آخر الأخبار

مباراة أعصاب بين ترمب ونتنياهو.. من يفرض إيقاع المرحلة؟

شارك

بينما كانت تل أبيب تترقب "انفراجة دبلوماسية" يضع بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قدمه في قلب العاصمة واشنطن، تحوّل المشهد فجأة إلى سلسلة من النفي المتسارع والارتباك البروتوكولي، الذي كشف عن تصدعات أعمق مما تبدو عليه في العلاقة مع البيت الأبيض.

خلف الكواليس، لم تعد المعادلة بين ترمب ونتنياهو تقتصر على "التحالف الإستراتيجي" المعتاد، بل تحولت إلى ما تصفه المصادر المطلعة بـ"مباراة أعصاب صامتة"، حيث تتصادم رغبة نتنياهو في البقاء بمركز الصورة مع إستراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الجديدة القائمة على إدارة المشهد بمفرده.

بين طموحات "القمم الثلاثية" التي أجهضتها الحساسيات الإقليمية، وبين "لهجة آمرة" غير مسبوقة بدأت تصدر من حسابات ترمب الشخصية لتضع خطوطا حمراء جديدة أمام التحركات الإسرائيلية، يبرز تساؤل جوهري: هل ضاق "رجل الصفقات" الأمريكي ذرعا بضغوط حليفه الأقرب؟ وما الذي دفع البيت الأبيض لإزاحة نتنياهو عن "المشهد" في أكثر اللحظات الإقليمية حرجا؟

في هذا التقرير، نستعرض كواليس القمة المتعثرة، وأسرار الفيتو الإقليمي الذي أطاح بخطط نتنياهو، وصولا إلى التحول المفاجئ في "لغة الخطاب" التي صدمت أروقة القرار في إسرائيل.

مصدر الصورة ترمب كان يطمح لأن تكون القمة مدخلا لتسوية إقليمية شاملة (رويترز)

القمة المتعثرة

تحول الحديث عن زيارة نتنياهو إلى واشنطن من انفراجة دبلوماسية محتملة إلى أزمة إعلامية استدعت استنفارا من مكتبه، فبعد يوم حافل بالتلميحات، بدأ بحديث محاميه عميت حداد عن رحلة سياسية مرتقبة، سارع مكتب نتنياهو لنفي الخبر جملة وتفصيلا، مؤكدا أن التواصل مع الرئيس ترمب يتم "هاتفيا بوتيرة عالية"، في محاولة واضحة لإطفاء نيران التسريبات التي أحرجت الطرفين.

هذه التقديرات لم تكن وليدة الصدفة، إذ استندت إلى حراك جدي داخل البيت الأبيض يقوده ترمب شخصيا، ووفقا لصحيفة معاريف كان هناك تخطيط لقمة ثلاثية تجمع ترمب ونتنياهو والرئيس اللبناني جوزف عون، في محاولة لكسر الجمود التاريخي المستمر منذ عام 1983.

إعلان

ترمب، الذي يسعى دائما لتحقيق "اختراقات كبرى"، كان يطمح لأن تكون هذه القمة -التي حُدد لها تاريخ تقريبي حول 11 مايو/أيار- مدخلا لتسوية إقليمية شاملة، مستغلا تمديد وقف إطلاق النار في لبنان لثلاثة أسابيع كأرضية صلبة للانطلاق نحو الهدف.

ويرافق ذلك سقف توقعات مرتفع لنتنياهو الذي ناقش بجدية احتمال سفره إلى واشنطن بعد عيد الاستقلال في جلسة " الكابينت"، مما يؤكد أن الزيارة كانت مطروحة على الطاولة بالفعل.

إلا أن الحساسية السياسية المفاجئة، والضغوط التي يتعرض لها الأطراف، خاصة الجانب اللبناني والبرود الذي طرأ على علاقة ترمب بنتنياهو مؤخرا، حوّلت الزيارة من مناورة سياسية قوية إلى توقيت غير مناسب، مما دفع بمكتب رئيس الوزراء إلى التراجع والإنكار لحماية ما تبقى من فرص دبلوماسية مستقبلا.

وفي الساحة اللبنانية يبدو المشهد أكثر تعقيدا، ترمب كان يطمح لتحقيق "خبطة" دبلوماسية كبرى بجمع نتنياهو وعون في البيت الأبيض.

هذا اللقاء الذي اعتبره ترمب تاريخيا يمثل خطرا قاتلا للرئيس اللبناني، ففي لبنان، يُعتبر الجلوس علنا مع رئيس وزراء إسرائيلي انتحارا سياسيا، وقد يعرّض حياة عون للخطر الجسدي أيضا بسبب التوازنات الداخلية والضغوط، لا سيما من القوى المعارضة للتطبيع، وفقا للصحيفة.

مصدر الصورة مصادر صحيفة معاريف وصفت العلاقة بين ترمب ونتنياهو بـ"مباراة أعصاب"(رويترز)

تقليص الحضور الإسرائيلي

إلى جانب ذلك، يدور في الأيام الأخيرة في إسرائيل وواشنطن حديث متزايد عن برود يسود علاقة ترمب بنتنياهو، على خلفية الحرب ضد إيران، ونقلت صحيفة معاريف عن مصادر مطلعة قولها إن موقف ترمب المؤيد لإسرائيل لم يتغير جوهريا، لكنّ الرئيس يرغب الآن في خفض سقف التوقعات في كل ما يتعلّق بإسرائيل، وبالأخص نتنياهو.

وفقا للتقديرات، توقع ترمب أن تسفر المعركة ضد إيران عن نتيجة أسرع وأوضح، لا سيما زعزعة النظام في طهران، ومع الوقت زادت رغبته في تقديم الهدف كمصلحة أمريكية مستقلة، وليس كحرب وجدت واشنطن نفسها في قلبها وبضغط إسرائيلي.

بالنسبة لترمب، فإن "آخر شيء يحتاجه الآن هو المزيد من الصور مع نتنياهو في واشنطن"، وهذا أيضا ما قاله المصدر لمعاريف، مما يعكس إستراتيجية الهروب من العدسات لإعادة صياغة الحدث، حيث يصر ترمب على أن يظهر التحرك ضد طهران كـ"حدث أمريكي خالص" تمليه المصالح القومية للولايات المتحدة، وليس كمشروع إسرائيلي دُفعت إليه واشنطن بضغط من نتنياهو.

التقديرات تشير إلى أن ترمب الآن لا يميل للاعتراف بدوره في أن الخطوة لم تؤدِّ حتى الآن إلى حسم سريع، ويفضّل في هذه المرحلة تقليص الحضور الإسرائيلي حول الحدث.

والمؤشرات حول ذلك بدأت تتزايد، ومن ضمنها استخدام الأكراد كقوة زعزعة من الداخل وهي جزء من الخطة الإسرائيلية الأصلية التي عُرضت على الرئيس ترمب ولاقت رفضا كبيرا من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وأمام هذا الرفض، وازن ترمب مصالحه مع الحليف التركي مقابل الطموح الإسرائيلي، وقام بوقف الخطوة، وهو ما شكّل ضربة للإستراتيجية التي كان نتنياهو يراهن عليها لتحقيق حسم سريع في طهران.

إعلان

وفي محاولة لتفسير هذا التحول، نقلت صحيفة "معاريف" عن مصدر مطلع قوله إن "ترمب لا يحب أن يكون عالقا"، فبعد أن بنى توقعاته على حسم سريع وخاطف للملف الإيراني، وجد نفسه أمام مواجهة ممتدة ومعقّدة.

نتنياهو خارج اللعبة

يعتقد ترمب أن التعرّض المفرط للعلاقة مع نتنياهو في هذا التوقيت قد يمنح منتقديه في الداخل ذخيرة، خاصة الذين يعتقدون أن لا مصلحة مباشرة لواشنطن في الحرب، ورغم استمرار العلاقة -التي يؤكد المكتب أنهما يتحدثان بوتيرة عالية- فإن علنيتها أصبحت حساسة بشكل خاص، وعلى خلفية ذلك، يتلقى نتنياهو انتقادات.

وترى المصادر أن العلاقة بينهما تحوّلت إلى "مباراة أعصاب"، وهو ما يمثل نقطة ضعف لنتنياهو في هذه المرحلة، إذ كان من المفترض أن يقلّص ظهوره وينتظر التطورات، لكنه يسعى للبقاء في صدارة المشهد.

وفي ظل ظهور علامات ضائقة داخلية في إيران تتمثل في النقص والضغط الاقتصادي، يبرز السؤال حول "من سينكسر أولا".

وترى تلك المصادر أن هذه اللحظة تحديدا قد يضر فيها أي نشاط زائد، حيث قال أحد المصادر: "أرئيل شارون كان سيقف مكتوف الأيدي الآن"، مؤكدا أن هذا الصمت أو عدم الفعل هو بالضبط ما يصعب على نتنياهو القيام به.

مصدر الصورة الخلافات بين ترمب ونتنياهو بدأت تظهر بشكل أكبر خاصة بشأن الحرب على إيران (الجزيرة)

لقد طفح الكيل

بدأ ترمب باستخدام لهجة مختلفة تُستخدم عادة مع الخصوم لا مع الحلفاء المقربين، مما يشير -وفقا لمحللين- إلى أن الخلاف لم يعد تقنيا بقدر ما كان صدمة من تغير لهجة الرئيس ترمب، فبينما نص الاتفاق المكتوب على حق إسرائيل في " الدفاع عن النفس"، اختار ترمب استخدام لغة آمرة وحازمة لم تعهدها الحكومات الإسرائيلية مع أي إدارة أمريكية سابقة.

وقال: "إسرائيل لن تقصف لبنان بعد الآن. إنهم ممنوعون (PROHIBITED) من القيام بذلك من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. لقد طفح الكيل".

وقد أُصيب نتنياهو ومستشاروه بالصدمة من منشور ترمب، الذي تعارض مع نص اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، إذ يحمل المنشور دلالة على أنه يصدر أمرا، وليس أمام إسرائيل أي خيار سوى الانصياع له، وقالت المصادر إن نتنياهو أُصيب بالذهول والقلق بشكل شخصي عندما علم بالمنشور.

وفي مقابلة مع "أكسيوس"، كرر ترمب رغبته في إنهاء الضربات الإسرائيلية على لبنان، قائلا: "على إسرائيل أن تتوقف. لا يمكنهم الاستمرار في تفجير المباني. لن أسمح بذلك".

بهذه التصريحات، أُصيب نتنياهو ومسؤولوه بالهلع، وسارع السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر بالتحرك بسرعة لفهم ما إذا كانت الولايات المتحدة قد غيّرت مسارها، ووجّه المسؤولون الإسرائيليون أسئلة للبيت الأبيض عن توضيح، وشددوا على أن تعليق ترمب يتناقض مع الاتفاق.

مصدر الصورة نتنياهو يعتمد على الحرب ضد إيران وصورته مع ترمب للهروب من تهم فساد (غيتي)

لمن الكلمة؟

توصف العلاقة بأنها "ثنائي غريب" تتأرجح بين الدعم المطلق والتوتر الصامت، وبينما يروّج نتنياهو لترمب كأكبر داعم تاريخي لإسرائيل، أجبره ترمب على قبول تنازلات قاسية، مثل إشراك السلطة الفلسطينية في حكم غزة، وقبول دور لقطر وتركيا، والموافقة على مسار مستقبلي لدولة فلسطينية.

ونجح نتنياهو في جرّ ترمب للعمل العسكري بعد أن كان يُفضّل الحل التفاوضي، واستخدم نتنياهو تكتيك "الأمر الواقع" بإظهار أن الهجوم الإسرائيلي حتمي، مما دفع ترمب للتدخل بالقوة الأمريكية لضمان النجاح وتجنب انفراد إسرائيل بالقرار.

كما أظهر ترمب سطوة غير تقليدية، حيث أمر بوقف القصف الإسرائيلي عبر "وسائل التواصل الاجتماعي" أثناء تحليق الطائرات، واستجاب نتنياهو بإعادتها.

يعتمد نتنياهو على الحرب ضد إيران وصورته مع ترمب لإعادة تعويم نفسه سياسيا والهروب من تهم الفساد وإخفاقات 7 أكتوبر، ويسعى لاستثمار "نشوة النصر" العسكري للدعوة لانتخابات مبكرة (ربما في يونيو/حزيران المقبل)، مراهنا على أن التحالف مع ترمب هو الورقة التي لا يمكن لأي منافس إسرائيلي آخر امتلاكها.

إعلان

وصل الدعم إلى حد مطالبة ترمب بمنح نتنياهو "عفوا استباقيا" عن تهم الفساد، وهو ما يعزز صورة ترمب كـ"بطل" في نظر اليمين الإسرائيلي، لدرجة أن البعض يراه "رئيسا لإسرائيل".

العلاقة هي "مباراة أعصاب" ومقامرة كبرى، فإما أن تكون الحرب في إيران هي الفصل الذي ينقذ مسيرة نتنياهو السياسية للأبد بفضل دعم ترمب، أو تكون الفصل الأخير في حياته المهنية إذا لم تترجم الإنجازات العسكرية إلى أغلبية برلمانية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا