آخر الأخبار

رصاص ومطاردة.. رحلة البحث عن عمل تنتهي بمأساة جنوبي الضفة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

رام الله- لم يدر في خلد الشاب الفلسطيني يسري أبو قبيطة ورفاقه أن رحلة البحث عن لقمة العيش داخل الخط الأخضر، ستنتهي بهم إلى مطاردة من جيش الاحتلال والمستوطنين في منطقة مكشوفة جنوبي الضفة الغربية ونهاية مأساوية.

حدث ذلك مساء أمس الأربعاء، في منطقة خالية، جنوب مدينة الخليل، حيث اعتاد العمال على العبور من خلالها إلى إسرائيل، لكنْ هذه المرة كان جيش الاحتلال والمستوطنون في الانتظار فأطلقوا الرصاص ولاحقوهم، ما أدى إلى انقلاب مركبة ومقتل سائقها الشاب يسري من بلدة يطّا جنوب المدينة، وإصابة ثمانية آخرين بالرصاص والكدمات.

مصدر الصورة فنشة يلقي نظرة الوداع على جثمان صديقه يسري (الجزيرة)

وداع وحزن

في منزله في مدينة يطا وخلال وداع جثمان الشهيد وتشييعه، قال ماجد أبو قبيطة والد الشهيد يسري للجزيرة نت إن نجله شاب عادي يسعى للحصول على رزقة وعائلته. وأضاف أن ابنه في مقتبل العمر ولديه طفلة، وإن الظروف الصعبة وقلة فرص العمل في الضفة دفعته للمخاطرة بحثا عن عمل.

ومنذ بدء حرب الإبادة على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تمنع إسرائيل عودة عشرات آلاف العمال إلى أماكن عملهم، مما يضطر كثيرين للمغامرة والمخاطرة بالدخول لتوفير قوت عيالهم، لكنّ جيش الاحتلال يلاحقهم بالرصاص.

من جهته، روى ضياء فنشة صديق يسري للجزيرة نت اللحظات الأخيرة في حياة رفيقه، قائلا "يسري معتاد على أخذنا من منازلنا بسيارته، بالأمس كانت الظروف الجوية سيئة وهو ما حال دون عبورنا من الطريق المعتاد، فقررنا العودة".

وأوضح أنه لدى عودتهم، بدأ إطلاق النار من قبل المستوطنين -وبوجود جيش الاحتلال- على مركبتهم ومركبات أخرى، فحاول السائق الفرار لكنّ المركبة علِقت في الوادي، فطلب من الركاب الترجل والهرب بينما بقي هو، لكنّ "المفاجأة كانت في انقلابها فوقه واستشهاده".

مباغتة بالهراوات وسلاسل الحديد

الحال ليست أفضل بالنسبة للعمال الذين ينجحون في الوصول إلى أماكن العمل. وهنا استذكر الشاب رائد عصام (23 عاما) من مدينة سلفيت اللحظات الصعبة التي عاشها مع مجموعة كبيرة من رفاقه، بعد مداهمة عناصر شرطة الاحتلال الغرفة التي كان يسكنها بالقرب من مكان عمله في مدينة اللد داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

إعلان

أنهى رائد عمله في إحدى ورش البناء مساء التاسع من يناير/كانون الثاني الماضي، وعاد إلى مكان سكنه، الذي يشاركه فيه قرابة 40 عاملا من بلدات مختلفة في الضفة الغربية. ذكر أنه كان يحاول تحضير وجبة طعام مع أصدقائه حين سمع أصوات دوريات الشرطة الإسرائيلية تقترب من المبنى الذي يقيمون فيه.

"في لحظات، كان أفراد الشرطة يطوقون المكان بالكامل، وبدأت المداهمة، والسبب طبعا أننا عمال من دون تصاريح، أو ما يُعرف محليا بالتهريب، كان تعاملهم عنيفا جدا؛ ضربونا بالهراوات والسلاسل الحديدية، ثم أجبرونا على الجلوس في وضع القرفصاء مع وضع رؤوسنا بين أرجلنا، وقاموا بتقييد أيدينا وتعصيب أعيننا. بقينا على هذه الحالة لأكثر من 6 ساعات، قبل أن يتم إخلاء المبنى وطردنا بحافلات صغيرة إلى معبر بيت سيرا غرب مدينة رام الله"، قال رائد للجزيرة نت.

جدار الموت

لم تكن حادثة مداهمة الشرطة واعتقال رائد وأصدقائه وطردهم أكثر قسوة من رحلة وصوله إلى اللد، والتي بدأت من مدينة سلفيت وسط الضفة الغربية، وصولا إلى بلدة الرام شمال القدس، حيث تسلق سلَّما ليجتاز جدار الفصل العنصري للوصول إلى الجهة الأخرى، ومن ثم إلى مدينة اللد.

وأضاف رائد "تسلّق الجدار مخاطرة كبيرة جدا. كنت أحبس أنفاسي في كل لحظة. وصلنا مع ساعات المساء وانتظرنا حتى وقت متأخر من الليل، ناهيك عن الخوف من اكتشافنا وإطلاق النار علينا. العملية بحد ذاتها تشعر الإنسان بنوع من الذل وانتهاك الكرامة، كأننا لصوص نحاول الهرب، كل هذا من أجل تأمين ما يُقال عنه مستقبل؛ أي مستقبل قد ينتهي برصاصة من جندي بمحاذاة الجدار".

وبحسب شهادته، فإن رحلة "التهريب" إلى أماكن العمل في الداخل المحتل تبدأ بدفع مبالغ مالية تصل إلى نحو ألفيْ شيكل (قرابة 700 دولار) لسماسرة يتولون وضع السلالم على جدار بلدة الرام، ونقل العمال من الجانب الآخر بواسطة حافلات. ولا تخلو هذه الرحلة من المعاملة الفظة والإهانة، واضطرار العمال إلى المرور عبر عبارات مياه وأراضٍ زراعية موحلة.

بطالة وملاحقة وإذلال

وفي حديثه للجزيرة نت، قال شاهر سعد الأمين العام لاتحاد نقابات عمال فلسطين إن حادثة استشهاد العامل يسري ماجد أبو قبيطة وإصابة 8 آخرين أثناء توجههم إلى أماكن عملهم في قطاع البناء داخل الأراضي المحتلة "جريمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى"، وندد باستمرار استهداف العمال الفلسطينيين ومحاربتهم في مصدر رزقهم الوحيد.

وبحسب سعد، فإن عدد العمال الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني بلغ، قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، نحو 240 ألفا، بينهم من يحملون تصاريح عمل وآخرون لا يملكونها.

ويوميا، تشهد مناطق مختلفة بين مدن الضفة والداخل حالات ملاحقة وإطلاق نار واعتقال لعمال أثناء محاولتهم الوصول إلى أماكن عملهم. وقد وثّقت كاميرات مراقبة أكثر من مرة إصابة عمال على جدار الفصل العنصري في مناطق شرق القدس وجنوب الخليل وغيرها. فيما أعلنت شرطة الاحتلال، أمس الأربعاء، اعتقال 9 عمال فلسطينيين غرب القدس المحتلة بزعم دخولهم دون تصريح.

مصدر الصورة بشكل شبه يومي يُصاب عمال فلسطينيون برصاص الاحتلال خلال محاولتهم اجتياز الجدار الفاصل (الجزيرة)

خسائر بشرية ومادية كبيرة

وأشار سعد إلى أن ارتفاع نسبة البطالة في السوق الفلسطيني، وعدم تعويض العمال عن خسائرهم خلال العامين والنصف الماضيين، وغياب صناديق الحماية الاجتماعية، أجبرتهم على العودة لمحاولات الدخول إلى أراضي عام 1948 بطرق التفافية ومن دون تصاريح، رغم إدراكهم لحجم المخاطر في كل مرة، مقدرا العدد بنحو 70 ألفا.

إعلان

وأضاف "منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قتلت قوات الاحتلال قرابة 68 عاملا فلسطينيا، فيما بلغ عدد المصابين نحو 5 آلاف، فضلا عن حالات الاعتقال اليومية. واليوم نصل إلى 30 شهرا من منع العمل في أراضي 1948، ما يعني خسارة تُقدّر بنحو 27 مليار دولار للعمال الفلسطينيين، وهي خسارة لا يمكن تعويضها، ولا توجد أي مؤشرات على السماح لهم بالعودة إلى أعمالهم".

ويرى سعد أن إسرائيل تسعى إلى إفقار فئة العمال للضغط عليهم ودفعهم للتفكير بالهجرة وفقدان الأمل في العيش في فلسطين، تمهيدا لتنفيذ مخططاتها بالضم والتوسع والسيطرة على أراضي الضفة الغربية.

وبحسبه، فإن الخسارة الشهرية لفئة العمال تُقدّر بنحو مليار و350 مليون شيكل، وهو ما ينعكس سلبا على الاقتصاد المحلي.

ما نظام التصاريح؟

في عام 1991، أقرت إسرائيل نظام تصاريح العمل بموجب قانون العمالة الأجنبية الذي يفرض على كل عامل الحصول على "تصريح فردي" للعمل داخلها بناء على طلب من صاحب العمل وضمن "كوتا" محددة. وبعد عام 2020، أنشأت الإدارة المدنية الإسرائيلية منصة إلكترونية تتيح للعامل الفلسطيني التقدم بطلب تصريح في قطاع اقتصادي معين (البناء، الزراعة…) دون الارتباط بمشغل محدد، بهدف إحكام الرقابة على العمال.

ويتطلب الحصول على تصريح حيازة بطاقة هوية بيومترية صادرة عن الجهات الإسرائيلية، واجتياز فحص أمني يشمل اعتبارات أخرى، مثل الحالة الاجتماعية وعمر العامل، الذي يُشترط أن يزيد على 22 عاما.

ووفق معطيات للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، نُشرت عام 2022، أي قبيل بدء حرب الإبادة، فإن 48% من عمال الضفة الغربية العاملين في إسرائيل ينحدرون من مناطق ريفية، مقابل 23% من المخيمات.

وتشير المعطيات إلى أن معظم العمال ضمن الفئة العمرية بين 15 و44 عاما، مع انخفاض النسبة تدريجيا مع التقدم في العمر، لتبلغ 16.5% لمن هم فوق 55 عاما. ويستقطب قطاع الإنشاءات النسبة الكبرى منهم، يليه القطاع الزراعي، ثم الصناعة والخدمات.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا