في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة- لم يكن اتصالا عاديا، فالرقم الذي ظهر على شاشة هاتفه يعود لوالده المفقود منذ 814 يوما. تجمّد محمد في مكانه، ويداه ترتجفان، وتساءل وهو يحدّق في الشاشة: "أهذه أخيرا نهاية الغياب؟".
لكن الأمل تلاشى سريعا؛ فما إن ردّ على الاتصال، حتى جاءه صوت رجل غريب يقول: "عثرنا على هذا الهاتف داخل بنطال جثة متحلّلة. تعالوا إلى مستشفى ناصر للتحقق إن كانت لشخص معلوم لديكم".
في تلك اللحظة، أدرك محمد أن المكالمة لم تحمل بشارة، بل طوت سؤالا ظلّ يطارده لعامين.
مقتنيات الشهيد إسماعيل الحدّاد الذي انتُشل جثمانه من جوار خيمة في خان يونس بعد فقد 814 يوما (الجزيرة)
وقبل ساعات من الاتصال بمحمد، كان أحد النازحين يصلح خيمته قرب دوّار أبو علاء غرب خان يونس، حين ظهرت ملابس تغطي عظاما بشرية مدفونة قرب الخيمة. وفي جيب البنطال وُجد هاتف لا يعمل، فنقل المختصون بطاقة الاتصال إلى جهاز آخر، ليظهر اسم: محمد إسماعيل الحدّاد.
تواصلت الجزيرة نت مع محمد، الذي روى ما حدث معه لحظة وصوله إلى مشرحة مستشفى ناصر.
لبرهة وقف محمد متسمّرا أمام الجثمان، وأخذ ينظر إلى السّترة السوداء المهترئة، وإلى الكوفية الحمراء، والحذاء الذي ما زالت تفاصيله تتضح رغم تعفّنه؛ كانت هذه الملابس آخر ما ارتداه والده يوم اختفى. ويقول: "مددتُ يدي إلى الجيب الداخلي للسترة التي كان يرتديها والدي، فوجدت هويته تحمل اسمه بخط واضح، عندها انتهت كل الشكوك".
واختفى الستيني إسماعيل الحدّاد في 23 يناير/كانون الثاني 2024، أثناء خروجه من منطقة مواصي خان يونس إلى منزله القريب من مستشفى ناصر، ليقنع ابنه بمغادرة المنطقة بعد اقتراب قوات الاحتلال الإسرائيلي واشتداد القصف. إذ انقطع الاتصال معه في منتصف الطريق، ومنذ ذلك اليوم عاشت العائلة 814 يوما من انتظار مُنهِك، بلا معلومة ولا أثر ولا إشارة حياة.
وعلى مدار نحو 27 شهرا، طرقت العائلة كل الأبواب، وتواصلت مع محامين أكدوا أن اسمه لا يظهر في أي من قوائم المعتقلين في السجون الإسرائيلية. ورغم يقينها بأن اسم إسماعيل لم يرد في أي قائمة، ظلّ الأمل حيا لدى العائلة، فغياب الجثمان كان يترك بابا صغيرا للنجاة مفتوحا.
لكن حين وقف محمد أمام الجثمان، وأمسك هوية والده بيده، أدرك أن الرحلة الطويلة انتهت أخيرا؛ لتنتقل حكاية والده من خانة "المفقود" إلى خانة "الشهيد معروف المصير".
محمد الحدّاد أمام جثمان أبيه الذي عُرف مصيره بعدما كان مفقودا (الجزيرة)
وبينما أغلقت عائلة الحدّاد فصل الانتظار الطويل، فإن آلاف العائلات الأخرى لا تزال غارقة في ألم مجهولية المصير. فبحسب تقديرات المركز الفلسطيني للمفقودين والمختفين قسرا، لا يزال في قطاع غزة ما بين سبعة وثمانية آلاف شخص في عداد المفقودين، بينهم من يُرجَّح أنهم تحت الأنقاض.
وقالت مديرة المركز ندى أبو عيطة للجزيرة نت، إن نحو ثلاثة إلى أربعة آلاف مفقود تواصلت عائلاتهم مع المركز وتم تسجيلهم بشكل رسمي، "لكن حتى اللحظة لم نصل إلى حسم مصير أي حالة بشكل نهائي".
وأوضحت أن القانون الدولي الإنساني يُعرّف المفقود بأنه كل شخص مجهول المصير، سواء كان نتيجة اختفاء قسري أو بقاء جثمانه تحت الأنقاض، "إذ لا يمكن حسم حالة الشخص إلا بعد العثور على الجثمان والتأكد منه بشكل يقيني". مشيرة إلى أن دور المركز لا يقتصر على استقبال البلاغات أو رصد الأرقام، بل يمتد إلى تشكيل قاعدة بيانات وطنية للمفقودين، والتواصل مع الجهات المعنية.
وأضافت "منذ ديسمبر/كانون الأول بدأنا بالتواصل مع اللجنة الأممية المعنية بحالات الاختفاء القسري والمفقودين، حيث نقوم بتوثيق الحالات وفق نماذج قانونية معتمدة، وفتح ملفات رسمية للحالات التي يُرجَّح أنها وقعت ضمن حالات اختفاء قسري".
وأكدت رفع نحو 200 حالة موثّقة حتى الآن إلى اللجنة، مبيّنة أن الإجراءات الأممية عادة ما تكون بطيئة بحكم اتساع نطاق عملها عالميا وتعقيد الإجراءات. وحذّرت من أن تجربة المفقودين في غزة قد تواجه المصير نفسه الذي شهدته دول أخرى مثل العراق وسوريا، حيث تلاشت ملفات المفقودين مع مرور الوقت دون حسم مصائر آلاف الحالات.
ولا تقتصر مأساة المفقودين في غزة على من غاب أثرهم كليا، بل تمتدّ إلى آلاف يُعرف مصيرهم، لكن يتعذّر الوصول إليهم تحت الأنقاض، كحال بلال الشريف، الذي لا يزال والده وشقيقه معاذ تحت ركام بناية مكوّنة من 5 طوابق في منطقة الفالوجة شمال قطاع غزة، بعد استهداف الاحتلال لها خلال حصار جباليا.
وقبل أن تتأكد العائلة من وجودهما تحت الأنقاض، دخلت مرحلة شك طويلة، زادها ارتباكا ظهور قائمة غير رسمية بأسماء يُعتقد أنها محتجزة في السجون الإسرائيلية، تضم اسمين مشابهَيْن لاسمَي والده وأخيه. يقول بلال للجزيرة نت: "انتقلنا فجأة من احتمال الاستشهاد إلى احتمال الأسر".
لكن هذا الاحتمال تراجع سريعا، فمع بدء صفقات تبادل الأسرى، خرج أصحاب الأسماء المشابهة من السجون، وتبيّن أنهم ليسوا والده ولا أخاه. وفي الوقت نفسه، وصلت العائلة شهادة قاطعة من أحد الجيران الذين نجوا من حصار جباليا، قال فيها إنه رآهما داخل المبنى نفسه لحظة قصفه.
بهاتين الدلالتين معا، انقضى الشكّ، فلم يكونا أسيرين، بل عالقين تحت الأنقاض منذ لحظة الاستهداف الأولى. وأضاف بلال "بعدها أقمنا لهما عزاء دون جثمان، ولا قبر، ولا شاهد، ولا مكان نذهب إليه". فيما تذهب والدته بين الحين والآخر إلى موقع المبنى، تعدّ الركام قبرا مؤقتا، أو مكانا للزيارة.
وأشار بلال إلى أن الطريق الذي سلكه النازحون خلال حصار أكتوبر/تشرين الأول 2024 تحوّل -كما يصفه- إلى ساحة قتل مفتوحة بفعل الكمائن والقصف، حيث سقط مئات المدنيين؛ بعضهم تُركت جثامينهم في الطرقات، وآخرون نهشتهم الحيوانات أو دُفنوا على عجل بيد غرباء، أمام استحالة الوصول إليهم.
هذه الوقائع تجعل ملف المفقودين أكثر تعقيدا من كونه مجرد أرقام، إذ تختلط فيه احتمالات الاستشهاد والدفن تحت الركام والاختفاء القسري، دون أي حسم نهائي للمصير.
وفي جهاز الدفاع المدني الفلسطيني، يُنظر إلى ملف المفقودين باعتباره أحد أكثر القضايا تعقيدا منذ بدء الحرب؛ بل كما يصفه المتحدث باسم الجهاز محمود بصل "ركن من أركان الحرب نفسها".
وخلال الأشهر الأولى للعدوان، اعتمدت طواقم الدفاع المدني في توثيق البلاغات على إفادات الأهالي، إذ كان المواطنون يقدّمون تقديرات حول عدد العالقين داخل المباني المستهدفة. ووفق تلك البلاغات، تجاوز عدد المفقودين تحت الأنقاض في مرحلة ما حاجز 10 آلاف شخص.
لكن مع بدء عمليات الانتشال الميدانية، بالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بدأت الصورة تتضح جزئيا؛ فقد جرى انتشال نحو 1500 جثمان بجهد مشترك بين طواقم الدفاع المدني والمواطنين أنفسهم. ورغم ذلك، ما يزال نحو 8500 شخص مرجّحا وجودهم تحت الركام، بينهم أطفال ونساء، وفق تقديرات الدفاع المدني.
يعزو الدفاع المدني هذا التباين في الأرقام إلى:
فيما يبقى مصير 3 آلاف آخرين مجهولا بين من اختفوا قسرا؛ سواء خلال عبورهم إلى الأراضي المحتلة عام 1948 في 7 أكتوبر/تشرين الأول، أو عند مرورهم على الحواجز الإسرائيلية، أو من فُقدوا أثناء تسللهم إلى مناطق التوغل العسكري خلف الخطوط الأمامية، في محاولات لتفقد منازلهم أو جمع الحطب.
ويُعزّز من تعقيد هذا الملف تنصّل إسرائيل من الإفصاح عن قوائم المعتقلين لديها، خلافا لما جرى التفاهم عليه خلال اتفاق وقف إطلاق النار، ما يترك آلاف العائلات عالقة بين خبرَي الموت والأسر.
إسراء العرعير واحدة من مئات النساء اللواتي يعشن حالة معلّقة بين اليقين والإنكار، بعد دخول زوجها يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول إلى الأراضي المحتلة. تقول للجزيرة نت: "أشعر أنني أحلم، وأنه سيعود في أي لحظة"، مضيفة بصوت متعب "أحيانا أتخيله يفتح الباب ويدخل وكأن شيئا لم يحدث، وكأني في كابوس آن أن ينتهي".
لكن الواقع، كما تضيف، ينهش هذا التصوّر كل يوم، "حين يقولون لي: الله يرحمه، أختنق، لا أعرف ماذا أقول: أأدعو له بالرحمة أم بفكّ أسره؟". وصورته وهو يبتسم لا تفارقها، وكذلك صوت طفلتهما عبير التي كانت تستيقظ في ذروة التجويع وتقول: "بابا جوعانة، جيبلي (أحضر لي) أكل".
تقول إسراء إن زوجها كان مرابطا على أحد الخطوط الأمامية التابعة للمقاومة الفلسطينية القريبة من الحدود الشرقية، وآخر اتصال بينهما كان قبل ساعات من اختفائه، حين قال لها إنه سيعود عند الساعة السادسة والربع. "لكنه لم يعد حتى الآن، ومنذ ذلك اليوم حياتي متوقفة".
وتصف أيامها بأنها صراع مستمر مع المجهول، حيث لا إجابة حاسمة ولا جهة قادرة على إنهاء الانتظار، ما جعلها تعيش استنزافا نفسيا طويلا بين احتمالين لا يرحمان، موضحة "فقدت قدرتي على التعاطي مع من حولي الذين يصفونني بالأرملة، بينما أنا لا أعرف حتى إن كنت أرملة أم لا".
يبدو أن ملف المفقودين في غزة حالة مفتوحة على كل الاحتمالات القاسية، تتشظّى إلى ما هو أبعد من حدود احتجاز الأجساد والإخفاء القسري في السجون والمعسكرات الإسرائيلية دون الإفصاح عن الأسماء أو المصير، وتمتد إلى المقابر التي دُفن فيها بعض الضحايا على يد غرباء، دون شواهد أو إشارات أو إبلاغ لذويهم.
وإلى ما هو أبعد من ذلك، تبقى مئات الجثامين الأخرى مطمورة في مساحات لا يمكن الوصول إليها داخل مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية التي تمتد على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة، فيما تحوّلت جثامين أخرى إلى أثر غائب بالكامل، بعد أن تبخّرت أو تلاشت بفعل القصف، فلم يعد منها ما يُرى أو يُستدلّ عليه.
وبين هذه الاحتمالات جميعها، يعيش الغزيون تخوفا عميقا من أن يتحوّل ملف المفقودين إلى مصير عابر في ذاكرة الإبادة، وأن يُطوى تحت ثقل الانشغال الدولي، فلا يبقى حاضرا إلا في ذاكرة العائلات وحدها، التي تواصل حمل أسئلتها بلا إجابات.
معاذ الشريف لا زال مفقودا أسفل أنقاض عمارة سكنية في منطقة الفالوجا (الجزيرة)محمد الحدّاد أمام جثمان والده الذي عثر عليه من وقت قريب يستعد لدفنه بعد تشييعه (الجزيرة)خلال تشييع جثمان الشهيد اسماعيل الحدّاد الذي فقد أكثر من 814 يوما (الجزيرة
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة