في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
على وقع طبول الحرب التي ما فتئت الولايات المتحدة تعبر عن رغبتها مؤخرا في قرعها، وحصار نفطي خانق بلغ مداه، تعيش كوبا، التي تواصل -في المقابل- إعلان التحدي ومقاومة أي حرب محتملة تحت شعار "الوطن أو الموت".
وفي آخر تصريح أمريكي رسمي -أمس الخميس- أكد وزير الخارجية ماركو روبيو أن احتمال التوصل إلى اتفاق مع كوبا عبر التفاوض "ليس كبيرا في الوقت الراهن"، مشددا على أن بلاده ستواصل الضغط على الحكومة الشيوعية في هافانا، وأن خيارات أخرى متاحة أمام الرئيس دونالد ترمب.
ترمب -الذي سبق أن توعد الجزيرة مرارا بالخيارات العسكرية- لوح الأربعاء بـ"تحرير كوبا" ووصفها بـ"الدولة المارقة"، بالتزامن مع توجيه بلاده لائحة اتهام جنائية ضد الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو، الشقيق الأصغر لفيدل كاسترو الذي قاد الثورة الشيوعية في كوبا، على خلفية إسقاط طائرتين مدنيتين عام 1996، في خطوة أثارت غضب هافانا، وجدلا بشأن توقيتها ودلالاتها.
يتزامن ذلك أيضا مع تحريك حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس نيميتز" إلى مياه الكاريبي، وسط انتقادات حادة من الصين وروسيا لأجواء التصعيد.
في المقابل، تلوّح هافانا بالتماسك والتصدي، وكان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل قد حذر -الاثنين الماضي- من أن أي عمل عسكري أمريكي ضد بلاده سيؤدي إلى "مذبحة"، ستكون لها عواقب لا حصر لها على السلام والاستقرار في المنطقة.
لكنْ، إذا صارت الحرب أمرا واقعا، فما الأوراق التي تهدد بها كوبا ضمن مقامرة "الردع غير المتناظر" ضد الولايات المتحدة؟
تسعى الولايات المتحدة -منذ الثورة الكوبية الاشتراكية عام 1961- إلى تغيير النظام في هافانا، عبر سلسلة من الإجراءات التقييدية والعقوبات، غير أن النظام يجد نفسه مؤخرا محاصرا وحيدا، لا سيما بعد اعتقال نيكولاس مادورو رئيس فنزويلا التي كانت تزود كوبا بثلث حاجتها من النفط.
وانقطعت إمدادات النفط عن كوبا مع نهاية يناير/كانون الثاني الماضي بعد العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا، وتهديد ترمب بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط الخام إلى كوبا، وقد نجح هذا التهديد في ترهيب دول كالمكسيك، التي توقفت عن إرسال شحنات النفط، بعدما كانت تزوّد الجزيرة بـ44% من احتياجاتها النفطية.
وتُلقي واشنطن باللوم في الوضع الاقتصادي الذي تواجهه الجزيرة على الحكومة الكوبية، وأدى إلى انقطاع التيار الكهربائي لمدة تصل إلى 22 ساعة، وتفاقُم أسوأ أزمة تشهدها البلاد منذ عقود، مدعية أنها تحتكر موارد البلاد، في حين يطالبها الرئيس الأمريكي بالمبادرة إلى التوصل لاتفاق مع بلاده.
رغم معاناتها الكبيرة من تداعيات الحصار الأمريكي الخانق الذي يترك أثره الكارثي أحيانا على مناحي الحياة كافة، يخلص محللون إلى أن كوبا ليست عاجزة تماما عن الدفاع عن نفسها، مشيرين إلى تعويلها على أوراق إستراتيجية تجعلها أكثر قدرة على الصمود.
1- عقيدة "حرب الشعب": تحويل كل مواطن لجندي
تستند هافانا إلى إستراتيجية عسكرية تُعرف بـ"حرب الشعب"، وتتلخص في تحويل كل مواطن كوبي إلى جندي، والتي تبنتها بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وتقوم على مقاومة الغزو الأجنبي عبر تعبئة جميع السكان المدنيين للانخراط بحرب عصابات، على غرار حرب فيتنام.
وفي إطار استعدادها لهذه الإستراتيجية، كانت وسائل إعلام رسمية كوبية نشرت صورا لمدنيين يتلقون تدريبا عسكريا ضمن تصور "حرب الشعب"، وفق شبكة "سي إن إن"، إذ يجري تدريب كل شخص في كوبا عسكريا ودمجه في نظام الدفاع الوطني.
والجمعة الماضية، أصدرت هيئة الدفاع المدني في كوبا "دليلا عائليا"، يقدّم معلومات "عملية" بشأن "حماية الأرواح في مواجهة هجمات محتملة من العدو"، بحسب ما أفادت به مواقع إلكترونية حكومية.
وعلى الرغم من افتقاره للأسلحة الحديثة، يقدّر خبراء عسكريون بأن الجيش الكوبي لا يزال قادرا على إبداء "مقاومة شرسة" ضد أي هجوم أمريكي بري.
وتنقل "سي إن إن" عن الخبير العسكري هال كليباك قوله "لقد أثبتوا (الكوبيون)، كما رأينا مرارا وتكرارا في الكوارث الطبيعية، قدرتهم على حشد السكان وإخراجهم".
2 – الجغرافيا: قرب كوبا من أمريكا
يشير محللون إلى متغير محوري آخر في معادلة الردع الكوبية، والمتمثل بالجغرافيا، ومجاورة الولايات المتحدة، على بُعد 144 كيلومترا فقط من سواحلها، الأمر الذي سيمكّن هافانا من الوصول إلى المدن الأمريكية وإيذاء سكانها.
ويقول المحلل الأرجنتيني لشؤون أمريكا اللاتينية في معهد إلكانو الملكي في إسبانيا، كارلوس مالامود، إن قرب كوبا من الولايات المتحدة يعني أنها قادرة على الرد على نحو أكبر بكثير من أي تهديد واجهته أمريكا سابقا، سواء في فنزويلا أو إيران.
وينوه مالامود -في حديث للجزيرة- إلى أن أي هجوم على كوبا قد يؤدي لوصول الرد الكوبي إلى المدن الأمريكية، مضيفا "القدرة على إحداث خسائر في صفوف السكان المدنيين، وفي المدن مثل ميامي على سبيل المثال، سيكون أعلى".
ويتفق المدير الكوبي الأمريكي في معهد الدراسات الكوبية بجامعة فلوريدا الدولية، سيباستيان أركوس، مع وجهة النظر السابقة، مشيرا إلى أن كوبا قد تهاجم المراكز المدنية الأمريكية في محاولة لتحويل الرأي العام الأمريكي ضد إدارة ترمب.
3 – الزر النووي الاجتماعي: تفجير قنبلة الهجرة
ولعل من الأوراق المهمة التي تشكل كابوسا أمنيا وسياسيا أمريكيا، وتعول عليها البلاد المحاصرة عند وقوع الصدام، فتح الشواطئ أمام جموع الراغبين في الهجرة إلى الولايات المتحدة، مما سيؤدي إلى إرباك الداخل الأمريكي.
وتصف أستاذة الاقتصاد السياسي لأمريكا اللاتينية في جامعة غلاسكو، هيلين يافي، موجة الهجرة إلى الولايات المتحدة كنتيجة لأي هجوم على الجزيرة بأنها "من أهم التداعيات".
وتضيف للجزيرة أن "أي هجوم على كوبا سيؤدي إلى هجرة جماعية فورية لا يمكن السيطرة عليها، بشكل رئيسي عبر البحر".
وتخلص يافي إلى أن هذه النتيجة وحدها (الهجرة)، يجب أن تجعل واشنطن تتوقف، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني، لا سيما "بالنسبة لرئيس يبني هويته السياسية على معاداة الهجرة".
4 – الحلفاء الأقوياء "روسيا والصين"
ومن الأمور التي ترتكز عليها هافانا في تعزيز صمودها أمام القوة الأمريكية، استنادها إلى خصوم الولايات المتحدة، الصين وروسيا.
وكان موقع أكسيوس نشر تقريرا -الأسبوع الماضي- استند إلى معلومات استخباراتية سرية، أفاد بأن كوبا حصلت على أكثر من 300 طائرة مسيّرة عسكرية، وبحثت خططا لاستخدامها في مهاجمة القاعدة البحرية الأمريكية في خليج غوانتانامو، إلى جانب سفن عسكرية أمريكية في كي وست بولاية فلوريدا، دون أن يشار إلى الجهة المزودة.
بيد أن مسؤولا أمريكيا رفيع المستوى أوضح للموقع أن المسؤولين الكوبيين سعوا خلال الشهر الماضي إلى الحصول على مزيد من الطائرات المسيّرة والمعدات العسكرية من روسيا.
وأشار إلى أن روسيا والصين تملكان مرافق تجسس متطورة في كوبا لرصد الإشارات الإلكترونية والاتصالات وتحليلها، بهدف الحصول على معلومات استخبارية.
وحول الإجراء الأمريكي الأخير، والمتمثل بتوجيه اتهامات جنائية إلى الرئيس الكوبي السابق كاسترو، أعلنت بكين أنها "تدعم كوبا بقوة".
أما في موسكو، فقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف: "نرى أنه لا يجوز -تحت أي ظرف- استخدام أساليب مماثلة تدنو من العنف ضد رؤساء دول سابقين أو حاليين".
في المقابل، تكمن المفارقة في الفجوة العميقة بين أدوات الصمود العسكري وتجربة هافانا في خوض حروب استنزاف طويلة ومكلفة للولايات المتحدة، وبين الواقع المرير على الأرض، جراء الحصار الأمريكي غير المسبوق، مما يثير الشكوك بشأن مصير أي مواجهة عسكرية.
ويقول وزير الطاقة والمناجم الكوبي فيسنتي دي لا أو ليفي إن بلاده لم يعد لديها أي مخزون من النفط الخام أو الوقود، نتيجة الحظر النفطي الأمريكي.
ويحذر من أن مخزونات النفط الخام والبنزين والديزل قد نفدت كليا، مشيرا إلى أن البلاد تعتمد حاليا على الغاز الطبيعي المنتج محليا فقط، وأن أزمة الطاقة أدت إلى انقطاعات كهربائية في بعض مناطق العاصمة هافانا وصلت إلى 22 ساعة يوميا.
ووفق مراقبين، فإن كوبا تمرّ بمسار سبق أن انتهجته الولايات المتحدة في دول عدة، بينها العراق الذي واجه حصارا امتد 13 عاما، حُرم خلاله العراقيون من إمدادات الغذاء والدواء، وانتهى بغزو البلاد في عام 2003، وهو ما تسبب في وفاة مليون ونصف مليون عراقي، بحسب بعض التقديرات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة