آخر الأخبار

بين الغرور وحفظ ماء الوجه.. حرب إيران تبحث عن مخرج

شارك

تبدو إدارة دونالد ترمب، كما ترسمها صحف أمريكية وبريطانية، كمن يبحث عن باب خروج من حرب بدأها بخطاب الحسم وانتهى بها إلى مفاوضات مثقلة بالشروط.

فبعد القصف والحصار وتهديدات استئناف الضربات، باتت واشنطن تتحدث عن مذكرة من صفحة واحدة تنهي الأعمال العدائية مع إيران، وتفتح مفاوضات تمتد 30 يوما بشأن البرنامج النووي والعقوبات ومضيق هرمز.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 الرئيس الإيراني يكشف عن لقاء مع المرشد مجتبى خامنئي
* list 2 of 3 كيف تأثرت حركة الطيران العالمية باضطرابات الشرق الأوسط؟
* list 3 of 3 روسيا تتوعد أوكرانيا بضربات "انتقامية" وتحذر السفارات في كييف end of list

ولا تبحث الإدارة هنا عن اتفاق تقني فحسب، بل عن صيغة تحفظ ماء وجهها: كيف يعلن ترمب أنه انتصر وأجبر طهران على التراجع، من دون أن يبدو كمن يتراجع عن حرب لم تنتج خاتمة واضحة؟

بحسب صحيفة "هيل" الأمريكية، تعمل الولايات المتحدة وإيران على مذكرة أولية تضع إطارا لمفاوضات لاحقة بشأن البرنامج النووي، وتشمل تجميد تخصيب اليورانيوم، وتخفيف العقوبات، والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة، ورفع القيود المتبادلة على حركة العبور في مضيق هرمز.

أما صحيفة تايمز البريطانية فتصف الخطة بأنها مقترح من 14 نقطة يتيح لترمب إعلان نهاية الحرب، لكنه يرحّل التفاصيل الأشد تعقيدا إلى فترة تفاوض لاحقة.

ووفق الصحيفة، فإن الخطة تتطلب تنازلات من الطرفين: وقفا طويلا للتخصيب من جانب إيران، وتخفيفا تدريجيا للعقوبات من جانب واشنطن، وعودة الملاحة في هرمز على مراحل.

مصدر الصورة تقرأ صحف غربية الصفقة المحتملة مع إيران بوصفها محاولة لصناعة مخرج سياسي قابل للتسويق داخليا (الفرنسية)

مخرج مؤجل

تقول "هيل" إن مدة وقف التخصيب لا تزال موضع تفاوض؛ إذ تحدثت مصادر نقلت عنها أكسيوس عن مدة لا تقل عن 12 عاما، بينما رجّح مصدر آخر أن تبلغ 15 عاما، وتضيف الصحيفة أن إيران تملك مخزونات من اليورانيوم المخصب حتى 60%، في حين يتطلب تصنيع السلاح النووي تخصيبا بنسبة 90%.

وتنقل تايمز أن إيران اقترحت وقفا لخمس سنوات، بينما طالب المفاوضون الأمريكيون بما لا يقل عن 20 عاما مع عمليات تفتيش مفاجئة، ما فتح الباب أمام تسوية وسطية بين 12 و15 عاما. كما تشير الصحيفة إلى أن النقاش يشمل مصير اليورانيوم المخصب الموجود لدى إيران، إذ تريد واشنطن إخراجه من البلاد، بينما قد ينتهي به الأمر في دولة ثالثة.

إعلان

هكذا يبدو المخرج المطروح أقرب إلى إطار سياسي عاجل منه إلى اتفاق مكتمل. فهو يمنح ترمب إعلانا يحتاجه، لكنه يترك وراءه أسئلة مؤجلة حول مدة التخصيب، والتفتيش، والمخزون النووي، وحدود رفع العقوبات.

مصدر الصورة تحتاج طهران إلى صيغة لا تبدو كاستسلام كامل، بينما تريد واشنطن اتفاقا يسمح لترمب بإعلان النصر (رويترز)

غرور يضيّق الطريق

لكن هذه الصيغة الأمريكية لحفظ ماء الوجه تصطدم بعقبة ترصدها صحيفة بوليتيكو الأمريكية: شخصية ترمب وخطابه، فالصحيفة تنقل عن مسؤولين عرب وأمريكيين أن إهانات الرئيس المتكررة لقادة إيران وتهديداته العلنية قد تعقّد الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب فعلا.

وتنقل بوليتيكو عن مسؤول خليجي كبير مطلع على محادثات السلام قوله إن ترمب "يريد بشدة" إنهاء الحرب، لكن الإيرانيين لا يمنحونه حتى الآن ما يحتاجه لحفظ ماء وجهه والخروج، بينما لا يبدو أنه يدرك أنهم يحتاجون إلى حفظ ماء وجههم أيضا.

وهنا تصبح المسألة مزدوجة: واشنطن تريد صيغة تمكّن ترمب من إعلان النصر، وطهران لا تستطيع توقيع ما يبدو في الداخل الإيراني كاستسلام صريح تحت القصف والحصار. وتقول بوليتيكو إن حفظ الكرامة ليس تفصيلا هامشيا في أي تفاوض، لكنه أكثر حساسية في الحالة الإيرانية لأسباب سياسية وثقافية وداخلية.

ويحذر مايكل راتني، السفير الأمريكي السابق لدى السعودية، كما تنقل بوليتيكو، من أن الأفضل كان أن يلتزم ترمب الصمت بينما يتولى مبعوثوه التفاوض. لكن الصحيفة تذكّر بأن هذا ليس أسلوبه؛ فقد وصف مسؤولين إيرانيين بعبارات مهينة، وهدد بإنهاء "حضارة" إيران، وكرر القول إن الولايات المتحدة هزمت إيران بالفعل.

تفاصيل ملغومة

على الضفة الأخرى، تعرض هيئة تحرير صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، في افتتاحية ذات نبرة "صقورية" تجاه إيران، رؤية أكثر تشددا لما ينبغي أن يكون عليه الاتفاق. فالصحيفة ترى أن طهران ستفضّل إبقاء الصياغات غامضة ثم إطالة التنفيذ، ولذلك تطالب بأن يتضمن أي إطار أولي تفاصيل حاسمة لا تترك، وفق تعبيرها، مجالا للمراوغة.

وتقول هيئة التحرير إن الخطوط الأمريكية الحمراء ينبغي أن تشمل تعهد إيران بألا تسعى إلى سلاح نووي، وتفكيك منشآت فوردو ونطنز وأصفهان، وحظر العمل النووي تحت الأرض، وعمليات تفتيش عند الطلب، ووقف تخصيب اليورانيوم لمدة 20 عاما، وتسليم كل المواد النووية المخصبة.

وتذهب الافتتاحية إلى أن تفكيك البنية النووية أهم من أي "تجميد" للتخصيب، انطلاقا من تقديرها أن إيران لا تحتاج تخصيبا محليا إلا إذا كانت تريد سلاحا نوويا. كما تشدد على أن المخزون الإيراني لا يقتصر على اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، بل يشمل أيضا 20% ونسبا أدنى قد تمنح طهران، في قراءة الصحيفة، قاعدة لاستئناف برنامجها لاحقا.

وتستند وول ستريت جورنال في جزء من طرحها إلى تصريح لمدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، قال فيه للصحيفة إن نسبة 60% أولوية واضحة، لكن 20% مهمة أيضا، وإن كمية كبيرة من اليورانيوم المخصب بنسبة 5% قد تتطلب معالجة محددة، سواء بنقلها إلى الخارج أو خفض تخصيبها.

وهنا تتضح المفارقة: فكلما احتاج ترمب إلى اتفاق سريع يعلن به نهاية الحرب، دفعته الأصوات الصقورية في واشنطن نحو اتفاق مفصل وصلب لا يترك لطهران مساحة للغموض. وبين الحاجة السياسية إلى إعلان النصر والحسابات الأمنية التي تطرحها هذه الأصوات، تتسع الفجوة بين مخرج إعلامي سريع واتفاق قادر على الصمود.

مصدر الصورة أصبح فتح مضيق هرمز بندا مركزيا في أي تسوية، بعدما رفعت القيود والتوترات البحرية أسعار النفط والوقود عالميا (غيتي)

هرمز والعقوبات

لا يقتصر الاتفاق، وفق هذه التغطيات، على الملف النووي. فـ"هيل" وتايمز تبرزان أن فتح مضيق هرمز أصبح بندا مركزيا لا يقل أهمية عن التخصيب. فالمضيق، كما تذكّر "هيل"، تمر عبره عادة نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، وقد أدت القيود الإيرانية والألغام والتوترات البحرية إلى رفع أسعار النفط والوقود في الولايات المتحدة.

إعلان

وتقول تايمز إن المحادثات تركز على إعادة فتح المضيق تدريجيا خلال 30 يوما مع تحسن الثقة. لكنها تضيف أن انهيار التفاوض سيعيد للولايات المتحدة حق فرض حصارها البحري، ما يعني بقاء القوات الأمريكية في المنطقة طوال فترة التفاوض على التفاصيل.

أما العقوبات، فتظهر في تقارير "هيل" وتايمز بوصفها المقابل الأكبر الذي يمكن أن تحصل عليه طهران. فالمذكرة المقترحة تتضمن رفعا تدريجيا للعقوبات والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول المجمدة، بينما تقول تايمز إن التخفيف قد يشمل قطاعات الطاقة والمال والتجارة والشحن والطيران والعلوم، بشرط تحقق محطات محددة.

مصدر الصورة تطالب وول ستريت جورنال بأن يشمل أي اتفاق تفكيك منشآت فوردو ونطنز وأصفهان (أسوشيتد برس)

نصر أم استراحة؟

تلتقي هذه القراءات عند أن الاتفاق المطروح، إن أُنجز، لن يكون نهاية بسيطة للحرب، بل محاولة أمريكية لصناعة مخرج قابل للتسويق داخليا. فترمب يريد أن يقول إنه أجبر إيران على التراجع أكثر مما فعل باراك أوباما في اتفاق عام 2015، وأنه أنهى الحرب من موقع قوة لا من موقع العجز.

وتقول تايمز إن ترمب سيحرص على إظهار أي اتفاق جديد بوصفه مختلفا تماما عن اتفاق أوباما، بعدما وصف ذلك الاتفاق بأنه "الأسوأ في التاريخ". وقد يحاول، بحسب الصحيفة، القول إنه لم يمنح طهران أموالا مباشرة، رغم أن تخفيف العقوبات قد يكون أكثر قيمة إذا ضغط على الغرب لاتباع المسار نفسه.

أما بوليتيكو فتضيف أن أي مخرج أمريكي، مهما صيغ بوصفه انتصارا، يحتاج إلى أن يترك للإيرانيين رواية لا تبدو استسلاما كاملا. وهنا تكمن عقدة التفاوض: واشنطن تريد حفظ ماء وجهها بعد حرب يصعب إطالتها بلا كلفة، وطهران تريد تخفيف الضغط من دون توقيع وثيقة إذعان.

في المحصلة، تبدو "صفقة الصفحة الواحدة" أقل اتفاق سلام مكتملا من محاولة لتجميد الحرب في صورة انتصار. فإذا جاءت البنود غامضة كما تخشى وول ستريت جورنال، أو واصل ترمب خطاب الإهانة كما تحذر بوليتيكو، أو رُحّلت التفاصيل الجوهرية كما تلمح تايمز و"هيل"، فقد لا تنهي الصفقة الحرب بقدر ما تمنحها اسما جديدا: هدنة تحفظ ماء وجه واشنطن مؤقتا، وتؤجل الانفجار إلى جولة أخرى.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا