منذ اندلاع الحرب مع إيران ، تعرضت دول الخليج لآلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة، بعدما استهدفت إيران مواقع شملت قواعد عسكرية أمريكية ومنشآت مدنية في قطاع الطاقة.
وفي ظل التصعيد المتواصل، أعلنت الكويت أن دفاعاتها الجوية تصدت لوابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة، عقب إعلان الولايات المتحدة تنفيذ ضربات استهدفت مواقع للرادار والطائرات المسيّرة في جنوب إيران.
تبقى دول مجلس التعاون الخليجي ، بحكم قربها الجغرافي من إيران وتحالفها مع واشنطن، من أكثر الأطراف عرضة لتداعيات أي تصعيد في التوترات الإقليمية
على المدى الطويل، وفي حال انتهاء الحرب بتسوية تفاوضية مع بقاء نظام الجمهورية الإسلامية في الحكم، سيبرز سؤال أساسي حول كيفية إدارة العلاقات بين طهران ودول مجلس التعاون الخليجي في مرحلة ما بعد الحرب .
وفي هذا السياق، أبلغت الدول الخليجية العربية واشنطن أن إنهاء الحرب وحده لا يكفي، مؤكدة ضرورة الحد من قدرة إيران على تهديد المنطقة باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة.
قال بابك دوربيكي، المحلل السياسي المقيم في لندن والمسؤول السابق في مركز البحوث الاستراتيجية الإيراني لـ DW: "إذا توصلت إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق، وخرجت إيران من حالة العداء مع الغرب، فسيكون عليها اتخاذ خطوات دبلوماسية واقتصادية مهمة لتحسين مكانتها الإقليمية وتعزيز علاقاتها مع جيرانها".
وأوضح دوربيكي أن دول مجلس التعاون الخليجي التي استهدفتها إيران خلال الحرب الحالية لا تُعد، من وجهة نظر طهران، "أطرافًا محايدة"، بل ترى أنها ساهمت بدرجات متفاوتة في الضغوط الموجهة ضدها، سواء من خلال استضافة القوات الأمريكية، أو تقديم الدعم اللوجستي، أو دعم العمليات العسكرية بشكل غير مباشر.
وأضاف أن جيران إيران ، على المدى القصير، قد ينظرون إلى طهران بمزيد من الشك والحذر. وأشار إلى أن تداعيات ذلك لن تقتصر على العلاقات الدبلوماسية فحسب، بل ستمتد أيضًا إلى التجارة والبنية التحتية الإقليمية، فضلًا عن مشاريع النقل والطاقة المستقبلية.
في أواخر أبريل/نيسان، عقد قادة دول مجلس التعاون الخليجي أول اجتماع لهم في المملكة العربية السعودية، بهدف تنسيق ردّ مشترك على الضربات الإيرانية. وبين اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط وإعلان وقف إطلاق النار في 8 أبريل/نيسان، أطلقت إيران أكثر من 4000 صاروخ وطائرة مسيّرة نحو أهداف داخل دول الخليج، جرى اعتراض معظمها.
,رغم تراجع وتيرة هذه الضربات، لا تزال اقتصادات دول الخليج وبنيتها التحتية في وضع هش، في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار في المنطقة. وخلال محادثات مجلس التعاون الخليجي في أبريل/نيسان، حذّرت وزارة الخارجية القطرية من احتمال ظهور "صراع مجمّد" قد يعود للاشتعال "كلما توفرت له أسباب سياسية".
وفي هذا السياق، قالت دولة الإمارات العربية المتحدة إن على إيران وقف هجماتها ضد الدول المجاورة من أجل إتاحة المجال أمام المسار الدبلوماسي للتقدم، فيما حذّرت المملكة العربية السعودية طهران من استهداف المملكة أو أي من دول الخليج. وخلال الحرب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، ساءت علاقات طهران مع بعض الدول التي كانت تدعمها في السابق.
ورغم وجود تنافس، خاصة في أسواق النفط والغاز ، كان هناك نوع من التوازن العملي. ومع تصاعد انعدام الثقة تجاه طهران، قد يدفع ذلك دول الخليج إلى مزيد من التنسيق فيما بينها، وهو ما قد تتجاوز تداعياته السياسة لتشمل التجارة والخدمات اللوجستية والتنمية على المدى الطويل.
يرى رضا عليجاني، المحلل السياسي المقيم في باريس، في حواره مع DW أن القرب الجغرافي بين إيران وجيرانها الخليجيين "سيفرض قدراً من التوافق." ويضاف: "ستبقى الجغرافيا دائماً أقوى من السياسة، فهذه الدول ستظل جيراناً إلى الأبد".
غير أن عليجاني شدد على وجود فرق واضح بين إعادة بناء العلاقات وإعادة بناء الثقة، مشيرًا إلى أن النتيجة الأرجح لن تكون مصالحة حقيقية، بل خفضًا تكتيكيًا لمظاهر العداء العلني.
وأوضح أن المصالح المشتركة، ولا سيما في مجالات صادرات الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي، قد تدفع الطرفين في نهاية المطاف إلى صيغة محدودة من التعايش. لكنه أضاف أن ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء حالة العداء، بل قد يتحول إلى شكل من المنافسة الهادئة تتم إدارتها بحذر.
قامت الجمهورية الإسلامية ببناء جزء كبير من نفوذها في المنطقة على الصواريخ و الطائرات المسيّرة والميليشيات الوكيلة. وقد صُمم هذا الأسلوب لردع الخصوم الأقوى، ولتوسيع النفوذ الإيراني دون الدخول في حرب مباشرة.
وبعد الحرب الحالية، ومع تراجع قدرات بعض وكلاء إيران مثل حزب الله والميليشيات الشيعية في العراق، من المرجح أن تركز الدول العربية بشكل أكبر على الدفاع المشترك، والتنسيق الاقتصادي، وممرات الطاقة والتجارة البديلة، بهدف تقليل تعرضها للضغوط الإيرانية.
ويشير دوربيكي إلى أن الشك المتبادل تجاه طهران قد يدفع الدول العربية وشركاءها إلى تعزيز التعاون التجاري، وهو ما قد يزيد من عزل إيران عن الممرات التجارية الناشئة وخطوط النقل والبنية التحتية المستقبلية للطاقة. ومع ذلك، يرى دوربيكي أنه لا يمكن لأي نظام إقليمي أن يستقر بالكامل ما دامت إيران خارج هذا الإطار بشكل دائم.
ويضيف أن تحقيق تطبيع حقيقي في العلاقات يتطلب تغييرًا جادًا في السياسة الإقليمية لطهران ، واعتماد نهج أقل تصادمية مع الغرب، إلى جانب جهود مستمرة لطمأنه دول الجوار بأن إيران تسعى إلى الاستقرار بدلًا من فرض نفوذها بالقوة. وفي الوقت الراهن، لا تزال الأعمال العدائية مستمرة، فيما يبقى النظام الإيراني في السلطة متمسكًا بسياساته.
أعدته للعربية: ندى عبد الفتاح
تحرير: عارف جابو
المصدر:
DW