ يحصل طلاب المرحلة الابتدائية على متوسط 7 ساعات و22 دقيقة من النوم فقط.

هذا الحرمان يرتبط مباشرة بعدم الاستقرار العاطفي والاكتئاب وزيادة الأفكار الانتحارية، خاصة في وجود عوامل أخرى مثل التنمر وثقافة "تحمل الألم" وكتمان المشاعر، التي تدفع الطلاب إلى عدم طلب المساعدة. ويظهر أثر ذلك في أرقام الغياب؛ إذ تجاوز عدد الطلاب المتغيبين عن المدارس 300 ألف طالب عام 2022، في ارتفاع حاد ربطته تقارير يابانية بمشكلات نفسية عميقة.

مصدر الصورة معدلات الانتحار بين طلاب المدارس في اليابان مؤشر مقلق على الأعباء النفسية المتزايدة (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

فدوى، التي اختارت عن قصد التدرب في مرحلة يتراجع فيها شعار "المدرسة السعيدة" وترتفع فيها حدة الامتحانات، تلخص الجانب المظلم من تجربتها في نقاط، من بينها:

إعلان

* ضغط دراسي وتنافس شديد: خصوصا مع التقدم في المراحل الدراسية؛ فكل خطوة مرتبطة بما بعدها، وامتحانات القبول للثانوي والجامعة تلعب دورا كبيرا في تحديد المستقبل الأكاديمي والمهني، وهو ما يخلق ضغطا نفسيا على الأطفال والأهالي.
* اعتماد كبير على "الجوكو" (Juku): رغم قوة المدارس الحكومية في الانضباط والأساسيات، تلجأ كثير من الأسر إلى هذه المراكز لتقوية الأبناء وتأهيلهم للامتحانات، مما يوسع الفجوة بين العائلات المقتدرة ماديا وتلك غير القادرة.
* أولوية واضحة للتوافق مع الجماعة على حساب الفردية: فالنظام ممتاز في تعليم التعاون والانضباط واحترام الجماعة، لكنه يجعل التعبير الفردي والاختلاف أكثر صعوبة، والطفل الذي يخرج عن "النمط المتوقع" قد يعاني في الاندماج.
* استمرار مركزية الحفظ والامتحانات: رغم وجود أنشطة ومهارات حياتية ثرية في المرحلة الابتدائية فإن المراحل الأعلى تتحول تدريجيا إلى سباق درجات واختبارات قبول.
* صعوبات في استيعاب الأطفال المختلفين لغويا أو نفسيا أو اجتماعيا، خصوصا أبناء الأجانب أو الأطفال الذين يحتاجون دعما خاصا. امتحانات القبول للثانوي محطة حاسمة في رسم المسار الأكاديمي للطالب في اليابان (بيكسلز)

تجربة ملهمة لكن بعيوب واضحة.. ماذا نتعلم منها؟

هذا الوجه المزدوج للنظام التعليمي الياباني ليس غائبا عن النقاش الداخلي. فمثلا، انتقد الكاتب الياباني هاروكي موراكامي في كتابه "مهنتي هي الرواية" تعليم اللغة الإنجليزية في المدارس اليابانية، واصفا النظام بأنه لا يهيئ الطلاب فعليا لاستخدام اللغة في الحياة الواقعية.

صحيفة "لوموند" الفرنسية تناولت بدورها التجربة اليابانية، مشيرة إلى أن "الدرس الياباني" لا يقتصر على تقليص ساعات الدراسة أو تشديد الانضباط، بل على ضرورة الاهتمام برفاهية الطلاب النفسية، في ضوء تزايد الأدلة على غيابها من خلال نسب الانتحار والغياب المدرسي.

بالنسبة إلى فدوى، لا يعني هذا إدانة شاملة للتجربة اليابانية، بل قراءتها بعين أكثر واقعية. تقول للجزيرة نت: "في رأيي، التعليم الياباني قوي فعلا في بناء السلوك والانضباط، لكنه ليس الجنة التعليمية التي يتخيلها البعض، وفي الوقت نفسه ليس نظاما فاشلا كما يصوره آخرون. هو نظام له نقاط قوة حقيقية جدا، وله أيضا تكلفة نفسية واجتماعية واضحة، وعلى الدول الراغبة في الاستفادة منه أن تنتبه للأمرين معا".

وتقترح فدوى أن يتركز الاقتباس من التجربة اليابانية على عناصر مثل:


* احترام الوقت والنظام.
* تدريب الأطفال على التعاون والمشاركة وتحمل المسؤولية عن المكان والمجتمع.
* ربط التعليم بالحياة من خلال الأنشطة العملية.
* إشراك أولياء الأمور والمتطوعين من المجتمع المحلي لتقليل الفوضى وتخفيف الضغط عن المعلمين.

في المقابل، تحذر من استيراد عناصر أخرى كما هي، مثل:


* الضغط النفسي المبالغ فيه على الطلاب.
* ثقافة الإرهاق الدراسي وتحوّل التعليم إلى سباق لا ينتهي.
* ربط مستقبل الطفل مبكرا بامتحانات مصيرية.
* الاعتماد المفرط على الدروس الخصوصية التي تعمّق الفوارق الطبقية.

بهذه النظرة، يصبح "النموذج الياباني" أقرب إلى صندوق أدوات متنوع، لا وصفة جاهزة تُستنسخ بالكامل، وإلى تجربة يمكن أن تلهم، لكنها في الوقت نفسه تحذر من ثمن باهظ يدفعه الأطفال حين يتحول التعليم إلى ضغط لا يُحتمل.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا