لم يذهب الملك تشارلز الثالث إلى واشنطن بصفته خصما سياسيا للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ولم يكن في وسعه، بحكم موقعه وتقاليد الملكية البريطانية، أن يخوض معه سجالا مباشرا.
لكن القراءة التي قدمتها عدة صحف أمريكية لخطابه أمام الكونغرس ولمحطاته العلنية في البيت الأبيض، تلتقي عند خلاصة واحدة، وهي أن الملك لم يذكر الرئيس بالاسم ولم يهاجمه صراحة، ولكنه دسّ في خطابه سلسلة رسائل مهذبة بدت، في مجموعها، أقرب إلى توبيخ بروتوكولي رفيع لرئيس أمريكي يهز -في نظر كثيرين- أسس التحالف الأطلسي وقواعد الحكم التقليدية.
أكثر ما لفت الصحف الأمريكية لم يكن ما قاله تشارلز عن التاريخ المشترك والمصالحة القديمة بين البلدين، بل اختياره أن يذكّر من داخل الكونغرس، بأن السلطة التنفيذية تخضع لضوابط وتوازنات.
فبحسب واشنطن بوست، تعمّد الملك أن يظل فوق الاستقطاب الحزبي، لكنه رسم صورة لدور أمريكا في العالم تناقض في جوهرها ما يدفع إليه ترمب، فأشار إلى قضاء مستقل ومؤسسات متوازنة ومجتمعات متنوعة تُعدّ مصدر قوة لا موطن ضعف.
أما بوليتيكو ، فرأت أن استدعاء "الماغنا كارتا" لم يكن تفصيلا تاريخيا بريئا، بل تذكيرا واضحا بأنه، حتى الملك نفسه ليس فوق القانون، في لحظة يتهم فيها خصوم ترمب الرئيس بتوسيع السلطة التنفيذية على حساب المؤسسات الأخرى.
وفي السياق نفسه، رأت نيويورك تايمز أن تشارلز دسّ هذه الرسائل داخل خطاب اتسم بالخفة والانضباط، لكنه لم يترك كثيرا من الشك في دلالتها.
ولم تقف الرسالة عند الداخل الأمريكي، إذ مضى الملك -حسب واشنطن بوست وبوليتيكو- إلى ما هو أبعد حين شدد على أن "عزما لا يلين" ما يزال مطلوبا للدفاع عن أوكرانيا، وذكّر بأن الناتو فعّل المادة الخامسة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، في رد غير مباشر على استخفاف ترمب المتكرر بالحلفاء الأوروبيين وتلميحاته إلى أن الحلف لم يعد يؤدي ما يكفي للولايات المتحدة.
وقرأت وول ستريت جورنال هذا الجزء من الخطاب بوصفه نداء مواربا للرئيس الأمريكي كي لا يدير ظهره للتحالف عبر الأطلسي، ولا للعلاقة الخاصة مع بريطانيا، في لحظة تتزايد فيها المخاوف في لندن من مزاج أمريكي أكثر انعزالا وأقل اكتراثا بأوروبا.
أما نيويورك تايمز، فلاحظت أن تشارلز ذهب أبعد من ذلك حين استعاد خدمته القديمة في البحرية الملكية، بعد أسابيع من تهوين ترمب من القدرات العسكرية البريطانية، وكأنه يرد بلطف على ما عدّته لندن إهانات علنية متكررة.
ويكتسب هذا كله وزنه لأن الزيارة لم تأت في لحظة صفاء، بل في وقت وصفته الصحف الأمريكية بأنه من أكثر أوقات العلاقة الأنجلو-أمريكية توترا منذ عقود.
فبحسب نيويورك تايمز، ما تزال لندن غاضبة من ضغوط ترمب على بريطانيا للانخراط في الحرب على إيران، كما لم ينس البريطانيون هجماته المتكررة على رئيس الوزراء كير ستارمر ولا سخريته من حاملات الطائرات البريطانية.
وفي الاتجاه نفسه، أشارت وول ستريت جورنال إلى أن بريطانيا لا ترى في زيارة الملك مجرد احتفال بمرور 250 عاما على الاستقلال الأمريكي، بل محاولة دبلوماسية لاستثمار مكانة التاج في تليين موقف رئيس معروف بولعه بالملكية والرمزية والاستعراض.
ولهذا لم يكن تشارلز، في نظر هذه القراءات، يحتفي بالعلاقة الخاصة بقدر ما كان يحاول ترميمها أو على الأقل الحيلولة دون مزيد من تآكلها.
وحتى حين استعاد الملك خلال عشاء الدولة أزمة السويس عام 1956 بوصفها "لحظة صعبة" في العلاقة، قرأت الصحف ذلك على أنه تلميح محسوب إلى أن هذه الشراكة عرفت من قبل أزمات عميقة، وأنها تعيش اليوم أزمة جديدة وإن اختلفت اللغة والظروف.
وكانت المفارقة أن ترمب نفسه لم يظهر امتعاضا علنيا من الكلمة، بل سارع إلى الإشادة بها، إذ نقلت واشنطن بوست وديلي بيست أن الرئيس وصف خطاب تشارلز بأنه "رائع"، وقال بنبرة امتزج فيها المزاح بالغيرة، إن الملك نجح في جعل الديمقراطيين يقفون له، وهو ما لم ينجح هو نفسه في تحقيقه.
لكن هذه الحفاوة لم تمحُ -في نظر الصحف- ما انطوى عليه الخطاب من رسائل مضادة، لأن التصفيق الحار من الحزبين لم يكن مجرد تحية لملك زائر، بل استجابة أيضا لمفردات مثل أوكرانيا والناتو وقيود السلطة، وهي جميعها عناوين يعرف الحاضرون أنها تقع في صلب الخلاف مع البيت الأبيض.
ولهذا بدا تشارلز -في نظر بعض المعلقين- كمن استعمل رصانة التاج ووقار المناسبة ليقول ما لا يقوله الساسة البريطانيون عادة من هذا الموقع، وعلى هذا المسرح.
وفي المحصلة، لم يكن خطاب تشارلز مواجهة صريحة مع ترمب، ولا خروجا فظا على تقاليد الملكية البريطانية، بل كان شيئا أكثر براعة، كان رسالة كاملة قيلت بلغة لا تجرح ظاهرا ولكنها لا تخفي مقصدها.
فمن داخل الكونغرس، وفي لحظة احتفاء رسمية مشبعة بالرموز، أعاد الملك التذكير بأوكرانيا، وبالناتو، وبالمؤسسات، وبالعلاقة عبر الأطلسي، واضعا أمام الرئيس الأمريكي سردية أخرى لما ينبغي أن تكون عليه أمريكا في العالم، ولهذا لم يبدُ في أعين كثيرين ضيفا يجامل مضيفه، بل ملكا يوبخه بأدب.
وفي هذا تحديدا تكمن قوة الزيارة لدى كثير من المراقبين، مع أنها لم تصلح كل شيء، وربما لن تصلح شيئا على المدى الطويل، ولكنها نجحت -ولو ليوم واحد- في أن تذكّر واشنطن بما تحاول بعض دوائرها نسيانه، من أن "العلاقة الخاصة" لا تقوم على الولائم والابتسامات وحدها، بل على تحالفات وقيم ومؤسسات، وأن الملك، وهو يمازح ويستدعي التاريخ، كان يقول لترمب من غير أن يسميه: "لا تدع ما صنع هذه الشراكة ينهار".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة