في غزة، تتحول العكازات من أدوات مساعدة إلى ركائز أساسية للإنتاج، حيث يضطر الجرحى إلى تكييف حركات أجسادهم وتطوير مهارات بديلة تتناسب مع مهن تتطلب وقوفا طويلا أو تحركا ميدانيا شاقا، في ظل انعدام أي بنية تحتية مهيأة أو أطراف صناعية متطورة.
تستعرض -الجزيرة نت- في هذا التقرير تفاصيل الكفاح الميداني لـ3 رجال، يعيدون تعريف معنى الاستمرار من خلال ممارسة مهنهم الأصلية في ظروف استثنائية، محولين النقص الجسدي إلى دافع للعمل لا جعله سببا للاعتزال، ومقدمين نموذجا حيا لصمود لا يُدبج في القصائد، بل يُرى بالعين المجردة في تفاصيل سكناتهم وحركاتهم.
فالمصور الصحفي سامي شحادة يتحرك بحذر فوق ركام المنازل المدمرة، يوازن ثقل كاميرته مع اختلال توازنه الجسدي، ليكمل توثيق مشهد كان هو ضحيته قبل أشهر، بينما ينحني محمد أحمد نصير ببطء شديد، متكئا على عكازه الحديدي ليغرس شتلة جرجير في بقعة رملية استصلحها بين الخيام في ساحة "مخيم الجوازات". وعلى رصيف ترابي في منطقة الصبرة، يثبت الحلاق معاوية الوحيدي قدمه اليسرى الوحيدة، ويميل بجسده يمينا ليضبط زاوية مقصه فوق رأس زبونه.
في منتصف أبريل/نيسان 2024، كان المصور سامي شحادة يركض بكاميرته لتغطية غارة في الميدان، قبل أن تسقطه قذيفةٌ بترت ساقه اليمنى على الفور.
يتذكر سامي تفاصيل اللحظة: "كنتُ واعيا لكل شيء؛ رأيتُ قدمي تفارق جسدي قبل دخولي غرفة العمليات. في السيارة، نظرتُ إلى مكاني الناقص وتساءلتُ عن مصير مهنتي التي تتطلب الركض والمناورة بين النيران".
لم ينتظر سامي طويلا؛ ففي 13 مايو/أيار 2024، أي بعد شهر واحد من البتر، عاد إلى الميدان. لكن التحرك لم يعد كما كان؛ فكل لقطة باتت تتطلب مجهودا في التوازن وتأمينا للمكان لضمان عدم السقوط.
يقول وهو يثبت حامل الكاميرا: "أحتاج الآن لمن يسندني عند الصعود فوق ركام أو التحرك بسرعة عند الاستهداف. حركتي باتت محسوبة بالمليمتر، لكن الكاميرا في يدي تمنحني التوازن الذي فقدته في جسدي".
يعمل سامي اليوم بساق واحدة، يصور الدمار الذي عاشه شخصيا. بالنسبة له، فإن الوقوف خلف العدسة ليس "بطولة"، بل هو استحقاقٌ مهني تراكم عبر 17 عاما من العمل.
ويختم قائلا: "سقطت ساقي في الميدان وبقيت الكاميرا. المواثيق الدولية التي لم تحمني سأظل أوثق انتهاكها حتى النفس الأخير، وسأظل أمشي نحو الحقيقة مهما كانت الخطوات ثقيلة".
"وجدتُ نفسي في الكفن، لكن النبض عاد في اللحظة الأخيرة"، هكذا يصف محمد أحمد نصير لحظة إنقاذه من تحت أنقاض المستشفى الإندونيسي في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
انتهى به المطاف ببتر في الساق وتسمم في الكلى وشظايا مستقرة في البطن، ليجد نفسه نازحا في خيمة بمخيم الجوازات، بلا مصدر رزق يعيل أطفاله الستة.
بسبب غلاء الأسعار وانعدام الخضروات، قرر نصير استصلاح المساحة الضيقة بجوار خيمته. المهام اليومية ليست سهلة لرجل فقد ساقه؛ فهو يضطر للجلوس على مقعد خشبي صغير، والانحناء بجذعه للوصول إلى الأرض، مستخدما أدوات يدوية بسيطة لتقليب التربة المليئة بالحجارة.
يقول: "الزراعة هنا ليست للنزهة؛ إنها وسيلتنا لنأكل. أبنائي يحضرون الماء من مسافات بعيدة، وأنا أتولى مهمة الغرس والعناية بوضعيات جلوس مؤلمة لظهري وساقي".
ينتج محمد نصير اليوم الفجل والجرجير، ويوزع الفائض على جيرانه النازحين. ورغم أحلامه بطرف صناعي يسهل حركته، فإن تركيزه الحالي ينصب على العودة لمهنته الأصلية النجارة.
يضيف "أريد العودة لصناعة غرف النوم. العمل بيدي هو ما سيحفظ كرامة عائلتي. الساق المبتورة عقبة، لكن اليدين ما زالتا قادرتين على الإمساك بالمطرقة والمنشار".
خلف كرسي بلاستيكي على رصيف منطقة الصبرة، يقف معاوية الوحيدي (42 عاما) ممسكَا بمقصه. معاوية الذي فقد ساقه في عدوان 2021، وجد نفسه مجددا في خضم حرب هدمت منزله وصالونه في حي الصبرة. اليوم. يعمل مضطرا في "الهواء الطلق"، حيث يقف لساعات طويلة على قدمه اليسرى الوحيدة، مما يسبب له آلاما حادة في الظهر والمفاصل.
يوضح معاوية الصعوبات الميدانية: "الحلاقة تتطلب حركة دائرية حول الزبون، وهو ما لا أستطيع فعله الآن. أضطر لطلب تحريك الزبون لنفسه أو الالتفاف ببطء شديد مستندا إلى حائط خلفي. الأطباء حذروني من أن الضغط الهائل على قدمي الوحيدة قد يؤدي لفقدانها، لكن الخيارات انتهت؛ فالمحل تحول لغرفة نوم لأطفالي سراج وإخوته، والرصيف هو مساحة العمل الوحيدة".
في الشتاء، تتضاعف المعاناة؛ فالبرد يزيد من تيبس العضلات المحيطة بالبتر، والمطر يوقف العمل تماما. ومع ذلك، يصر معاوية على العمل يوميا: "أعمل حاليا بـ 10% من قدرتي السابقة، لكن هذه النسبة هي التي تمنعنا من مد يدنا للناس".
يمثل معاوية واحدا من بين 12 ألف مبتور في غزة، لكن قصته تبرز في إصراره على أن يظل "الحلاق" الذي يقدم خدمته للناس، واقفا بقدر ما يسمح به جسده المنهك، ومتمسكا بمقصه كأداة نجاة وحيدة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة