آخر الأخبار

العالم يترقب.. هل تطفئ محادثات إسلام آباد نار حرب إيران؟

شارك

تتجه أنظار العالم بأسره غدا السبت صوب العاصمة الباكستانية إسلام آباد، التي تحولت إلى بؤرة للتفاعلات الجيوسياسية الأكثر تعقيدا في العصر الحديث، حيث يستعد جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي لقيادة وفد رفيع المستوى في محاولة لإنهاء واحدة من أكثر الحروب تدميرا في الشرق الأوسط.

وقد أفردت الصحف الأمريكية مساحات في صفحاتها لتعريف قرائها بما ستتناوله تلك المحادثات من أجندة وموضوعات وما إذا كانت ستتمخض عن مسار جديد نحو السلام.

مصدر الصورة مسؤولو أمن أمريكيون في طريقهم لمقر المفاوضات الأمريكية الإيرانية في إسلام آباد (الفرنسية)

إنجاز دبلوماسي

تأتي هذه المفاوضات، وفق تقرير لمراسلة صحيفة "نيويورك تايمز" آشلي آهن، في أعقاب هدنة لمدة أسبوعين توسطت فيها باكستان، وُصفت بأنها إنجاز دبلوماسي لافت بعد أكثر من شهر من القتال العنيف.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 كيف ينظر الإسرائيليون إلى وقف إطلاق النار مع إيران؟
* list 2 of 2 هذا أحد الملفات الشائكة التي تشغل بال الصين حاليا end of list

لكنّ الصحيفة ترى أن هذه الهدنة، رغم رمزيتها، تبدو هشة للغاية، في ظل استمرار إسرائيل في شن غارات على مواقع حزب الله في لبنان ، مما يضع الهدنة في كف عفريت.

ولفتت إلى أن الهجمات الإسرائيلية على لبنان تتواصل، بينما لا يزال الغموض يحيط بمصير مضيق هرمز -أحد أهم شرايين الطاقة العالمية- الذي أغلقت إيران أجزاء منه خلال الحرب.

وتعكس طبيعة الوفود المشاركة حجم الرهانات السياسية المرتبطة بالمحادثات. فبحسب صحيفتي نيويورك تايمز وذا هيل، يقود الوفد الأمريكي جيه دي فانس نائب الرئيس إلى جانب المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس جاريد كوشنر، في حين يمثل إيران رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي.

وذكرت نيويورك تايمز أن دبلوماسيين مخضرمين -لم تُسمِّهم- عبّروا عن قلقهم بعد أن استبعد الرئيس دونالد ترمب خبراء متمرسين تاركا "دبلوماسية الشرق الأوسط" في أيدي صديق له وأحد أفراد عائلته ممن لهما خبرة في مجال العقارات، في إشارة إلى ويتكوف وكوشنر.

لحظة الحقيقة

وفي معرض تعليقها على المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد، ترى هيئة تحرير مجلة نيوزويك أن فانس، الذي يترأس الوفد الأمريكي، وجد نفسه في مواجهة "لحظة الحقيقة" واضعا مصالح أمريكا أولا، "ويشكك في جدوى التدخل في الحروب الأجنبية، فيما يدين بالولاء علنا لرئيس يُعلي من شأن القوة والنفوذ ويولي أهمية كبيرة للعروض المبهرة" أكثر من المضمون.

إعلان

وتضيف المجلة أن فانس -الذي عُرف بمواقفه الحذرة من التصعيد مع إيران- أصبح الآن "الوجه الرئيسي في مساعي إنهاء الحرب"، ما يضعه أمام تحد متمثل في التوفيق بين قناعته بضرورة تجنب الحروب المفتوحة، والتزامه بالدفاع عن سياسات الإدارة التي انخرطت بالفعل في النزاع.

هذا التوازن الدقيق ينعكس أيضا في الإستراتيجية الأمريكية الأوسع. فبحسب تحليل نيوزويك، فإن إرسال فانس إلى إسلام آباد "ليس دليل ضعف، بقدر ما هو محاولة محسوبة لإظهار أن الضغط العسكري قد خلق فرصة للتفاوض"، على أن يتولى نائب الرئيس مهمة تحقيق خفض التصعيد دون إعطاء انطباع بأن واشنطن فقدت أوراق قوتها.

بيد أن هذا المسار -برأي هيئة تحرير المجلة- محفوف بالمخاطر، إذ يتعين على فانس إقناع طهران بأن التسوية تخدم مصالحها، دون التراجع عن الخطوط الحمراء التي وضعها ترمب، وعلى رأسها منع إيران من امتلاك سلاح نووي.

مصدر الصورة منشأة لتخصيب اليورانيوم في أصفهان الإيرانية (أسوشيتد برس)

مطالب إيرانية

في المقابل، تدخل إيران المفاوضات بمطالب واسعة النطاق -كما توضح نيويورك تايمز- حيث طرحت خطة من 10 نقاط تتضمن الحفاظ على سيطرتها على مضيق هرمز، وانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، والاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم، إضافة إلى وقف الهجمات الإسرائيلية على حلفائها، خصوصا حزب الله في لبنان.

ونسبت الصحيفة إلى مسؤول بالبيت الأبيض، لم تكشف عن هويته، القول إن النقاط العشر الواردة في الخطة الإيرانية "لا تتسق مع الإطار الذي وضعه ترمب".

على أن الصحيفة ترى أن هذه القضايا تُعد نقاط الخلاف الرئيسية، خاصة في ظل إصرار الرئيس الأمريكي على إبقاء مضيق هرمز مفتوحا، ورفضه القاطع لأي اتفاق يسمح لإيران بمواصلة تخصيب اليورانيوم.

ترمب قال إنه لن يكون هناك أي تخصيب لليورانيوم، وإن واشنطن ستعمل على تدمير القدرات النووية الإيرانية في أي اتفاق نهائي

خطة تصلح للتفاوض

وكشفت ذا هيل، في تقرير لمراسلتها مالوري ويلسون، عن وجود تباينات حادة حول تفسير بنود الهدنة، حيث يسود اعتقاد في طهران بأن وقف القتال يشمل لبنان، وهو ما ترفضه واشنطن وتل أبيب جملة وتفصيلا.

وقد صرح فانس بوضوح من المجر، الأربعاء الماضي، بأن هذا الاعتقاد ناتج عن "سوء فهم مبرر"، مؤكدا أن الولايات المتحدة لم تقدم أي وعد بشمول لبنان في هذه المرحلة، وهو ما يضع المفاوضين الإيرانيين في موقف حرج أمام حلفائهم في " محور المقاومة" الذين يتعرضون لضربات قاصمة.

وفيما يخص خطة النقاط العشر التي طرحتها إيران، تظهر الفجوة العميقة بين الطرفين؛ فإيران تطالب بانسحاب كامل للقوات الأمريكية من المنطقة، والاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم، ورفع العقوبات، وتعويضات عن أضرار الحرب.

ورغم أن ترمب -بحسب ذا هيل- وصف الخطة علنا بأنها "أساس يصلح للتفاوض"، فإن المسؤولين في البيت الأبيض سارعوا لتوضيح أن ما يقصده الرئيس هو وجود نقاط معينة يمكن البناء عليها، وليس القبول بالمطالب الإيرانية كما هي.

بل إن ترمب عاد ليؤكد عبر منصته الخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي "تروث سوشيال"، أنه لن يكون هناك أي تخصيب لليورانيوم، وأن واشنطن ستعمل على تدمير القدرات النووية الإيرانية في أي اتفاق نهائي.

مأزق حقيقي

هذا التناقض بين الخطاب العلني المرن والخطوط الحمراء الصارمة يمثل -برأي المراسلة مالوري ويلسون- جزءا من تكتيكات ترمب في التفاوض التي تهدف إلى إبقاء الخصم في حالة من عدم اليقين.

إعلان

وأفادت ويلسون أن وقف إطلاق النار يواجه "مأزقا حقيقيا" ومخاطر بالانهيار بالفعل، جراء التباين الحاد في التفسيرات حول ما إذا كان يشمل وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان.

وأوردت أن تقارير كانت قد انتشرت يوم الأربعاء تفيد بإغلاق مضيق هرمز مجددا، عقب شن الجيش الإسرائيلي وابلا من الهجمات في لبنان، وُصفت بأنها الأكبر منذ بدء العملية.

وأضافت أنه على الرغم من أن إسرائيل ذكرت أنها تستهدف حزب الله المدعوم من إيران، فإنها أقرت أيضا بضرب مناطق في قلب التجمعات المدنية.

وقد تفجرت الخلافات حول ما إذا كان اتفاق وقف إطلاق النار يشمل لبنان أيضا؛ فبينما صرحت باكستان في البداية بصحة هذا القول، فقد خالفتها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل في ذلك.

ومن جانبه، وصف الرئيس ترمب الوضع في لبنان يوم الأربعاء بأنه "مناوشة منفصلة"، لكنه عاد يوم الخميس ليصرح بأنه طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خفض وتيرة الضربات على لبنان، بعدما تبين أنها بدأت تعرقل سير مفاوضات وقف إطلاق النار.

الخبير إيان ليسر:

النظام الدولي يمر بمرحلة إعادة ترتيب، وغياب الثقة قد يجعل من أي اتفاق مجرد هدنة مؤقتة بين صراعات

وفي تحليل نشرته صحيفة كريستيان ساينس مونيتور، اعتبر الكاتبان مارك سابينفيلد وحسن علي أن الحرب على إيران كانت هي "الرد الحاسم" من الرئيس الأمريكي على الاتفاق النووي الذي أُبرم في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما؛ فبدلا من الدخول في مفاوضات مضنية تشمل أطرافا متعددة لإنهاء برنامج طهران النووي، اختار ترمب اللجوء إلى "القوة الغاشمة".

وأفادت الصحيفة بأن الإدارة الأمريكية تواجه الآن اللحظة الحاسمة لرسم مسار جديد، لكنّ السؤال يبقى حول ما يمكنها إنجازه وهي تعمل بمفردها تقريبا.

وأضافت أنه بينما يهدأ الصراع مع إيران ويتوجه المندوبون إلى إسلام آباد لإجراء محادثات السلام، يبدو حلفاء أمريكا التقليديون مترددين في تقديم المساعدة، هذا إن كانت لديهم الرغبة أصلا. كما أن النظام الدولي لما بعد الحرب الذي بنته الولايات المتحدة بات مهمشا من قبل واشنطن نفسها.

وطبقا للصحيفة ذاتها، فقد تعرضت إدارة ترمب لانتقادات بسبب اعتمادها على القوة في فرض الأمن عوضا عن الثقة المتبادلة، وجاءت حرب إيران لتعمق هذه العقيدة.

ويثير هذا الأمر شكوكا لدى الدبلوماسيين والخبراء حول ما يمكن أن تحققه محادثات السلام الحالية على المدى الطويل؛ فبدون الثقة، قد تصبح اتفاقيات السلام مجرد فترات توقف مؤقتة بين الصراعات. والأثر هنا واضح، حيث ترى دول أوروبا والخليج ضرورة التسلح ردا على ذلك.

ونقلت الصحيفة عن إيان ليسر، الزميل البارز في "صندوق مارشال الألماني" للولايات المتحدة في بروكسل، القول إن "النظام الدولي يمر بمرحلة إعادة ترتيب"، وإن غياب الثقة قد يجعل من أي اتفاق مجرد هدنة مؤقتة بين صراعات.

مصدر الصورة أفراد أمن باكستانيون يقفون في المنطقة الحمراء حيث مقر المفاوضات المرتقبة بين أمريكا وإيران في إسلام آباد (الفرنسية)

حليف مفاجئ

ووفقا لكريستيان ساينس مونيتور، يكتسب انعقاد المحادثات المقبلة في باكستان أهمية بالغة، فهي ربما "الدولة الوحيدة التي تحظى بثقة كل من الولايات المتحدة وإيران، ويوضح دورها كيف يمكن أن تتغير الأمور بسرعة".

فقبل عامين فقط، كانت باكستان وإيران في حالة مواجهة بعد أن أطلقت إيران صواريخ على الأراضي الباكستانية، كما تورد الصحيفة قبل أن تستدرك قائلة إن الحكمة بين البلدين سادت بعد ذلك، وجاءت ثقة ترمب بعد "حملة تودد" من إسلام آباد تضمنت ترشيحه لجائزة نوبل للسلام.

وينقل التقرير عن الخبير يعقوب خان بانغاش قوله إن ترمب لم يكن لديه أي خيار آخر سوى الاعتماد على باكستان للوصول إلى هذه المرحلة، مما يعكس تحولا في الإستراتيجية الأمريكية التي باتت تعتمد على وسطاء إقليميين يمتلكون نفوذا مباشرا بدلا من التعويل على المنظمات الدولية أو التحالفات التقليدية التي جرت تنحيتها جانبا.

إعلان

والخلاصة، أن السبت في إسلام آباد يمثل فصلا جديدا ومثيرا في كتاب الدبلوماسية الأمريكية المعاصرة. إنها اللحظة التي سيحاول فيها جيه دي فانس، جندي المارينز السابق والمفاوض الحالي، أن يبرهن على أن رؤية "أمريكا أولا" ليست مرادفا للعزلة، بل هي نموذج جديد للهيمنة القائمة على الفعالية والسرعة وفرض الإرادة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا