في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
"قصة محمد باقر ذو القدر لا تبدأ اليوم، بل قبل قرابة 42 عاما، في اجتماع عاصف داخل مقرّ الحرس الثوري بطهران"
في 24 مارس/آذار 2026، وبعد أقل من شهر على اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في غارة أمريكية إسرائيلية مشتركة، وأسبوع واحد على مقتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني في ضربة مماثلة، أصدر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قرارا بتعيين محمد باقر ذو القدر أمينا جديداً للمجلس. لم يكن الاسم مفاجئا لمن يعرفون دهاليز الجمهورية الإسلامية، لكنه كان شبه مجهول لمن يتابعون الشأن الإيراني من خارجها.
فالرجل الذي أمضى 5 عقود في مفاصل الدولة الأمنية الإيرانية ولم يكد يظهر على شاشة وسيلة إعلامية أو يلقي خطابا جماهيريا إلا فيما ندر، يُستدعى الآن لإدارة أخطر ملف في تاريخ الجمهورية الإسلامية، الحرب المفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، والمنظومة الأمنية التي يتساقط رموزها واحداً تلو الآخر.
لكن قصة محمد باقر ذو القدر لا تبدأ من هنا، بل قبل ذلك بـ42 عاما، في اجتماع عاصف داخل مقرّ الحرس الثوري بطهران، يكشف عن اللحظة التي بدأ فيها مسيرته الطويلة في بناء الدولة التي يُطلب منه المساهمة في الإبحار بسفينتها اليوم. ففي أواخر عام 1984، وبينما كانت نيران الحرب بين إيران والعراق تستعر رغم برودة شتاء نوفمبر/تشرين الثاني، تصاعد غليان مكتوم داخل أروقة الحرس الثوري الإيراني.
كانت عملية "خيبر" قد انتهت قبل أشهر بكارثة بشرية هائلة، فقدت فيها إيران آلاف القتلى في مستنقعات هور الحويزة، وتحققت بعض الأهداف لكن الأكثر لم يُنجز، وكان الاستياء الأكبر من إرسال جيل من المتطوعين الشبان إلى الموت في هجمات أمامية بلا غطاء جوي. لم يكن الغضب على الخسائر بالأساس، بل على الطريقة التي أُديرت بها الحرب، حيث تُتخذ القرارات في طهران من رجال لم يختبر معظمهم الحرب في حياته، على الأقل من وجهة نظر رجال الحرس في الميدان.
في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 1984، عُقد اجتماع في مقرّ الحرس الثوري بطهران، بمناسبة تعيين حسين دهقان، الذي سيصبح وزير الدفاع في حكومة روحاني بعد سنوات، قائداً للحرس الثوري في مركز طهران. جمع الاجتماع القائد العام للحرس محسن رضائي وقادته الميدانيين الغاضبين، ولعله لم يكن في جوهره إلا تمردا يزحف تدريجيا من داخل المؤسسة العسكرية الأكثر ولاءً للثورة، لدرجة أن نائب المرشد الأعلى آنذاك، آية الله حسين علي منتظري، وصف الاجتماع بـ"الانقلاب الزاحف".
انفجر المجتمعون بسيل من الاتهامات، فانتقدوا تغلغل الحسابات السياسية في قيادة الحرس الثوري، وزيادة التعيينات القائمة على المحسوبية في مواقع استراتيجية، والافتقار الواضح للكفاءة العسكرية بين من يُفترض بهم قيادة المعارك. في التسجيل الصوتي المسرب لذلك الاجتماع بعد سنوات، ارتفع صوت القائد حسن بهمني، معاون قسم التخطيط والعمليات في حرس طهران ومسؤول عمليات لواء 10 سيد الشهداء، وقال ساخطاً: "إنهم يأتون ويجلسون في الثكنات المحصّنة، ويستقلّون سيارات لاند كروزر"، بينما يُترك جنود الباسيج وحدهم في ساحات الموت بلا قيادة فعلية.
في الجهة المقابلة، تحصّن رضائي بشرعية الإمام روح الله الخميني. حيث ذكّر الحاضرين بأنه تلقّى تكليفه من الإمام شخصياً، وأنه ذهب إليه أكثر من مرة طالباً الإعفاء فرفض، وأخبرهم أن "الإمام أمرني أن أبقى". ثم دعا من لديه شكوى إلى رفعها عبر القنوات الشرعية: "من يريد خدمة الإسلام ولديه مشكلة مع قائد، فما عليه إلا مراجعة القائد الأعلى منه". لكن الردّ جاء من أحد المحتجّين: "إذا قبلنا أن قيادة الحرب ليست من شأنك، فإن مسؤولية التدريب العسكري تقع على عاتقك. على الأقل أنت من يحدّدها".
ثم انعطف المحتجّ نحو هدف آخر. شاب صارم الوجه، كثيف الشعر لكنه مرتّبه، مهذّب اللحية، يتولى مسؤولية التدريب في الحرس الثوري، اسمه محمد باقر ذو القدر. أشار إليه بالاسم أمام الحاضرين، مستنكراً أن يتولى مسؤولية التدريب العسكري، وهو الركيزة الأساسية في إدارة الحرب، رجلٌ لم يُطلق -بشهادة زملائه أنفسهم- رصاصة واحدة حتى تلك اللحظة في عام 1984. وتساءل: كيف تُهمَل كفاءات عسكرية حقيقية خاضت القتال فعلاً، لصالح من لم يقترب من خطوط المواجهة قط؟
وتبعه القائد حسن بهمني بانتقادات من النوع ذاته، متسائلاً عن الأسباب التي تجعل رجالا أقل خبرة مثل ذو القدر يتصدرون مناصب الأركان والتدريب دون أن يثبتوا أنفسهم ميدانياً، في حين يُنحّى جانباً قادة أثبتوا كفاءتهم على الجبهة، وفق قوله. وخلص إلى أن هذه المعادلة تُفضي، في نهاية المطاف، إلى تآكل القدرة الفعلية للحرس من الداخل.
"في اجتماع معسكر ولي عصر عام 1984 كان باقر ذو القدر موضعا لانتقادات من داخل المؤسسة التي يتولى منصبا قياديا بارزا فيها"
كشف أكبر غنجي، عضو الوحدة العقائدية السياسية في الحرس الثوري بطهران آنذاك، والذي انشقّ لاحقاً وصار من أبرز وجوه المعارضة الإيرانية، عن آلية وصول ذو القدر إلى الحرس. فقال في الاجتماع ذاته: "قبل العيد، طلب الأخ محسن رضائي من منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية أن تُرسل الأخ ذو القدر إلى الحرس. المنظمة ترفض، ليصدر السيد راستي (وهو حسين راستي كاشاني، ممثل الخميني في منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية والعضو المؤثر في الحوزة العلمية بقم) أمراً للمنظمة بأن ذو القدر يجب أن يذهب إلى الحرس. فأرسلوه فعلًا ليصبح معاوناً للتدريب في عموم الحرس.. وبذلك رأينا فجأة أن تياراً سياسيا فكرياً محددًا يتشكل داخل الحرس" رغم حظر الإمام الخميني النشاط السياسي في المؤسسات العسكرية.
وربط غنجي بين دخول ذو القدر إلى الحرس وتيار محمد تقي مصباح يزدي (وقد كان آنذاك عالمًا محدود الانتشار، لكنه صار لاحقاً من أبرز المنظّرين في عهد خامنئي)، واعتبر هو وبقية المحتجّين أن تعيين ذو القدر في هذا المنصب يعود إلى انتمائه لتيار سياسي فكري يسعى للسيطرة على المؤسسة العسكرية من الداخل، أكثر مما يرجع إلى المعايير البحتة للكفاءة.
"كان ذو القدر محسوبا على تيار محمد تقي مصباح يزدي (الذي أصبح لاحقا من أبرز المنظرين لولاية الفقيه)، لذلك اعتبر أن صعوده جاء لدوافع سياسية"
تصاعد الأمر عندما حاول القادة المعارضون لقاء الإمام الخميني ورفع شكواهم إليه مباشرة. كان الخميني نفسه موافقاً على اللقاء، وفق ما دوّنه هاشمي رفسنجاني في مذكراته، لكن الأبواب أُغلقت بتدخّل من رئيس الجمهورية حينها علي خامنئي الذي "لم يرَ المصلحة في أن يُدعى المعارضون للقاء الإمام"، فتراجع الخميني عن الفكرة.
وفي 19 ديسمبر/كانون الأول 1984، قرأ فضل الله محلاتي، ممثل الإمام الخميني في الحرس الثوري، رسالته الحاسمة أمام جمع من أعضاء الحرس في ثكنة ولي عصر بطهران. جاء فيها: "كفّوا عن هذه الأعمال التي تُضعف القيادة وتُسقط هيبتها. نحن اليوم لا يمكننا أن نُزيح أياً ممن هم على رأس الأمور، وهم باقون كما هم. الشغب والضجيج لن يُقيلا السيد محسن رضائي ولا السيد رفيق دوست. فلو أزحنا مسؤولاً، سيُضعفوننا وهذا ليس في مصلحة بلدنا".
أُسكت المعترضون بسرعة. ويروي محمد إسماعيل كوثري (مستشار قائد الحرس الثوري وعضو مجلس الشورى لاحقا) أنه حين دخلت سيارة رضائي ثكنة ولي عصر يوم إعلان الرسالة، راح بعض المحتجين يضربون غطاء محركها بقبضاتهم ويهتفون: "الخميني محطّم الأصنام، حطّم الصنم الجديد!".
لقي المعترضون مصائر مختلفة، فهُمِّش بعضهم سياسياً، وجُرِّد آخرون من مناصبهم القيادية. أسماء مثل كاظم رستكار وحسن بهمني وناصر شيري استقالوا من مناصبهم وذهبوا كمتطوعين إلى عملية بدر، التي شهدت خسائر قاسية لإيران، حيث قُتل ثلاثتهم في مارس/آذار 1985. وسُجن أكبر غنجي لاحقاً 6 سنوات قبل أن يهاجر خارج البلاد. وداوود كريمي، قائد عمليات الجنوب السابق الذي انتُقد تهميشه في الاجتماع، ذهب متطوعاً عادياً إلى عملية "الفجر 8" حيث أُصيب بالسلاح الكيميائي، ثم سُجن في عهد خامنئي بسبب دعمه لحسين منتظري.
"في الأدبيات الرسمية الإيرانية، يُقرأ اجتماع ثكنة ولي عصر بوصفه محاولة تخريبية قادتها عناصر مسيّسة استغلت الخسائر الميدانية لتصفية حسابات فصائلية"
غير أن لهذا المشهد رواية أخرى. في الأدبيات الرسمية الإيرانية، يُقرأ هذا الاجتماع بوصفه محاولة تخريبية قادتها عناصر مسيّسة استغلت مرارة الخسائر الميدانية لتصفية حسابات فصائلية. كوثري نفسه حمّل أكبر غنجي المسؤولية المباشرة عن تأجيج الاحتجاجات وتسييسها، واعتبر أن الشعارات التي رُفعت ضد رضائي وذو القدر كانت مُدبَّرة لا عفوية.
أما رضائي فقد دافع عن منطقه في الاجتماع بوضوح بالقول إن القيادة تكليف من الإمام الخميني، والاعتراض عليها ينبغي أن يسلك قنواته الشرعية لا أن يتحوّل إلى فوضى تُضعف المؤسسة في زمن الحرب. والخميني حسم المسألة بنفسه حين اعتبر أي محاولة لإزاحة المسؤولين إضعافاً للبلد في مواجهة العدو. في حسابات السلطة، لم يكن ثمة ترف للاستجابة لمطالب الميدان حين كان العراق يقصف المدن الإيرانية بالصواريخ.
"في حسابات السلطة، لم يكن ثمة ترف للاستجابة لمطالب الميدان حين كان العراق يقصف المدن الإيرانية بالصواريخ"
بقي أعضاء قيادة الحرس في مناصبهم، بل ولمع نجمهم وترسخ نفوذهم، ومن بينهم محمد باقر ذو القدر. سيقضي الرجل العقود الخمسة التالية متنقلاً في أروقة الجهاز الأمني الإيراني، يبني ويُراكم ويتوغّل، حتى وصل في 24 مارس/آذار 2026 إلى منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، بعد اغتيال سلفه علي لاريجاني في غارة إسرائيلية في السابع عشر من مارس/آذار 2026، في لحظة قد تكون الأشد حساسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
هنّأ الحرس الثوري أمينه الجديد البالغ من العمر 71 عاما، معدّدا محطاته بوصفه من "ركائز الثورة الإسلامية" الذي خاض "غمار الجهاد من قتال النظام المستبد، إلى مواجهة المنافقين والإرهابيين، مروراً بالدفاع المقدس، وصدّ مختلف الفتن". لم يكن في البيان جديد؛ غير أن ما لم يقله يكشف الأهمّ عن استجابة النظام الإيراني للحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي تصعيد الرجل الذي أسّس البنية التحتية للدولة الأمنية الإيرانية منذ 4 عقود، واستدُعي اليوم لإدارتها في أشدّ لحظاتها وطأة.
لمن يتابع ملفات الانتشار النووي الإيراني وقوائم العقوبات الدولية، محمد باقر ذو القدر اسم مألوف؛ فهو مُدرج على قوائم العقوبات بموجب القرار 1747 لمجلس الأمن الدولي بسبب دوره في البرنامجين النووي والصاروخي. أما لسائر الناس خارج أسوار طهران، فقد ظلّ طيفاً في الظل.
لم يبنِ ذو القدر لنفسه صورة جماهيرية، ولم يسعَ يوماً إلى تأسيس قاعدة شعبية تنتخبه إلى مناصب تشريعية أو تنفيذية، فقوّته تنبع من تقاطعات مختلفة: من تراكم المواقع البنيوية في النظام الإيراني، وتشابك العلاقات المؤسسية، والولاء المُثبَت للمرشد الأعلى في كل محطة. ليس رجل كاريزما بل رجل بناء وتنظيم، ولهذا السبب بالذات، ربما بقي أطول من كل من سبقوه.
"لم يبنِ ذو القدر لنفسه صورة جماهيرية، ولم يسعَ يوما إلى تأسيس قاعدة شعبية تنتخبه إلى مناصب تشريعية أو تنفيذية، فقوّته تنبع من علاقاته المؤسسية وولائه المثبت للمرشد الأعلى"
وُلد ذو القدر عام 1954 في فَسا، وهي مدينة متواضعة بمحافظة فارس جنوب إيران. كانت حكومة الدكتور محمد مصدّق قد سقطت قبل ذلك بأقل من عام في انقلاب أمريكي بريطاني قضى على تجربة الديمقراطية الوليدة في إيران، وأعاد الشاه إلى عرشه، لتدخل البلاد مرحلة قمع سياسي ستمتد لخمسة وعشرين عامًا حتى الثورة.
نشأ الشاب في بيئة دينية تقليدية، ثم شدّ الرحال إلى طهران حيث التحق بكلية الاقتصاد في الجامعة. لكن الجامعة في سبعينات إيران كانت أكبر من مجرد مكان للدراسة، فقد أصبحت بوتقة تصهر فيها الأيديولوجيات وتتصادم بين الماركسيين والإسلاميين والقوميين، في ظل الهيمنة المخيفة لأجهزة السافاك والمخابرات الإيرانية التي تمشط أروقة الجامعة بحثًا عن أي صوت معارض.
في ذلك المناخ، وجد ذو القدر ضالّته في تنظيم "منصورون"، وهو حركة إسلامية مسلحة تستمدّ اسمها من الآية القرآنية الكريمة: "إنّهم لهم المنصورون، وإنّ جندنا لهم الغالبون". كانت الحركة تنشط في خوزستان، المحافظة الغنية بالنفط في الجنوب الغربي، وكانت تؤمن بأن التغيير السياسي لن يُنجز إلا بالعمل المسلح ضد الشاه وحلفائه الغربيين.
في صفوف منصورون، تشكّلت الشبكة التي ستحكم إيران لعقود. التقى ذو القدر هناك بمحسن رضائي، الذي سيقود الحرس 16 عاماً متواصلة، وبعلي شمخاني، الذي سيتولى حقيبة الدفاع ثم أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي حتى اغتياله في الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، وهو المنصب ذاته الذي آل إلى ذو القدر الآن. كانوا 3 شبان في تنظيم سرّي واحد قبل أن يتقاسموا مفاصل الدولة الأمنية في ما بعد.
تُنسب إلى "منصورون" عمليات اغتيال استهدفت رموز النظام الشاهنشاهي ومصالح أجنبية داعمة "لقوى الاستكبار". في ديسمبر/كانون الأول 1978، وقبل أسابيع من انتصار الثورة، اغتيل مهندس أمريكي ومدير إيراني لشركة النفط الوطنية، وهي العملية التي يربطها الأمريكيون بتنظيم منصورون مباشرة. والأكثر إثارة ما نشرته مجلة الدراسات التاريخية التابعة لوزارة الاستخبارات الإيرانية، وفق ما أورده راديو فردا المعارض ولم نتحقق منه بشكل مستقل، من مقال بقلم ذو القدر نفسه بعنوان "المنصورون: من التشكيل إلى التحالف"، تحدّث فيه عن حصول التنظيم على فتاوى تجيز تنفيذ عمليات الاغتيال من أجل المصلحة العامة.
"في صفوف منصورون، تشكّلت الشبكة التي ستحكم إيران لعقود، ذو القدر ومحسن رضائي وعلي شمخاني وغيرهم"
وبعد انتصار الثورة، انضمّ إلى منظمة "مجاهدي الثورة الإسلامية" التي جمعت فصائل إسلامية مسلحة في كيان واحد، وانحاز إلى جناحها اليميني المحافظ، حين مزّقت النزاعات الداخلية المنظمة لاحقاً. وكان ذو القدر في طليعة من رأوا أن الحرس الثوري هو البيت الصحيح لهذه الكوادر، لا أيّ تشكيل سياسي مستقل، فقد كان يعرف ما يريد منذ البداية، فلم يكن يرغب في بناء حركة، أو الحصول على منصة للخطابة، بل بناء دولة ومؤسسات تحكم وتسيطر.
وبعد أن أنهى الدراسة في كلية الاقتصاد بجامعة طهران، عاد ذو القدر بعد سنوات طويلة إلى مقاعد الدراسة فحصل على ماجستير في الإدارة العامة من جامعة طهران، ثم دكتوراه في الإدارة الاستراتيجية من جامعة الدفاع الوطني.
في السنوات الأولى للجمهورية الإسلامية، حين كانت الدولة تُرسي قواعد النظام الجديد بالقوة، يحضر اسم ذو القدر في مواقف تبرزه بصفته أحد أدوات الدولة الضاربة ضد المعارضين، بمن في ذلك أبناء الثورة، إذ ورد اسمه في شهادات سجناء سياسيين سابقين داخل الجناح 209 في سجن إيفين، ذلك الجناح الذي صار علامة في التاريخ الإيراني المعاصر على الاستجواب وإسكات المعارضة، رغم غياب أي وثائق رسمية تثبت هذا الدور بصورة قاطعة.
وحين غزا العراق إيران في سبتمبر/أيلول 1980، أُسندت إلى ذو القدر مسؤولية التربية والتدريب في الحرس الثوري، وهي المهمة التي أثارت سخط رفاقه لاحقاً في اجتماع 1984. المهمة التي تبدو هادئة في ظاهرها كانت مفصلية في ترسيخ عقيدة قوية وفي تثبيت الولاء لقائد الثورة الإسلامية كمعيار أساسي في تأهيل المقاتلين وتصعيد الكوادر. كانت وظيفته صناعة العقل الجمعي للمؤسسة، والتي في أوقات الأزمات من شأنها أن تكون أخطر كثيرًا من صناعة السلاح.
"أسّس ذو القدر ما عُرف بمقرّ رمضان وتولى قيادته الأولى"
ثم جاء الدور الذي سيحدّد إرثه الفعلي. بين عامَي 1983 و1984، وبطلب من محسن رضائي، أسّس ذو القدر ما عُرف بـ"مقرّ رمضان" في جبال كرمانشاه غرب إيران، وتولى قيادته الأولى. كانت فكرة المقر الجديد ألا تُقاتل إيران العدو بجنود إيران وحدهم، بل عن طريق جيوش أخرى من داخل أرض العدو أو بالقرب منها. استقدم ذو القدر في المقر الجديد أكراداً عراقيين فارّين من قبضة حزب البعث، وشيعة عراقيين لفظهم قمع نظام صدام حسين، وأفغاناً ومقاتلين من جنسيات أخرى، وصهرهم في قوة حرب غير نظامية تتولى الضرب في العمق العراقي.
لوحة إعلانية تحمل صورا لقاسم سليمان (يمين) وأبو مهدي المهندس (رويترز)في الدوائر الضيقة لمقرّ رمضان التقت شخصيات ستُعيد رسم خريطة المنطقة، كان أبرزهم شابّ من كرمان يُدعى قاسم سليماني كان لا يزال يتعلّم حرفة الحرب، مع أبو مهدي المهندس الذي اغتيل مع سليماني في غارة أمريكية في العراق في يناير/كانون الثاني 2020، بالإضافة إلى هادي العامري الذي تقلّد مناصب وزارية وبرلمانية في بغداد ما بعد 2003. كان ذو القدر هو أيضا من استقدم صهره العميد إيرج مسجدي قائدا لأركان المقرّ، وهو الذي صار لاحقاً أحد أبرز قادة فيلق القدس، وأحد المستشارين المقربين لسليماني، ثم سفيراً لإيران في بغداد.
في الرواية الرسمية، يُقدَّم مقرّ رمضان باعتباره أحد أحجار الأساس لعقيدة الدفاع الإيرانية التي تعتمد على فتح جبهات أمامية متقدمة، وهي العقيدة التي فرضتها ظروف الحرب نفسها، وطبيعة العداء بين الجمهورية الإسلامية بعد الثورة والقوى الدولية.
" يُقدَّم مقرّ رمضان باعتباره أحد أحجار الأساس لعقيدة الدفاع الإيرانية التي تعتمد على فتح جبهات أمامية متقدمة"
فأثناء الحرب، كان العراق يحظى بدعم غربي وعربي واسع، وكانت إيران محاصَرة ومحرومة من السلاح، فلجأت إلى بناء قوة غير نظامية من المقاتلين العراقيين الفارين من بطش صدام ليضربوا في عمقه. وذو القدر، في هذا السياق الرسمي، لم يكن يبني شبكة نفوذ إقليمي بل كان يُدير عملية بقاء في مواجهة عدو يفوق إيران عدةً وعتاداً. بيان الحرس الذي هنّأه بتعيينه أميناً لمجلس الأمن القومي أكّد هذا المعنى صراحةً، واصفا إياه بأنه من "ركائز الثورة" الذي خاض "غمار الجهاد من قتال النظام المستبد إلى الدفاع المقدس"، في إشارة إلى أن مسيرته تعبر عن سلسلة متصلة من التضحية والفداء، لا الترقي الوظيفي والمهني.
تحوّل مقرّ رمضان بعد الحرب إلى النواة التي نشأ منها "فيلق القدس"، الذراع الخارجية للحرس الثوري. وعقيدة "الدفاع إلى الأمام" التي طوّرها ذو القدر في تلك الجبال صارت الركيزة الإستراتيجية للسياسة الإقليمية الإيرانية من بيروت إلى دمشق إلى صنعاء. في عام 2005، تحدّث ذو القدر صراحةً عن "هلال شيعي" يربط طهران ببغداد ودمشق وبيروت ويُشكّل حزاماً إستراتيجياً لمواجهة النفوذ السعودي والتدخلات الأمريكية، وهو التصور الذي أضرّ بصورة إيران في المنطقة وزاد من عزلتها عن جوارها.
بعد انتهاء الحرب، خدم ذو القدر ستة عشر عاماً في أعلى رتب الحرس الثوري، فقد قضى ثماني سنوات رئيساً للأركان المشتركة (1989–1997)، ثالث أعلى منصب عسكري في البلاد، ثم ثماني سنوات نائباً للقائد العام (1997–2005)، ثاني أعلى ضابط في المؤسسة كلها. هذه الثماني سنوات الأخيرة تزامنت بالكامل مع رئاسة الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي.
مثّل انتخاب خاتمي عام 1997، بنسبة تقارب سبعين بالمئة، زلزالاً سياسياً. فقد كانت الشعارات التي ينادي بها خاتمي من حرية الصحافة، وسيادة القانون، وفرض رقابة مدنية على الأجهزة الأمنية تشكل تهديداً للثورة والجمهورية من وجهة نظر ذو القدر والكثيرين من قيادات الجمهورية المخضرمين. قال ذو القدر لاحقا بصريح العبارة في مقابلة عام 2009 إن سنوات خاتمي الثماني كانت "مرحلة تحطيم بنيوي" للثورة و"معارضة صريحة لولاية الفقيه". بل رفض حتى استخدام كلمة "إصلاحات" لوصف تلك الحقبة، وقال إنه ينبغي "ابتكار مصطلح آخر لها".
"رأى ذو القدر أن سنوات رئاسة خاتمي كانت مرحلة تحطيم بنيوي للثورة ومعارضة صريحة لولاية الفقيه"
في يوليو/تموز 1999، أشعل إغلاق صحيفة "سلام" الإصلاحية فتيل احتجاجات طلابية في حرم جامعة طهران. ردًا على ذلك اقتحمت قوات الباسيج ومجموعات "أنصار حزب الله" مساكن الطلاب ليلاً، واعتدت عليهم. سقط أحد الطلاب قتيلاً. ويُشار إلى ذو القدر، إلى جانب محمد رضا نقدي، بوصفهما من منظّمي القوات التي شاركت في قمع الطلاب.
في الأسابيع التالية، وجّه ذو القدر مع 24 قائداً من كبار قادة الحرس الثوري، بينهم قاسم سليماني ومحمد باقر قاليباف -رئيس البرلمان الحالي وأحد أبرز القادة الإيرانيين بعد اغتيال لاريجاني، رسالة إلى الرئيس خاتمي تنضح بالتحدّي. قالت رسالة قادة الحرس صراحةً: "صبرنا قد نفد"، وحذّرت من أن الحرس "لن يتحمّل هذا الوضع أكثر"، وأشارت إلى أن الحرس سيتصرّف وفق ما يراه "واجبه الثوري" إذا عجزت الحكومة عن ضبط الأوضاع.
لكن، لفهم سياق تلك الرسالة بصورة أوفى، ينبغي الإشارة إلى أن موقّعيها لم يكونوا يرون أنفسهم خارجين عن الدستور. بحسب سليماني نفسه، الذي أكد لهاشمي رفسنجاني أنه هو من صاغ الرسالة بخط يده، كان القصد منها الشكوى لا التهديد، وقد طلب الموقّعون مسبقاً لقاءً خاصاً مع خاتمي لعرض ملاحظاتهم بصورة سرية، فلما لم يُمنحوا موعداً لجأوا إلى المكاتبة. في المقابل، لم يقبل الإصلاحيون هذا التأطير قط، ورأوا أن 25 جنرالاً يكتبون لرئيس منتخب بـ70% أن "صبرهم قد نفد" لا يمكن قراءته إلا بوصفه إنذاراً عسكرياً مبطّناً، مهما كانت النوايا المعلنة. استسلم خاتمي في نهاية المطاف، وانكسر زخم الحركة الإصلاحية، وثبّت الحرس نفسه سلطةً تقف عمليا فوق أيّ سلطة منتخبة.
مسلحون إيرانيون يشتبكون مع طلاب خلال مسيرة داعمة لبرنامج الإصلاح الذي يتبناه الرئيس الإيراني محمد خاتمي (الفرنسية)صعود أحمدي نجاد إلى الرئاسة عام 2005 جسّد ما كان يخطّط له الحرس من اندماج الجهاز العسكري الأمني مع السلطة التنفيذية. لم يُخفِ ذو القدر دوره، بل قال في تصريح نقلته وسائل إعلامية: إن فوز أحمدي نجاد "لم يكن صدفة" بل "نتيجة تخطيط صحيح ومتعدد الطبقات".
دفع المرشد الأعلى خامنئي ذو القدر إلى وزارة الداخلية في ظل نجاد، بعد أن منحه إذناً خاصاً بالتحول من الخدمة العسكرية إلى المنصب المدني. عُيّن الرجل نائباً للوزير لشؤون الأمن والإنفاذ، فأعاد هيكلة شرطة مكافحة الشغب وآليات جمع المعلومات الأمنية، وسعى إلى دمج الباسيج في منظومة الأمن الداخلي.
لم يمرّ عامان حتى وجد أحمدي نجاد نفسه أمام مشكلة لم يحسب لها، فقد كان ذو القدر يعمل في حكومته، لكنه لا يقدم تقاريره إليه، بل إلى المرشد والحرس الثوري. فحين رصد ذو القدر مؤشرات تصعيد عسكري أمريكي محتمل على خلفية الملف النووي، أصدر من تلقاء نفسه أوامر برفع حالة التأهب في المحافظات والمقرّات العسكرية والأجهزة الأمنية على المستوى الوطني، دون أن يُخطر رئيس الجمهورية أو أيّ مسؤول مدني منتخب.
أدّى ذلك إلى احتكاك حاد جعل أحمدي نجاد يطالب بإقالته. وفي حركة كاشفة عن شخصيته، قاطع ذو القدر حفل وداعه الرسمي في وزارة الداخلية رافضاً أن يُلوّح وداعاً لمن لا يعتبرهم أصلاً من يملكون صلاحية إقالته. ثم عيّنه خامنئي معاوناً لرئاسة الأركان العامة للقوات المسلحة لشؤون الباسيج، وهو منصب مستحدث يهدف إلى توسيع دور الباسيج "في جميع مجالات حياة" المواطنين.
أُغلق باب السلطة التنفيذية لذو القدر مع أحمدي نجاد، فانتقل إلى السلطة القضائية بالسلاسة ذاتها. ففي عام 2010، استقطبه رئيس القضاء صادق لاريجاني مستشاراً أول، ثم نائباً لرئيس القضاء للشؤون الاستراتيجية والوقاية من الجريمة، وظلّ في هذا المنصب قرابة عقد كامل، وأضفى وجود ذو القدر قرب قمّة هذه المنظومة طابعاً مؤسسياً على نفوذ الحرس داخل القضاء الإيراني.
ثمة خيط عائلي يمتدّ عبر مسيرة ذو القدر لا يقلّ أهمية عن الخيط المؤسسي، فقد ارتبط مصير زوج شقيقته، العميد إيرج مسجدي، بمصيره منذ أن استقدمه قائداً لأركان مقرّ رمضان في ثمانينيات القرن الماضي. ترقّى مسجدي في فيلق القدس ثم صار سفيراً في بغداد حيث أدار لسنوات الشبكة الإيرانية الواسعة من الحلفاء العراقيين.
أما صهره كاظم غريب آبادي، فقد مثّل إيران في الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، وسفيراً في هولندا، ثم صار عضواً في فريق التفاوض النووي ومعاوناً للشؤون القانونية والدولية في وزارة الخارجية.
في سبتمبر/أيلول 2021، وبتأييد صريح من المرشد الأعلى قائد الثورة الإسلامية، عُيّن ذو القدر أميناً لمجمع تشخيص مصلحة النظام، وأُعيد تعيينه لدورة ثانية عام 2022.
ثم جاء الثامن والعشرون من فبراير/شباط 2026. اغتيل علي خامنئي في غارة أمريكية إسرائيلية مشتركة، وتوالت الضربات فسقط علي لاريجاني في السابع عشر من مارس/آذار. وفي الرابع والعشرين من الشهر ذاته، استُدعي محمد باقر ذو القدر لتولّي المنصب.
لأنصار التعيين حجّتهم، فقد رأى محللون إيرانيون محافظون أن اختيار ذو القدر في هذه اللحظة منطقي تماماً، فهو رجل يعرف بنية الحرس من الداخل لأنه ساهم في تشييدها، ويملك علاقات عابرة للمؤسسات العسكرية والقضائية والتنفيذية، في وقت تحتاج فيه إيران إلى تنسيق بين المؤسسات المختلفة على مستوى غير مسبوق.
"ذو القدر مهندس حقيقي للنظام، وهو البنّاء قد يعرف كل حجر في جداره، لكن التحدي إذا ما كان يستطيع، بمعرفته وحدها، أن يمنع الزلزال"
يعرف ذو القدر هيكل الجمهورية من الداخل كما لا يعرفه أحد ممّن بقوا أحياءً اليوم. أسّس مقرّ رمضان الذي صار فيلق القدس، ودرّب المقاتلين الذين بنوا شبكات الوكلاء من العراق إلى لبنان. وشارك في مواجهة الإصلاحيين حين حاولوا فتح الدولة من الداخل. وزاد نفوذ الحرس في القضاء، ثم عاد إلى مجمع تشخيص مصلحة النظام ينتظر كمن يعرف أن لحظته الأهم بالنسبة للنظام لم تأت بعد.
وها هو الآن، في الحادية والسبعين من عمره، يجلس في المقعد الذي جلس فيه رفيقاه شمخاني ثم لاريجاني، فيما تختفي من حوله الوجوه المألوفة. فقد اغتيل المرشد، وقُتل قائد فيلق القدس، وتضررت بشكل غير مسبوق شبكة الحلفاء التي بناها مع رفاقه في أكثر من دولة. الرجل الذي لم يُطلق رصاصة كلاشينكوف واحدة لسنوات في حرب العراق وإيران، بشهادة أقرانه في ذلك الاجتماع العاصف قبل اثنين وأربعين عامًا، يدير الآن نظام الجمهورية الإسلامية في أكثر لحظاتها دقة وخطورة.
يختلف الحال بالتأكيد الآن عما كان قبل 4 عقود خدم خلالها ذو القدر في مواقع عدة أهلته لمنصبه الحالي، كواحد من رجالات الثورة القلائل الباقين، لكن السؤال الأهم الذي يواجهه يتعلق بإذا ما كانت المنظومة التي ساهم في بنائها قادرة على احتمال الضربات لوقت أطول. ذو القدر مهندس حقيقي للنظام، وهو البنّاء قد يعرف كل حجر في جداره، لكن التحدي إذا ما كان يستطيع، بمعرفته وحدها، أن يمنع الزلزال.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة