رصدت صحيفة غارديان كواليس جولة المفاوضات المكثفة بين الولايات المتحدة وإيران -التي استمرت 21 ساعة فقط في العاصمة الباكستانية إسلام آباد– لمعالجة أزمة ممتدة منذ عقدين بشأن البرنامج النووي الإيراني، وزادها تداخل ملفات عسكرية وجيوسياسية جديدة كالحرب وأزمة السيطرة على مضيق هرمز تعقيدا.
وعكست تركيبة الوفدين -حسب مقال باتريك وينتور للصحيفة- حجم الرهانات المرتفعة، إذ دفعت إيران بعدد كبير من المفاوضين -بينهم عناصر من الحرس الثوري– لضمان عدم التفريط في المكاسب الميدانية، كما أرسلت واشنطن وفدا ضخما بقيادة جيه دي فانس نائب الرئيس ترمب، في إشارة إلى إدراكها ثقل وخبرة الفريق الإيراني.
ومع ذلك، سرعان ما بدا أن هذا الحشد البشري لا يمكنه تعويض ضيق الوقت، ولا اختزال سنوات من الخلافات في جلسة تفاوض واحد، كما يقول المحرر الدبلوماسي للصحيفة.
وبدل أن تكون المحادثات مسارا لحل جذري، تحولت إلى اختبار لإرادة الطرفين بعد أسابيع من المواجهة العسكرية، وكأن كل جانب جاء ليقيس مدى صلابة الآخر وحدود تنازلاته، أكثر مما جاء للوصول إلى اتفاق فوري، كما يرى الكاتب.
ورغم الاتصالات المكثفة التي أجراها فانس مع رئيسه دونالد ترمب، وحتى مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لم تسفر المفاوضات عن اختراق حقيقي، وقد فسر مراقبون ذلك بأن سقف التوقعات كان مرتفعا بشكل غير واقعي، خاصة أن قضايا مشابهة استغرقت سنوات من التفاوض في السابق.
وأشار الكاتب إلى أن القضايا العالقة لم تكن تقنية بقدر ما كانت جوهرية، وتمثلت في مستقبل البرنامج النووي الإيراني، ومصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، وقواعد إدارة الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى ارتباط الملف بالصراع الإقليمي وخصوصا في لبنان، وهي ملفات تُظهر أن النزاع ليس محصورا في البعد النووي، بل هو عقدة متشابكة من الأمن الإقليمي والسيادة والاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، برز مضيق هرمز كأهم ورقة ضغط في يد إيران، حيث بدأت بالفعل في التحكم الانتقائي في مرور السفن، مما يمنحها نفوذا اقتصاديا وسياسيا، لكنه في الوقت ذاته يهدد استقرار التجارة العالمية.
وفي المقابل، تدرس الولايات المتحدة خيارات تصعيدية من بينها فرض حصار على المضيق، في محاولة لسحب هذه الورقة من يد طهران، رغم ما قد يترتب على ذلك من ارتفاع في أسعار النفط وتوسيع رقعة التوتر.
وفي هذا السياق، سلط المقال الضوء على هشاشة الوضع الداخلي الإيراني، حيث تتفاقم الأزمات الاقتصادية مع ارتفاع التضخم واستمرار العزلة الدولية، مما يزيد الضغط على القيادة الإيرانية التي ترى في صمودها حتى الآن إنجازا إستراتيجياً، وإن كان لا يكفي لضمان الاستقرار على المدى الطويل.
وخلص وينتور إلى أن هذه الجولة من المفاوضات كشفت عن مأزق عميق، فلا توجد حرب حاسمة ولا سلام قريب، إذ لم تنه المحادثات الصراع لكنها أبقت الباب مواربا أمام الدبلوماسية، في وقت تتزايد فيه مخاطر الانزلاق إلى تصعيد أوسع قد يتجاوز حدود المنطقة، ويؤثر على النظام الاقتصادي العالمي بأسره.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة